الإثنين، 18 نوفمبر 2019

ألم يحن أوان عودتنا إلى الكاهنة..؟

فؤاد ڨاسمي

باعتبار الفرنسيين مستعمرين، وهو الحال، لا يمكن أن يختلف جزائريّان على أنّ كلّ من رفع في وجوههم «عصا» كان مقاومًا وكلّ من رفع على مسامعهم «صوتًا» كان مناضلا.

تلك هي المعادلة: الوقوف في وجه الاستعمار هو فعل مقاومة.

وعلى ذلك النّسق كانت الحروب ضد الرومان والوندال والبيزنطيين والإسبان.. أفعال «مقاومة وطنيّة» شريفة تكرّسها المنظومة التربويّة، ومنظومة الرّأي العام، ويستوعبها ويردّدها لاوعي الشعب الجمعي.

كلّها كانت أفعال مقاومة.. إلا حربَ مقاومة الغزو العربي!

حربُ مقاومة الغزو العربيّ التي قادتها ملكة الأمازيغ «ذايا» أو ديهيا أو الكاهنة وصالت وجالت على رأس جيشها في وجه جيوش العرب الجرّارة، لا تزال إلى اليوم في الظلّ، تغفلها المقررات الدراسيّة، ويمسخها التّاريخ الرّسمي باعتبار الغزو العربيّ «فتحا مباركا»، فيسقط بذلك وصف «المقاومة الوطنيّة» عن حرب «ذايا» للعرب، وتسلّم تلك الحقبة بأكملها وبكلّ رموزها جاهزة إلى الإسلاميين والعروبيين من مثقّفين وسياسيين، أولئك الذين لا يفوّتون مناسبة دون شيطنة الكاهنة المُقاومة ومحاكمتها دينيّا، متموقعين مع المحتلّ القديم، ومتحالفين معه ضدّ الكاهنة «الكافرة»، مُسقطين بذلك شرف المقاومة عن امرأة قادت جيشًا من فرسان هذه الأرض لدحر الظلم والويل والكدر عن أبناء شعبها.

في رسالة له بمناسبة عيد الاستقلال، ذكر رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة بكلّ وضوح بأنّ «الوجود الأموي، والوجود العبّاسي» كانا احتلالين «غاشمين» ارتكبا ما ارتكبا من «المجازر»، وحاولا «إبادة أهلنا وتجريدهم من أراضيهم».

«على شبيبتنا ألا تنسى ما تكبده شعبنا من ويلات طوال 132 سنة(فترة الاحتلال الفرنسي)، تلك الويلات التي تمثّلت في المجازر ومحاولات إبادة أهلنا وتجريدهم من أراضيهم وتصميم على طمس ثقافتنا ومحو هويتنا وجعلنا في خبر كان.

أو ليس الأمر كذلك بالنسبة للأمويين والعباسيين. علينا أن نجعل أبناءنا على علم بممارسات الغطرسة الهمجية التي طالت أسلافهم كلما حاولوا كسر قيود الاستعمار، و قد بلغت حدّ  نفي الآلاف منهم إلى ما وراء المحيطات» قال رئيس الجمهورية.

بحكم منصبه فإنّ مما لا جدال فيه أنّ رسالة بوتفليقة هذه، بمناسبة الخامس من جويلية، تعبّر عن توجّه «الدولة الجزائرية» التي هو على رأسها نحو مقاربة مراجعاتيّة تاريخيّة وهويّاتية. مراجعة بدأتها قبل أشهر عبر «مشروع ترسيم اللغة الأمازيغية».

مشروع ترسيم اللغة الأمازيغية الذي مرّ رغمَ المعارضة الشّرسة من طرف أحزاب وجماعات وأفراد ذوي توجّه «إسلامي» وجماعات وأفراد وشخصيّات عروبية كانت قبل اليوم، زيت دواليب السلطة، ولسان حالها، وأداتها الصّارمة في مواجهة كلّ النّزعات (Tendances) الهويّاتية الأمازيغية.

صورة متخيّلة للملكة الكاهنة

وقد أعلنت «الدولة» بداية «المراجعة»، مراجعة تسعى عبرها – على ما يبدو – إلى استباق الخطر وإغلاق الباب في وجه «الموت القادم من الشّرق» وإحداث قطيعة مع «التمشرُق» محاولة منها لتخفيف وطأة وأثر أيديولوجيّتها «السّابقة»(التمشرُقيّة) وما صاحبها من التزامات أقحمت وتقحم البلد في حروب بالوكالة وتجرّها إلى صراعات هي في غنى عنها.

الدولة الجزائرية اليوم تعتبر على لسان رئيسها الوجود الأمويّ والعباسي «احتلالا»، هذا ما لا غبار عليه.

هذا الوجود الّذي مكّن له في الشمال الإفريقي قتل «ذايا» أو الكاهنة وفصل رأسها عن جسدها واستعراضه في دمشق، وما عاناه الأمازيغ من ويلات تحت وطأة الأمويين والعباسيين هو نفسه ما وصفه  الرّئيس بوتفليقة بـمحاولة «جعلنا في خبر كان».

اليوم، وقد دعا رئيس الجمهورية «القائمين على منظومة التعليم الوطنية، الباحثين والأدباء، والمثقفين، أن يضاعفوا من الجهود قصد تلقين تاريخنا والتعريف به أكثر فأكثر» ألم يحن الأوان، لمراجعة تاريخنا حقّا، وحماية إرثنا وهويّتنا الحقيقيّة من أبواق الأيديولوجيّات الاستلابيّة، وتعريف أبنائنا بمن كانت «ذايا»(ديهيا) أو الكاهنة الملكة المُقاومة؟

ألم يحن الأوان، لتسميّة الاحتلال احتلالا أيّا كان دين المحتل، وتسميّة المقاوم مقاوما ومنحه حقّه في تاريخنا وفي عقول وقلوب أبنائنا أيّا كان دينه؟ ألم يحن الأوان لإعادة ما لنا إلينا؟

ألم يحن أوان عودتنا إلى كاهنتنا!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

5 أكتوبر 1988.. النّار والرّماد

3 أكتوبر 1988، كآبة وطنية شاملة.. الوجوه مكفهرة، اليأس يئن مثل غربان فوق الرّؤوس، الشّرطة …

بابيشة

آخر فيلم في زمن بوتفليقة يحكي عن “بابيشة” تائهة

يُثير فيلم “بابيشة”، منذ أيّام، نقاشات متضاربة فيما بينها. يروي الفيلم قصّة فتيات يقطنّ في …