الأربعاء، 26 يناير 2022

عبد الرزاق بوكبة وتجديد اللغة في «كفن للموت»

عبد الواحد مفتاح

غلاف الكتاب

حملت المجموعة القصصية «كفن للموت»(دار العين، 2015) لعبد الرّزاق بوكبة(1977-)، سلاسة التّعبير الفيلمي داخلها وصفاء المشهدية المقطعية فيها، فكأن القارئ أمام فيلم شعري خاصّ، لا يرى كبيرَ فرقٍ بين أن نتكلّم عنها بصفتها كتابًا شعريًا أو قصصيًا، فهذا الكاتب تجاوز الحدود الأجناسية في الكتابة، ما يُخولُه حرية التّجوال بلا جواز سفر أو انتماء لجغرافية معيّنة، فهو هائم مثل آخر البوهميين النّبلاء في أرض الكتابة.

المجموعة نفسها جاءت على شكل نسق كتابي موحّد، ما يحقق لها أفق المشروع الجمالي الذي يمتلك مقوّمات ما تستطيع الاشتغال عليه، أي قراءة نقدية، فهو ليس بِتجميعات لنصوص بائتة، ومبثوثة هنا وهناك، تمّ جمع شتاتها في شكل كتاب. بل جاءت على شكل وحدة أدائية، ما يضمر داخلها وحدة فيلمية، في تسلسلية مقطوعة الحدّين. أول ما يُطالع القارئ فاتحتها: عتبة الإهداء التي وشمها به: «إلى الأشياء وهي تتحول، لتصير أرواحا تسيل لعاب الموت».

نحن هنا أمام إمضاء إبداعي يشحذ فلسفته، ويعرّي عن أفقه، فما يشدّنا في قصص عبد الرزاق بوكبة ليس السّرد الاستهلاكي للأحداث، وزرع موتيفات تدغدغ الغرائز والتوقّعات داخلها، وإنما هو ذلك التّقاطع بين لمعان الكتابة الجمالية والتأملية الإبداعية التي يحرّكها كآلية معرفية، ونحن هنا نستطيع الحديث عن تجربة عبد الرزاق بوكبة التي دشّنها منذ باكورته «من دسّ خفّ سيبويه في الرمل؟»(2004)، ثم مجموعة «أجنحة لمزاج الذئب الأبيض»(2008) إلى متنيه الزجليين «الثلجنار» و«يبلّل ريق الماء»، وغيرها من كتبه التي حققت إضافة نوعية.

اقتصاديات نصيّة 

إن المشروع الجمالي للكاتب بوكبة يتبلور في تجديد اللغة من حيت بنياتها وإبدالاتها، وتجذير الكتابة الإبداعية، من حيت هي فعل معرفي وعلمي محض، وتكسير الخريطة الأجناسية بالمضمار الجغرافي لإقليم الأدب وجزره، إضافة إلى مغامرة الذّهاب إلى الحدود الخطيرة، للبحث عن الجماليات الجديدة، رغم المزالق والعقبات التي لم يسلم منها الكثير من الكتُّاب، فلا شيء أكثر خطرًا على المبدع مهما كان متمكنًا من أدواته، من محاولة تغيير ذائقة القارئ العربي، واقتراح بنيات جديدة عليه، إنه أشبه بالحفر في صخور كِلسيه، وضرب من عدم التّعقل مجرد التفكير في محاولة ذلك، في ظلّ الحقيقة الواقعة لسيطرة «التقليدانية»، وتَجَذُر سيادة الخطاب الكلاسيكي، داخل الأدب والإعلام على حدّ سواء.

كتب القاص المغربي أنيس الرافعي عن مجموعة بوكبة: «إن (كفن للموت) هو أكثر من كتاب، إنّه بشارة، وعبد الرزاق بوكبة أكثر من كاتب، «إنّه صائغ»، إلى جانب قوله إنه «كتاب قصصي قائم الذات والصفات، له هيكل مادي ونظم باني وترابط دلالي، مسلّح ﺒاقتصاديات نصية، مدروسة ومحكوم ﺒفقه عناصر الترسيخ، على صعيد التشذير والتشظية، والعنونة الفرعية، وتشابك المصائر والحيوات والأشياء».

