الإثنين، 18 نوفمبر 2019

أسماء جزائري تكتب: حالة إعجاب

أسماء جزائري

أحبّ كيفَ ينام، ويتركُ نافذته تتعرّق صيفاً، فيرتوي قميص نوم الشّارع، و لا أعرف بعدها أين تُخفِي أعمدة الكهرباء مناشف أصابعه.
أحبّ كيفَ يرتّبُ ثيـابه، حِذاء تحت السّرير، وآخر وراء الستار، سروال على باب الخزانة، وجواربُ ملتصقة بالوسادة، وأغراض أخرى أجدها تحُوم حولي كلّما أفرطت في المنام .
أحبّ كيفَ يخفي عنّي علب التّجميل، كأنّه يبالغُ في كره حوليّات الجمال، وأنّني لن أرسبَ من عينهِ كلّما تقدّمت في السّن.
أحبّ كيف أخفي عنه قلم كُحلي الصّغير، وأحمر شفاهي الممضوغ من كثرة الاستعمال، كيفَ أعيدُ إبتكار اسما يليقُ بعطري المفضّل، حتّى لا يناديني بالمُسرفة.
أحبّ كيف ينظر إليّ حين أنسى أنه ثمّة أحد حولي ، فيكسرُ صحناً من التّوقعات ليستديرُ أحدنا من عماه .
أحبّه لأنّه يفهم الطّرق المُثلى للوقُوف خلف الأبواب بغية رميها بالحرج ، العشّاق لا يعرفون لباقة الطّرق لأنّهم بالفطرة يقتحمُون الأمكنة بقبضة مجنون .
أحبّ كيف يخلع قميصهُ الأسود و يتركه على مشجب قلبي، تأخذه الأنفاس أينما شاء
كم مرّة وجدته بجواري يسحبُ عنّي الغطاء
كم مرّة سقط على الأرض و هو يحاول الوصول إلى أصابع يديّ
كم من مرّة حملته بغية ضمّه و ظنّ أنني أجرّه من ياقته إلى خارج غرفتي
أحبّ لعبة الأيام معه ، يوم لنا من الحب و أيام علينا من العذاب
أحبّ كيف يمسك الكتاب، ويعتبرني أقرأه من عينيه، لا أستطيعُ إيقافه، لكنني أسبقه دائماً بعمل، لذلكَ كلّما رفع عيناه سقط سطرٌ بيننا، و نشر وابلٌ من الابتسامات
أحبّ كيف يوقفني في الممر كشرطيّ مرور، يحاول جذبي بالطرق المختصرة لاحترام قانون الغلابى.
أحبّ كيف يترك شعر لحيته المنتوف على نافذة ظنّي
و كيفَ يتعبُ من حمل فرشاة
و كيفَ يتكوّر مثل فريقه المفضّل
أحبّه و هو بتلك الجوارب القديمة يعدّ لي قائمة كاملة من الكتّاب الكِبار، و تواريخ معارك غابرة بقادتها العتيدين والسّفاحين، و هو يقرأ لي عن الوجودية، وعوليس، ورباعيات الخيام، دون أن يهتزّ رأي واحد له، عن إصبع قدمه المطل علينا .
هو يكذبُ كثيراً لكنه يفعلها بصدق خاصّة حينما يضع بيننا نهاية على شكل دائِرة.
أحبّ اندفاعه نحو المجهول، وأكرهه حينما يقفُ في صفّ العالم و يتريّث كالأموات
أحبّ أقلامه ، تشبهُ بالونات الأعياد ، ورغم هذا لازلت لا أعرف من أينَ أمسك بأصابع خط يده.
أحبّ وجوه الكتاب على حائط غرفته وهي تطلّ من نعوشها لتُراقبنا، وتحفظ حديثنا ثم تنظر فيما بينها باستعجاب ، لا أحد أمكنه من بينهم أن يكتبَ عنّا بطريقة جديّة أو ساخرة ، نحن أحرار السرّية .
أحبّ كيف نتبادل الكذب كأن أقول له سأكون مطيعة كطفلة، لا تُجيد التّسكع في أروقة الحياة ، فيخبرني أنّه سيمرّ بي على الآخرة لنزور أحبابنا هنالك .
أحبّ كيفَ يضحك بصوت مخنوق، ويرمي لي ضحكتي العالية كحجز على الزجاج.
فيستيقظ أبي مفزوعاً في مدينة أخرى، بينما هو يركض بساقه المريضة خلفَ نصّي و يتركُ لي نهاية غير محتملة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

مقطع من رواية “نبوءات رايكا” لخيري بلخير

تعتبر ‘نبوءات رايكا” الرواية الثانية لخيري بلخير، بعد رواية “نخلة الوجع”؛ وقد صدرت حديثاً بطبعة …

نجيب بوزناد

الباب لحمر / قصة لجلال حيدر

غير بعيد من هناك كانت قدماي ـ والأرض تميل تحتهما ـ تسرعان على نحو مرضي. …