الإثنين، 18 نوفمبر 2019

فارح مسرحي ﻟ«نفحة»: لماذا تعاني الفلسفة من التّهميش؟!

حاوره: نورالدين برقادي

فارح مسرحي

يتأسّف أستاذ الفلسفة بجامعة باتنة، د. فارح مسرحي، للغياب التّام لثقافة الإصغاء للطّرف الآخر، بين أتباع مختلف التيارات الفكرية عندنا. ويعلّل صاحب «المرجعية الفكرية لمشروع محمد أركون الحداثي» – في هذا الحوار – أسباب خفوت صوت المشتغل بالفلسفة – كما يحبذ تسميته – في العالم الإسلامي، ويعبّر عن موقفه من الكتابات الفلسفية المؤلّفة من طرف باحثات في الفلسفة، كما يبرز وجهة نظره من مقال الكاتب المغربي بنسالم حميش حول أركون.

 يشكّل الحوار السّبيل الأمثل للصراع العلماني الإسلاماوي، ماهو واقع هذا الحوار، خاصة بعد رحيل د. فرج فودة، أ. محمد الغزالي، د. فؤاد زكريا، د. محمود أمين العالم..؟

أكيد الحوار هو السّبيل الأمثل لتجاوز الخلافات، ولكن هذا يبقى في حكم ما ينبغي أن يكون، لأنه، وبالنظر لما هو كائن، فالسّؤال المطروح: هل هذا النّوع من الحوار ممكن؟ وأقصد هنا الحوار الجادّ في القضايا الخلافية العميقة، والذي من شأنه أن يعدّل من بعض المواقف والرؤى بعيدًا عن لغة السبّ والشتم والتكفير، وبعيدًا بالدرجة نفسها عن الضحك المصطنع وادعاء الأخوة في اللقاءات المباشرة أثناء الندوات العلمية أو عبر وسائل الإعلام، دون أن يترافق ذلك مع إمكانية زحزحة القناعات والمواقف، فالملاحظ أن كل طرف غير مستعد لأدنى مراجعة لمواقفه انطلاقا مما يراه الطرف الآخر، أصلا هناك غياب تام لثقافة الإصغاء للطرف الآخر، كل طرف ينتظر الآخر ليتم كلامه – وفي كثير من الأحيان يقاطعه وبعنف – ويردّ عليه دون حتى محاولة فهم مضمونه، انظر ما يحدث عبر برنامج «الاتجاه المعاكس» لقناة الجزيرة كمثال عيني لغياب ثقافة الإصغاء لدى المشاركين في الحصّة حتى لا أقول المتحاورين، باختصار الحوار مهمّ فعلا ولكننا بعيدون عنه في الوقت الراهن.

لا تزال للفيلسوف في المجتمعات الغربية مكانته المرموقة وتحقّق مؤلفاته مبيعات قياسية (برنار هنري ليفي، فرانسيس فوكوياما، صمويل هنتنغتون..)، فيم تتمثّل العوائق التي تحول دون احتلال الفيلسوف عندنا للمكانة ذاتها؟

