الثلاثاء، 28 مارس 2017

المستور في فاجعة نيس والانقلاب التركي المهدور

فرحات عثمان
فرحات عثمان

الاعتداء الإرهابي الذي تعرّضت له مدينة نيس الفرنسية ثم المحاولة الفاشلة للانقلاب بتركيا ستكون لهما ولا شكّ تداعيات على الإسلام والعالم العربي.

لذا وجب التفطن للمستور من القضيتين، مما يتستر عليه الغرب ومن سانده من العرب وأهل الإسلام، بل ومن ناهضه أيضاً علنا من بينهما، بدون أيّة قناعة أو نزاهة فعلا.

خفايا فاجعة نيس

فاجعة نيس تبيّن بلا ريب أنّه لا قوة ولا فاعلية لداعش وللإرهاب بدون ما يُسمى بالذّئاب المنفردة، وهي فئة الشّباب الضّائع الذي ليس همّه إلا إيجاد معنى لحياة تافهة، فاشلة لا مغزى لها ولا أمل في التغير والتحسن.

إن أغلب أهل الإرهاب، مثلما هو الحال في منفذ عملية نيس، من غوغاء الشّباب ممن لا عقل له يفكّر أو ممن وقع غسل دماغه بأكاذيب عن الدّين كضرورة الجهاد والشهادة، فذلك يعطي هؤلاء الشّباب الفرصة للاعتقاد في أحسن الظّروف أنهم بعمليتهم الجهادية يخدمون الدّين فيضمنون حياة أبدية رغدة في الجنة؛ وفي أفسدها، فإنهم يوفّرون لأنفسهم متعة الانتقام من ظلم يعتقدونه لهم ولأهل أجدادهم من الغرب وأهله.

إنه لا حول ولا قوة لداعش بدون هؤلاء، إذ هم ضحاياها المغرّر بهم. أما جنود الإرهاب الحقيقيين المتسترين فهم بدون أدنى شكّ الفقهاء والسّاسة الذي لا يجرؤون على القول بأن الجهاد الأصغر انتهى وأنه لا شهادة في الإسلام إلا بالحياة للإتيان بالخبر اليقين، لا بالموت والقتل. فمن يقتل نفسًا واحدة في دين الإسلام بعد أن قامت دولته كمن يقتل البشرية جمعاء؛ هذا هو الدّين الصحيح!

لذا، حلفاء الإرهاب اليوم هم كلّ من يأخذ بإسلام متزمّت ويرفض حقوق النّاس فيه وحريّاتهم، كل حريّاتهم، بما فيها تلك التي تخص حياتهم الشخصية، إذ انعدامها هو الذي يحمل الشبيبة على اليأس من حياة عادية والسّقوط في متاهة الأمراض النفسية وانفصام الشخصية الذي يحملهم إلى متاهة الإرهاب، وإلى ما نراه من أعمال إجرامية.

هذا، وللغرب طبعًا مسؤوليته في هذا التّمشي، إذ يجني اليوم ما زرعه ويزرعه من موالاة لأنظمة ديكتاتورية ولدول ليس لها من الإسلام إلا الشّعار، إذ هي تنقض صرحه بصفة صارخة بفهم متزمت لا يمت له بصلة اليوم، ذلك أن هذه الدول والأنظمة هي الحليف الأفضل للغرب، مثلما هو الحال مع النّظام الوهابي، جاهلية هذا العصر، وهذا لا يُستغرب من غرب همّه أن يزداد انقسام العرب والمسلمين للإبقاء على النّظام العالمي الحالي، رغم أنه السّبب الأول في كل الفواجع التي تعيشها الإنسانية.

نيس غداة الفاجعة
نيس غداة الفاجعة

خفايا الانقلاب التركي الفاشل

بديهي أن الانقلاب التركي الفاشل يدعم هذا الكلام، إذ ما كان ليفشل لولا الدّعم الأمريكي وحلف الناتو للسلطة بتركيا. نعم، الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة ينتقد علنًا تركيا بخصوص سياستها في الشّرق ويندّد رسميًا بتصرفاتها على مستوى الحريات العامة والخاصة، إلا أنه يرى فيها الحليف الأفضل اليوم لإبقاء الأمور على حالها، أي بالانقسامات الحالية. وهذه حال كل أمبريالية أيا كانت.

من له إذن أن يعيبه على ذلك وقد اتّفق العرب على ألا يتفقوا فتناحر المسلمون بعضهم في بعض، راضين مثلا بنظام جاهلي في أقدس مقدساتهم؛ ثم لا رغبة لهم حقًا في الوصول إلى حلّ عادل في فلسطين إذ يقتضي الاعتراف بدولة يواصلون دعوتها بالكيان بينما هي أقوى من الدّول العربية والإسلامية طرا. وهذا لمصالح سياسوسة وأغراض شخصية لا علاقة لها بموقف الشعوب العربية المسالمة في غالبيتها، لا ترى مانعا من السّلام بالاعتراف المشترك كحلّ في فلسطين.

فشل الانقلاب التركي يدل على الانقسام المتواجد في صفوف العسكر بالبلاد، بل وفي الغرب حول الموقف الذي يجب اتخاذه إزاء الإسلام المتزمت. هناك لخبطة حقيقية هي قيمية قبل أن تكون سياسية، ذلك لأن السياسة تقتضي الأخذ أولاً بالظّاهر وبما تمليه المصالح الآنية؛ والظّاهر اليوم هو أن النّظام التركي ينتهج، ولو مخادعة، نهج الإسلام الوسطي رغم أنه حقيقة المتزمت الخفي، المساند لداعش. فهو مثلا لم يغير ولا ينوي تغيير أي شيء من المنظومة القانونية للبلاد رغم أنه لوحدها القدرة على تفعيل التغيير في الشعب والنخب خاصة، ابتداء بأذهان تحجّرت بقراءة للإسلام أكل عليها الدهر وشرب.

إن مثل هذا الاجتهاد متحتم؛ لكن لا تركيا تقوم به ولا الأنظمة التي تدعي أيضا الوسطية مثلها أيا كانت؛ وهذ ما يساعد الغرب ويخدم مصالحه ويمكنه من القول أنها قضايا داخلية لا ناقة له فيه ولا جمل. وليس ذلك صحيحا ما دام الرّضا منه بالأمر يشجع على بقاء الأمور على حالها كما يتمناه خدمة لصالحه في بقاء المجتعات العربية الإسلامية متخلّفة.

أطول ليلة في تاريخ تركيا الحديث
أطول ليلة في تاريخ تركيا الحديث

الكل يعلم أن أغلب الأنظمة العربية والإسلامية ألعوبة في أيدي الغرب؛ إلا أنها ألعوبة بمحض إرادة الخاصة وخضوع العامة لها. من ذلك قضية تغيير المنظومة القضائية هذه؛ فأين النخبة المستنيرة التي من واجبها مساندتها والسّعي لتغيير العقليات الشعبية الرازحة تحت نير قوانين مجحفة مما يضطرها للعمل عمل ساستها للحفاظ على سلامتها من قوانين العار؟ لنأخذ مثلا موضوع المساواة في الإرث، إلى متى نقبل بخداع القطعيات حتى لا نقوم بالخطوة النوعية الضّرورية لدمقرطة بلدنا؟ ثم في قبول الآخر المختلف في حياته الخاصة، كعدم الصّلاة أو الإفطار في رمضان أو شرب الخمرة وغير ذلك من الحريات االخصوصية، كيف ندعي ابتغاء الأفضل السّياسي ونخبنا لا تعمل بعد على تحقيق ما يمثّل قاعدة العيش المشترك بالمطالبة بإبطال القوانين الجائرة الدعية على الإسلام؟

كلّ هذا مما نسكت عنه، لما فيه من إحراج وكشف لفهم داعشي للإسلام، فنرمي المسؤولية فيه على الغرب الذي بنفسه يتعلل بتلك الحال للتصرف كما يفعل. فإذا هي الحلقة المفرغة واستدامة تخلفنا. ولا مجال لأن يغيّر الغرب من سياسته حتي يغير العرب والمسلمون أنفسهم؛ فهلا قاطعوا مثلا الحجّ، وهو على الأبواب كما طالبت به بعض الأصوات الحرّة في الجزائر، ما دام الحجّ أصبح تجارة وخاصة لوجود الحرم المكي تحت يد من لا يخدم الإسلام بل يهدم صرحه!.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الطبخُ الجزائري يثيرُ انتباه العالم، بفضل كتاب

أموال طائلة، صرفتها الجزائر، دون جدوى، من أجل التعريف بالسياحة، وخاصة فنونها المطبخية، والالتحاق بالدوّل …

كوبا

رحلة أبي إلى كوبا: الملصق والأسطوانة التي لم تُشرخ بعد

لميس سعيدي كان من الطّبيعي أن يحكي لي والدي تفاصيل رحلته إلى كوبا أكثر من …