الجمعة، 3 ديسمبر 2021

أسماء جزائري في نصّ جديد: لأجل الشّعر نعرفهم .

أعرفُ أن أنفاسك التّي تتحوّل إلى منطاد داخل فمكَ، تُحاول رفع غضبي فيكَ، حينما أتجوّل حافيةً داخل خطواتك، وأنّ النّساء اللّواتي كنّ يعثرنَ عليّ تحولنَ إلى ورطة قطنيّة، أنام على صدفهن كلّما اشتد ساعدكَ، وتخشّبت بيننا الأحاسيس.

أعرفُ أنّ الهواء والذّي يحاول الآن رفع تنُّورة الحياة، ليكشفَ عن مفاتنها، ينسى أنّها تتشمس على الشواطئ، وأن هذا التَّعب الذّي يقُوم به فقط لألاحظ أصابعكَ وهي تحرّك الخيوط الواهية من التَّشققات على شفاهي لأبتسم.

أعرفُ كيفَ تتصلبُ عروق يدكَ، وأنا أستيقظ باكراً لأعدّ لحمامات درويش الفطور، كيفَ يقتلكَ هذا المدى الفاصل بين طاولة شقتي المعروضة للإيجار في آخر كلّ لقاء، وغرفة نومك المجهّزة للتحسّر في المدينة المقابلة. أعرفُ يد الباب حين تتجعد بالصدأ، وقلبها حين يتوقف عن الدّق، أعرفُ كيف تتحوّل إلى جناحين خشبيتين ، حين تُخرج لسانها العالق داخل ثقب في الجدار جرّاء رياح الغضب القويّة التّي أدارت علينا قفلا ًموجعاً كالفراق، أعرف كيف تتحوّل إلى راقصة شرقيّة، الباب امرأة تحتاج دائماً لمداعبة مرفقها حتى تُصغي إليها الدّفوف، أعرفُ أنني أستعينُ بكتب عديدة، وعناوين ضَريرة، كما أستعين بأموات الوداعات، والذّين اعتكفوا على التخلّي، لأفكّ عزلة حبّكَ من قرى الغُموض، وأن الرّجال الذّين هم يشبهونكَ في الغباء جرحوا سيقانهم، وعرجوا حتّى اختفت ملامحهم داخل العكاز.

أعرفُكَ لدرجة أنّني كلّما وقفتُ أمام فترينة تسنّى لي شراء كلّ ملابس أفكاركَ الدّاخلية بنظرة، وحينَ تخسرُ معي هذا الرّهان تقُول «المُهم ربحنا الألمان سنة 82» لماذا تكتُبُ لي عن الآخرينَ و تقصدُ نفسكَ ؟ كما لو أنّني لا أعرفُ أنّكَ تستعينُ دائماً بقبلاتي كقُبّعة تظلّل شفتيكَ، في الأوقات الحارّة للاشتياق أعرفُ أنَّ صنصال منذُ القِدم يُحاول تفجير نفسه داخل مبغى في شارع الأدب، لإثارة الفوضى و يُستباح دمه، لكن دون جدوى، فأجدادنا يشبهونكَ لا يرتادُون إلاّ المواقف، وفي كلّ تفجير لا يموت القتَلة، وكذلك يفعل هو حينَ يخلد بحزامِه النّاسف الذي لا يُدعر الّاه . أعرفُ أن الأبرياء من الحب يُشبهون تماما الأبرياء من الخِيانة، لكن حقيقة أن تكون بريئا من الحبّ أفجع . أعرفُ قلبي حين يُغمض نبضه، وعيونِي حينَ تتحوَّل إلى مسابح تتجوَّل فيها الوجُوه كالسَّمكات، وأصابعي لحظة تجوُع و تتقشّر أظافرها، وجلدي حين يشتدّ كطبلٍ يدّقه الهُنود، وخصلات شعري حين تتمَاسك كريشة طاووس، ثمّ إنّني أتحوّلُ إلى وحشيّة داخل هذا الحب الذي أفسد إنساني الذي عرفته، وأكاد أتعرّف عليه حين وضعت قلبي على الأغصان كعشّ، وأغلقت خلفه باب الغابة. أعرف أنك تحبّ النساء كثيرًا، لكنّك تُجيد ادعاء الرّصانة، ولا ترتعد كقطّ مبلول كما فعل «ميهوبي» في التّجربة الجزائرّية.