أنا أفضل استعمال تعبير «المشتغل بالفلسفة»، لأن هناك جدل كبير حول هذه المسألة، أقصد مسألة وجود فلسفة عربية أو فلاسفة عرب في الفترة المعاصرة، وهي محل تباين للآراء بين المختصين ولكل حججه وقناعاته، أما عن عوائق احتلال المشتغل بالفلسفة في السياق العربي للمكانة نفسها التي يحتلها نظيره في السياق الغربي فهي كثيرة، منها ما يرتبط بالمشتغل بالفلسفة نفسه وأتوقّف هنا عند مسألتين مهمتين أولهما تتعلّق بلغة الخطاب والتي كثيرًا ما تكون موغلة في التجريد والتعقيد حتى لا يكاد يفهم قصد المتفلسف إلا القلة فكأن «متفلسفتنا» يكتبون لأنفسهم، الثانية تتعلق بنوعية القضايا التي يهتم بها المشتغلون بالفلسفة في العالم العربي الإسلامي فهي في الغالب قضايا عامة، كلية، لا يشعر القارئ العربي بأنها تعنيه أو يمكن أن تغيّر شيئا من واقعه المزري، كما أن أغلب هذه القضايا هو صدى لما يناقشه الفلاسفة الغربيون، بمعنى أن متفلسفتنا يجيبون عن أسئلة مطروحة لدى غيرنا، هناك في المقابل عوائق أخرى تتعلق بالمتلقي أي الجمهور المستهلك للخطاب الفلسفي، وهنا لابدّ من الإشارة إلى نسبة الأمية في مجتمعاتنا، وضعف المقروئية عموما، ومنزلة الفلسفة في المجتمع والتي هي آخر الاهتمامات، ولعل العوائق الأكثر أهمية هي تلك المتعلقة بالدولة، بسياساتها ومؤسساتها لاسيما في المجال التربوي والثقافي، يكفي أن نشير إلى أن الفلسفة هي آخر المواد التي يتعرّف عليها التلميذ في مساره الدراسي ولا يكون ذلك قبل السنة الثانية ثانوي للأدبيين والثالثة ثانوي للعلميين، وهذا وضع يعبّر عن إرادة واضحة لتهميش الفلسفة، ويمكن أيضا الإشارة إلى مشكلات متعلّقة بسوق الكتاب من نشر وترويج وتوزيع وأسعار، إلخ. كل هذه العوائق – وغيرها كثير طبعا – يجعل الفلسفة في مجتمعاتنا تعاني التهميش والنّبذ وحتى الخوف والحذر من خطابها.

السّاحة الثّقافية في الجزائر شبه محتكرة من طرف الأديب مع تسجيل غياب الفيلسوف والمؤرخ وعالم الاجتماع والأنثروبولوجي والكاتب المسرحي والنّاقد الفني، ماهي العوامل التي ساعدت على بروز الأول وغياب البقية؟

معك بعض الحقّ، فعلاً إذا ما قارنا الاهتمام والمتابعة والمقروئية الخاصة بالأدب خاصة الرواية، نجد أنه أحسن بكثير من الكتابات الأخرى، ومع ذلك تبقى الأمور بعيدة عن المستوى المطلوب، مازالت مبيعات الكتب لا تتعدى المئات وبضع آلاف، وهي أرقام بعيدة جدًا عما ينبغي أن يكون، وهذا راجع للعوائق المذكورة سابقا، قد يكون الروائيون استفادوا من لغة نصوصهم التي هي في متناول القراء وكذا الموضوعات التي يتطرقون لها في رواياتهم والتي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالجمهور آلاما كانت أو آمالا، وهي تخاطب عواطفهم وتعبّر عن أحاسيسهم، في حين تأتي كتابات الفلسفة وعلم النفس والاجتماع والانثروبولوجيا نخبوية وجافّة.

الكتابة الفلسفية ذكورية بامتياز وطنيا وعربيا، إلامَ ترجع عدم حضور «تاء التأنيث» المتفلسفة؟

اعتقد بأن الأمور بدأت تتغيّر تدريجيًا، ربما كانت الأجيال الأولى من المشتغلين بالفلسفة في العالم العربي خالية من النساء، وهذا راجع لوضعية المرأة عموما في مجتمعاتنا والموقف العام الذي كان إلى وقت غير بعيد ضد تعليم البنات، ولكن مع الجيل الحالي هناك مشتغلات بالفلسفة في جلّ البلدان العربية وبأعداد كبيرة ولديهن أعمالا جادة لا تختلف في شيء عن أعمال المتفلسفة من الجنس الآخر، في شهر جوان الماضي – مثلاً – وفي «مؤتمر فلاسفة الشرق والغرب»، وهو من أكبر المؤتمرات العالمية للفلسفة بالولايات المتحدة الأمريكية ألقيت محاضرة الافتتاح من قبل المصرية يمنى طريف الخولي، عرفانا لما قدّمته من أبحاث فلسفية جادة، فهذا اعتراف دولي لم يحظ به – حسب علمي – أي مفكّر عربي آخر. وحتى في الساحة الجزائرية هناك كتابات جادة لمشتغلات بالفلسفة في مختلف الجامعات الجزائرية. لذلك اعتقد أن موضوع ذكوري/ نسوي أصبح متجاوزا، لأن المهم بالدرجة الأولى هو النصّ أو المنتوج لا جنس المؤلف.