تشترك هذه المجموعة مع سابقتها «أجنحة لمزاج الذئب الأبيض»، في كون البطل الرئيسي في كل النصوص هو نفسه، فوحدة البطل إلى جانب ذكر اسم الكاتب أكثر من مرّة، يعطي الانطباع القوي بِصِدقية المحكي، وواقعيته المباشرة، وأنها تسير نحو السيرة الذاتية، إن لم تكن كذلك، رغم ألا خلاف مفهوميًا على كونها سيرة إبداعية، احتوت تيمة الموت، لتتحقق لها فرادتها، على مستوى المجاميع العربية التي احتفلت بهذا المكوّن الرديف للحياة، كما حقق محمود درويش احتفاله به في القصيدة/ الديوان «الجدارية»، وإن كان درويش قد ضمن لعمله الشعري الخلود كأحد أهم النصوص الكونية في الموضوع، فإن بوكبة قد ضمن للقارئ الحياة الآنية في متعة تلقّي هذا العمل.

تتفاوت النصوص الخمسة عشر داخل المجموعة، بين الطويلة والقصيرة جدًا، لكنها مخترقة جميعًا بلغة شعرية وأسلوبية فنية، تعتمد على الومضة وجمالية البتر، فيما يشبه التقطيع الفيلمي.

ثالوث الموت والحباة والحب 

نحن مع بوكبة أمام حشرجات قصصية، حين يُدخلُك مختبر الكتابة خاصته (قليلون من يفعلون مثل ذلك) ليطلعك على أن هذه التجربة، كتبت في القطار الرابط بين مدينتي بودواو والجزائر العاصمة، أي قطار هذا الذي يدعونا  الكاتب إلى صعود معه فيه، بلا تذاكر أو أحزمة أمان، بالسّرعة القسوة! السرعة اللازمة لاجتياز منطقة الجاهز في القصة القصيرة العربية، ليأخذنا إلى حادي الأرواح في بلاد الأفراح، لكنها أفراح من النّوع النّادر، لأنها أفراح عقلية، توفّر لنا متعة ذهنية بالغة، حين نتابع صفاء الصورة الكتابية وتفجر الحكي من «اللامتوقع»، وانسيابيته رغم المعطى الفلسفي الذي يكتنزه.

جاء في مقطع: «يكفي أن تناديني حتى تجدني عندك يا الزبير، حبلت بك قبل أن تولد، فأحبل بي بعد أن أموت». إنه حوار قد نستشف منه عمقًا فلسفيًا. أو نجد له تقاطعًا عند بعض الكتابات الذهنية للمبتدئين، دلالة على نضج مبكر. إلا أنه هنا يحبل بحدّ شعري وأفق من الرؤية، لا يتأتى لنا وهذا الاقتباس العنيف، من داخل المجموعة التي تتناغم في ودّ بفسيفسائها، أسوقه للتدليل على الوحدة الأدائية للمجموعة بأكملها، قد لا أتفق على كونها مجموعة قصصية، قد تكون جملة قصصية واحدة، يرسلها هذا القاص كطلقة رحيمة يودع بها الأبنية المعتمة، ويفتح لنفسه درجاتٍ جديدة، في ترقي مشروعه الإبداعي.

كل كتابة مهما كان حدها، وجنسها، تدور تحت ثالوث الموت والحياة والحب، لذلك لم يكن تناول الكاتب لتيمة الموت مفردًا، فما ألصقه بلحمة الحب، هذا الذي نجده يتماوج بين شخصيتي بوكبة (الزبير بن نجمة وسارة الأشهب) وهو ما يسوق تفاصيله هذا القاص، بعيدًا عن الراوي العليم، إذ هو نفسه تآلف بينهما، في الوقت نفسه الذي يقدّم لنا فيه احتمالاتٍ وأساليبَ وتطويعًا للغة، وتكسيرها، وتغييرها، خلال دفعه لقصصه نحو أفق تجريبي، يجدد أدواته باستمرار، فهو يُحوّل عمله الحكائي، إلى ورشة تقنية يجرب عليها الكثير من المهارات، ويضيف لها بعض البهارات، بطريقة تتحاشى الابتذال، خاصة أن القصة القصيرة جنس جمالي خالص.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …