الأربعاء، 26 يناير 2022

جاك بيرك صديق الجزائر، جسر تواصل بين الضّفتين

في 27 جوان، تحلّ ذكرى رحيل عالم الاجتماع الفرنسي جاك بيرك، الكاتب المتخصّص في الحضارة العربية الإسلامية. قبل وفاته، ترك وصيّةً، يهدي بموجبها جميع مخطوطاته وكُتبه التي ألّفها، وكذا مكتبته الزاخرة بأمّهات الكتب، التي قدّرها المختصّون بـحوالي ثلاثين ألف كتاب، إلى مسقط رأسه، مدينة فرندة في ولاية تيارت، التي ولد وترعرع فيها. وقد حرصت أرملته جوليا بيرك، حرصًا شديدًا على تنفيذ وصيّته، التي كادت ألاّ تتحقق، نتيجة لعراقيل إدارية، لولا تدخّل بعض المخلصين. ثلاث سنوات بعد وفاته، تم تدشين مكتبة جاك بيرك، كملحقة تابعة للمكتبة الوطنية، صارت تضمّ آلاف الكتب القيّمة، مهداة من جاك بيرك، مكتبة يأتيها الطلبة والباحثون من كل أنحاء الجزائر.

مكتبة جاك بيرك في فرندة

وُلد جاك بيرك، بتاريخ  4 جوان 1910، في مدينة فرندة، ولاية تيارت، شمال غرب الجزائر. تابع تعليمه الابتدائي والاكمالي في مدارسها، قبل أن يلتحق بجامعة الجزائر، لاستكمال دراسته، لينتقل بعد ذلك إلى جامعة السوربون بفرنسا، أين نال شهادة دكتوراه الدولة سنة 1955م. وقد عاش محتكًّا بين أهالي فرندة، ردحا من طفولته وصباه، تمكّن إثرها من تعلّم اللغة العربية، والتعرّف على الدين الإسلامي، والاطلاع عن قرب على عادات وتقاليد سكّان المدينة. فليس غريبا أن يكرّس كل اهتمامه العلمي، وإنتاجه الفكري، طيلة مسار حياته، في الدفاع عن الحضارة العربية، الإسلامية، ومحاولة إضفاء صورة مشرقة لها، من خلال عشرات الكتب التي ألّفها، والتي تجاوزت الثلاثين كتابا، تناول في معظمها، قضايا واهتمامات العرب والمسلمين، في كافة المجالات الدينية، السياسية والاجتماعية.

يعتبر جاك بيرك، كاتبا غزير الإنتاج، من أبرز مؤلفاته: تحرير العالم، مصر والامبريالية والثورة، العرب بين الأمس والغد، الشرق الثاني، مذكرات الضفتين، إلى جانب ترجمته للقرآن الكريم. لم يكن يستسغ إطلاق صفة «المستشرق» عليه، حتى وهو يكرّس حياته العلمية كلها، في تصدّيه لهموم العرب والمسلمين، ماضيا وحاضرا، كان يعتبر نفسه كاتبا فحسب، سمحت له الظروف أن يتعرّف عن قرب على المجتمعات العربية الإسلامية، ويتناول ثقافتها بمنظور إنساني، بواسطة تطبيق مناهج العلوم الإنسانية، بعيدا عن شبهات الاستشراق.

زار مصر في الخمسينيات،  وقضى فيها ما يربو عن ثلاث سنوات، بوصفه  خبيرًا دوليًّا لصالح منظمة اليونسكو، وهناك توطّدت علاقته مع كثير من الكتّاب والمثقفين، من بينهم عميد الأدب العربي طه حسين، الذي أنجز عنه دراسة معمّقة، منوّها فيها بجرأته، وسداد رأيه، مشيدًا بتطابق الرأي بينهما، في نظرتهما، حول أهميّة مدّ جسور التعاون والحوار، بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط. إضافة إلى استقباله من طرف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وانتخابه عضوًا مراسلاً في أكاديمية القاهرة، وقد هيّأت له فترة إقامته في مصر، تأليف مجموعة مُعتبرة من الكُتب من بينها : «التاريخ الاجتماعي لقريةٍ مصرية في القرن العشرين»، و«مصر بين الإمبريالية والثورة». كما يسّرت له التعرّف أكثر على قضايا التحرّر العربي، وخاصة القضيتين الجزائرية والفلسطينية، أين صار يدعو علنًا، متجاوزًا تحفظ بقيّة المثقفين الفرنسيين، إلى منح الجزائر استقلالها، وتجلّت مناصرته أيضا، من خلال عديد المقالات التي كان يكتبها في كبريات الصّحف الفرنسية، أو أثناء مشاركته في تجمّع المثقفين بباريس، نهاية الخمسينيات، المندّد بالتعذيب والقمع الممارس على الجزائريين.

مركز جاك بيرك في الرباط

ورغم ما حظي به جاك بيرك، من ترحيب في جلّ الدول العربية التي زارها، لم يتوانَ في التعبير عن خيبته، إزاء موقف بعض دوّل المغرب العربي، التي لم تتفهّم مواقفه المندّدة باعتقال واغتيال مجموعة من السياسيين المعارضين، على غرار ما حدث للرئيس الجزائر الأسبق أحمد بن بلّة، والمناضل المغربي المهدي بن بركة.

في السّنوات الأخيرة، التي سبقت رحيله، انكبّ جاك بيرك، على ترجمة القرآن الكريم، إلى اللغة الفرنسية، معتمدًا في تصدّيه للترجمة، على منهجية حديثة، في محاولته قراءة النصّ القرآني. حمل الكتاب عنوان «إعادة قراءة القرآن الكريم»، وقد أثار لدى صدوره، بعد ترجمته إلى اللغة العربية، جدلاً واسعًا، واتهامات من مؤسسة الأزهر، التي أصدرت آنذاك، بيانًا شديد اللهجة، يقضي بعدم صلاحية الترجمة، بل وطالب بحظر الكتاب من التداول، كما سحب المجمع اللغوي بالقاهرة عضويته منه «عقابا له». وهو الأمر الذي أثّر تأثيرًا شديدًا على نفسية جاك بيرك، وأصابه ما يشبه الإحباط.  وفي هذا الصدد، يذكر صديقه سعيد اللاوندي، أثناء إقامته في باريس، أنه وجده شديد التأثر بالضجة الكبرى التي أحدثتها ترجمته للقرآن الكريم : «آلمني كثيرا أن أرى شيخًا كحاله في الثمانين، يكاد يبكي، لم أجد شيئا أفعله سوى أن أستمع إليه، وهو يحدّثني بصوت جريح قائلا : إنني لم أزعم في يوم من الأيام، أنني أو غيري، قادر على ترجمة النص القرآني، وإنما قصارى أمري، أنّي اجتهدت في ترجمة معاني هذا الكتاب المجيد… وقد سلخت من عمري أكثر من عشرين سنة، في ترجمة معاني ومدلولات النصّ القرآني المقدّس، لأنني أؤمن أنه يشتمل على حكمة الأوّلين والآخرين، ومن حقّ شعوب الأرض أن تعرفها وتهتدي بها».

ترجمة جاك بيرك للقرآن الكريم

 

ولعله كان ينوي بعد أن انتهى من ترجمة معاني القرآن الكريم، تكريس كل وقته لدراسة علم الحديث، من منظور عصري، كما صرّح: «أعتزم عمل دراسة، إذا أمهلني العمر، حول الأحاديث النبوية الشريفة، لإبراز ما تتضمنه من معان ومدلولات، خصوصًا، أنني أحبّ هذه الأحاديث، وأرى أنها تجمع إلى جانب الصّبغة الدينية، الصّبغة الإنسانية التي يجد فيها المسلم والمسيحي على السواء، المعاني الرفيعة، التي تغذي الرّوح وتسمو بالعقل والوجدان». غير أنّ الضجّة التي أحدثها كتابه «إعادة قراءة القرآن الكريم»، وما تعرّض له من نقد لاذع، بلغ حدّ اتهامه، حال دون مواصلته لمسعاه الفكري، في تقديم صورة مشرقة عن العرب والمسلمين، من خلال تثمين دورهم التاريخي، في بناء الحضارة الإنسانية.

رسالة بيرك الى شيخ زاوية الهامل بوسعادة

توفي جاك بيرك في 27 جوان 1995، وكالعادة تمرّ ذكراه في الجزائر، دون أي اهتمام، لا ندوات عنه ولا ملتقيات ولا دراسات ذات بال، رغم أن علاقة الرجل بالجزائر حميمة وعميقة جدّا، تجسّدت في توصيته بإهداء مكتبته الخاصة لمسقط رأسه، وفي مواقفه المناهضة للاستعمار، بينما تحتفي دول أخرى بمنجزاته في مصر مثلا، وفي المغرب أين تقام ملتقيات علمية، وتؤلف عنه كتبًا ودراسات جادة، كما تم إنشاء مركز للأبحاث باسمه يدعى : مركز جاك بيرك للأبحاث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، يقع مقرّه في الرباط العاصمة المغربية.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آرثر رامبو : المثلية ظاهرة شعرية

بثينة سرمدة   الشاعر الفرنسي المعروف آرثر رامبو (1854 – 1891) لم يكن مثليا, كتب الكثير …

هادي يحمد

هادي يحمد: لا يمكن تأسيس ديمقراطيّة دون العلمانيّة

حاوره: العائش تركي اشتهر هادي يحمد بكتابه “كُنت في الرّقة.. هارب من الدّولة الإسلامية” وصدر …