ردّت، قبل أشهر، زوجة المفكر المرحوم محمد أركون بشدّة على مقال الكاتب ووزير الثقافة المغربي السابق، بنسالم حميش، الذي وجّه فيه نقدًا لاذعًا للمشروع الأركوني. كباحث في الفكر الأركوني، ماهي قراءتك لمقال الكاتب المغربي، وهل أركون «إرث عائلي»؟

اطلعت على مقالة الكاتب بنسالم حميش، مثلما اطلعت على ردّ أرملة أركون السيدة ثورية يعقوبي، ولست أدري ما هي الدوافع الحقيقية وراء مقالة حميش لأنني اعتقد أن المقالة ليست مجرد رأي أو موقف نقدي، فهناك انقلاب جذري في موقف حميش من أركون الذي كان مشرفا على أطروحته للدكتوراه، قد تكون هناك دوافع سياسية أو أهداف انتخابية وراء هذه المقالة غير الموفقة في كثير من مضامينها، والجارحة في مضامين أخرى، لأن الموضوعية تتطلّب الابتعاد عن السبّ والتكفير والتصنيف العقائدي، خاصة في المسائل الخلافية التي لا تزال محلّ جدل ومناقشة، فكيف يقنعنا حميش أن أركون لا يتقن اللغة العربية – مع أن ذلك حتى لو افترضنا صحته لا ينقص من قيمة العمل الذي أنجزه أركون – وهو المبرز في اللغة العربية في خمسينيات القرن الماضي، وهو الذي ترجم وعلّق على كتاب مسكويه: «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق»، في ستينيات القرن نفسه؟ هذا مجرد مثال فقط عن نوعية المضامين الواردة في مقالة حميش، أما عن الشقّ الثاني من سؤالكم فمن الواضح أن أركون أكبر من أن يحتوى في إطار ضيق عائلي أو عرقي أو جهوي، لأنه مفكّر عالمي إنساني، مدوّنته النصية تبقى مفتوحة على الشّرح والتأويل والإثراء، هناك باحثة ألمانية اشتغلت على نصوصه وأعمالها منشورة، كما أن هناك باحثة فرنسية أيضا استفادت من أعماله، ناهيك عن عشرات الباحثين في البلدان العربية والإسلامية، حتى الردّ على مقالة بنسالم حميش لم يقتصر على السيدة ثورية فقط، بل جاء من عدة جهات، من الجزائر، من مصر، من المغرب، إلخ.

لذلك، فمصطلح الإرث العائلي غير وارد، يجب أن نذكر أنها تتحدث باسم المؤسسة التي أنشأتها باسم أركون، وهي «مؤسسة محمد أركون للسلام بين الثقافات» والتي تحاول من خلالها – وهي مشكورة – نشر كلّ ما يتعلق بمسيرة الراحل من أرشيف وفيديوهات، كما أنشأت جائزة لأحسن الأعمال حول فكر محمد أركون، وقد أعادت، مؤخرا، نشر طبعة مزيدة ومنقحة لكتابه «قراءات القرآن»، الذي لا يزال ينتظر ترجمته إلى اللغة العربية.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الشاطئ : حلبة جديدة بين الدين والفلسفة

أحمد عمراني الشاطئ موضوع فلسفي مهم وجديد. قد يبدو للوهلة الأولى أنه موضوع سوسيولوجي أو …

بوعلام صنصال

بوعلام صنصال ﻟ”نفحة”: الحراك يبعث على التفاؤل

حاوره: حمزة دايلي منحني الظّهر، يمشي بوعلام صنصال(1949-)، حاملاً كتبا قديمة في سترته الخفيفة، وكأنّ …