الإثنين، 18 نوفمبر 2019

ماذا يحدث في وهران..؟

سلمى قويدر

بعيدًا عن المقالات المحتفية بافتتاح مهرجان وهران الدّولي للفيلم العربي، في دورته التّاسعة، الذي كنا نتمناه «حدثا ناصعا» كما تحاول بعض وسائل الإعلام الرّسمية و«المستقلة» التّرويج له، فضّلنا أن نكتب عما يؤرقنا في هذا الحدث، الذي انطلق ليلة أول أمس، وما يؤلمنا كممتبعين وداعمين للسينما العربية، ونوّد هنا أن نسلط الضّوء على ما تخفيه أنوار المسرح ونعومة السّجاد الأحمر وماكياج المضيفات والممثلات..

«نحن متقشفون!»، يردّدون كل يوم على مسامعنا أنشودة البذخ الخالدة.. يحتفي هؤلاء من مهرجان لآخر ومن مليار لآخر، منظمون منصَّبونَ بمقاسات الصداقة والمحاباة، لا يمتلكون ثقافة تنظيم واضحة لمهرجانات السّينما في الجزائر، ولا أدنى فكرة عن صناعة الفنّ السّابع وعن مستجداته..

يكتفون دوما بأقل الأشياء ويلجؤون إلى حلول آخر لحظة ليغطوا عجزهم الفادح في استقطاب رواد السينما الحقيقيين، ليكتفوا يإلصاق التّهم بالميزانية التي يكفي نصفها فقط في بلد آخر لتنظيم مهرجان ناجح جدًا وثريّ..

المواطن الجزائري البسيط هنا، لن يحاول كثيرًا الخوض في ذلك البرنامج المبهم الطّويل الذي عرضته محافظة مهرجان وهران للفيلم العربي، لقد انهمك المنظمون ليلة الافتتاح في التركيز على الأضواء القوية التي تجذب هذا المواطن المحروم من وهج تلك التظاهرات، وفضلوا أن يزيّنوا الافتتاح باستضافة ممثلين تركوا علامة استفهام لدى المهتمين بالسينما العربية..

هم في الواقع ليسوا نجوما سينمائيين بارزين، ولم يقدموا يوما عملا سينمائيا مميّزًا، ممثلون من الدرجة الثانية والثالثة.. مع القليل من نجمات الإغراء في أفلام تجارية بحتة.. يشتغل أغلب هؤلاء في صناعة دراما عربية حديثة متعددة الجنسيات.. دراما هزيلة أضحت تعتمد على المال الخليجي وعروض الموضة الباهضة في الفترة الرمضانية، وابتعدت كثيرًا عن السيناريوهات الجيّدة والمبدعة ومواهب التمثيل القوية..

أصبح المثقف الجزائري وفريق عمله رهينة للمنصب الرّسمي، مكبلين وملزمين بالحفاظ على علاقاتهم وعلاقات المسؤولين بأصدقائهم، فلم تخلو قوائم المدعويين إلى هذا المهرجان من جموع الأصدقاء بكل صفاتهم، لم تتوقف دعوات المحاباة والمجاملات على حساب تحقيق الماهية الحقيقية للمهرجان ودوافعه النبيلة التي تخدم السينما الجزائرية والعربية..

مهرجان سينما أم مهرجان دراما؟

تداخلت الشخصيات الحاضرة بين ممثلين وفكاهيين في سلسلات «السيتكوم» الرمضانية، وممثلات صاعدات يعرضن خدماتهن للظّفر بغرفة فندق وبطاقة دعوة (VIP)، ولحفظ بعض من ماء الوجه دعي ممثلون من ولاية وهران كانوا قد همّشوا لسنوات طويلة جدًا بعيدًا عن تلك البهرجة.. منهم من حضر ومنهم من فضل الإنزواء بعيدًا عن تلك الأضواء الخادعة.

لن ننكر التنوع الموجود في الأفلام المتنافسة، لن ننكر الفرص الممنوحة لبعض المخرجين المغمورين، لكن على أي أساس أختيرت ميساء مغربي وبطلة فيلم «لالة فاطمة نسومر» في لجنة التّحكيم؟! أيّ خبرة قد تمتلكها ممثلة دراما في السّينما ووجه جديد لم يختبر بعد هذا العالم ..

اختلطت الامور على المنظمين في مهرجان وهران للفيلم العربي، وصار شكسبير من المكرّمين الذين خدموا الفيلم العربي.. هذا ما زاد من حيرة الكثير من المتابعين لنشاطات وتكريمات هذا المهرجان. تخليد ذكرى شخصية أدبية إنجليزية في مهرجان للفيلم العربي؟! شكسبير الذي ستخصّص له عروض عديدة لأفلام تناولت شخصيته وكتاباته، وورشات لكتابة السيناريو باسمه ..

إذا أردنا حقًا الاحتفاء والمزاوجة بين السينما والأدب في السينما العربية، فالشخصيات الأدبية العربية كثيرة: نجيب محفوظ، إحسان عبدالقدوس، إلخ. تحوّلت رواياتهم إلى أقوى الأعمال السينمائية العربية، ولم لا نمنح الروايات الحديثة والكتّاب الشباب فرصة تحويل رواياتهم إلى أفلام ذات إنتاج عربي وحتى أجنبي مشترك! هي خطوة جريئة وتشجيعية، وتمنح أفقا واسعًا للكتّاب وللمخرجين وللنّقاد على حدّ سواء..

لكن الأمور ليست تبشر بخير، هناك أفلام جزائرية وعربية تمنع من دخول المهرجانات الرسمية، وكل يوم نسمع عن وقف الدعم المالي الذي وعدت به وزارة الثقافة لعدة أعمال كانت تأمل حقًا في تلك الوعود المتبخرة كما تبخرت عدة مشاريع أخرى واختفت أموالها باسم التّقشف..

السّؤال الآن: إلى أي مستوى سننزل بعد كلّ هذا الذي يحصل في وهران..؟!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

5 أكتوبر 1988.. النّار والرّماد

3 أكتوبر 1988، كآبة وطنية شاملة.. الوجوه مكفهرة، اليأس يئن مثل غربان فوق الرّؤوس، الشّرطة …

بابيشة

آخر فيلم في زمن بوتفليقة يحكي عن “بابيشة” تائهة

يُثير فيلم “بابيشة”، منذ أيّام، نقاشات متضاربة فيما بينها. يروي الفيلم قصّة فتيات يقطنّ في …