أعرفُ أنني جربّتُ كثيراً أن أحبك مثل أخي كما تقُول الأساطير، لكنّك كنتَ دائماً تقتحم جسدي، ثمّ تدفعُ خلفكَ هذا الهُراء بحوافر غيرتكَ القويّة، فأسمعُ عضلات الفِكرة وهي تنكسر، فتُفِسد أخلاق الأسطورة وأنتَ تضعُ تلكَ اللّوحات لقُبلنا على الجِدار، وتُغادر كما يفعلُ الذّين يدافعونَ عن أماكن لم تزرهاَ بعد أقدامهم.

أعرفُ تلكَ القنافذ التّي تترعرع داخل قميصكَ، تلك الحيوانات العنِيفة التّي ترمي بأشواكها نحوي كلّما أغمضتُ عنكَ يداي، فيتحوّل هذا الوخز على جسدي بقعاً من وجع، وطفحُ قهريّ، تخُور عند قواه جماليات علاقة أخرى بعدكَ، وأستطيع أن أُرفضَ بداعِي العدوى، وأخاف أن أتخلّص منكَ في آخر .

أعرفُ أن الغرف المُظلمة، والتّي تختفي ليلا من على الجُدران في الشّارع ، تحاول إخباري أن الاختفاء عن الأنظار لا يعني أّننا غير متواجدين ، لكنه يعني المراقبة من الابتعاد في صمت. أعرفُ أنّك تتحوّل إلى فقاعة صابون لتجرّب أن تكون مرّة و لو بدافع الموت تسلية، يقول لي الموعد على الأجندة : التواريخ قناديل منسيّة، تضعها الأقدار على شرفتك المظلمة، متى أضاءت تكون قد تحققت، هي لا تعرفُ أن الأثداء و التّي يتيبَّس فيها حليبُكَ الأسود، تُعينُ السّرطان على حمل جسدي كضوء يحوّلونه إلى جثّة مُطفئة، وأنا إلى ذكرى لا يضيئها قنديل و إن أضاء الموعد. أعرف أنني امرأة عامرة بالحُزن المريض، و أنّ المصابين أمثالي بمثل هذهِ الأعراض يحوّلون أعداءهم إلى خواص، وعشَّاقهم إلى نافذة رملية، كلّ موجة تتدفَّق إلى ورقي تزيحُ السّتار عن نافذة أخرى.

أعرفُ أنكَ غابة تتجوّل فيها الفؤوس، وأنني الفتاة التّي ألفتكَ كعذاب مثير للشّفقة. أعرفُ أينَ أضعُ رأسي المُستديرة بين راحة يديك، ونُصبح ساعة بشريّة على معصم الحياة، تديرُ الوقت كيفما تشاء، عندما يتسنّى لي إيقاف هذه اللّحظة الزمنيّة بالابتعاد عن أغنية جهازك التنفسيّ.

أعرفُ أنّ كل هذه الحركات الالكترونيّة، وهذه المشاعر الكهربائيّة لن تستطيع تحويلي إلى تلكَ التّي تصرخ فيكَ الآن، أن ضع قفلا آخراً لباب بيتكما . أعرفُ الكثير حينما ينكسرُ جسرنا في الكلام، وتغرق خطواتنا داخل نهر من الدّموع ، و ما إن أستعيد ضوءك الأخضر على هاتفي، أشعر أن قشّة ما أعادت المجرى إلى مياهه.

أعرفُ أنّكَ عاجز كمكتوف عن الفرح، وأنّكَ بطلٌ من دون دور واحد ولو هزليّ للبطولة، وأنّكَ كالضحك المزعج، تأتي في مناسبات حزينة. أعرف أن قلبكَ قبر، وأن جسدكَ تابوت، وأن حياتك تجهيز طفيف عن الآخرة، وأن أفكارك كالألعاب النارية ، تبرق و تنطفئ في المناسبات. أن حياتك . . حياتك التّي تنتظركَ بين الأحراش والثعالب، تخرجُ كلّ ليلة من جحرها تناديكَ، رغم هذا تترك لها حيرة ردكَ : لا أعرفكِ أعرفُكَ بكلّ ما لا أعرفهُ عنّي ، لهذا خسرتكَ لأكسب بخسارتكَ الشّعر .

أسماء جزائري

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …