الثلاثاء، 28 مارس 2017

مصير الجزائر.. بين حقوق الشّعب ومصالح الحكّام!

فرحات عثمان
فرحات عثمان

لقد طالعتنا الصّحف بتصريح للصّحافي الفلسطيني عبد الباري عطوان(1950-) أقسم فيه على وجود «مخطط لتقسيم شمال إفريقيا وتفتيته» مبيّنا أن «الغرب يعمل ليل نهار لإذكاء نار الفتنة تحت مسميات عديدة».

وأضاف أن بعد سوريا، يأتي دور الجزائر، وأن المخططين لتفجير ثورة في الجزائر طلبوا خبرته فرفض لأنه «ضد تفتيت أي بلد عربي».

إن كلام الصّحافي المرموق هذا من الحصافة والسذاجة بمكان في الوقت نفسه. فإن كانت الحصافة في التنبه والتنبيه لما يجري حقًا، فالسّذاجة في تجاهل خاصية الحياة السياسية التي هي المناورات والجري وراء المصالح بكل الوسائل.  فلم لا يسعى الغرب وراء مخطط تقسيم لشمال أفريقيا بعد الشّرق وغيره؟ من هو – بالنسبة للعرب – حتى لا يسعى لمصالحه؟ أليست مصلحة القوي البقاء قويًا وإضعاف خصمه حتى يجعله تابعًا له؟ ألا يقول المثل أن أفضل السّيادة في التفريق؟

وهل هذا بالجديد علينا وقد عرفنا الغرب وعركناه، فكان لنا ما كان منذ زمن سايسكس – بيكو إلى الآن؟ ثم ماذا فعلنا ونفعل للتّصدي لذلك؟ هل هناك أية مؤامرة بدون سبب؟ وهل تنجح إذا لم يتوفّر لها من يؤيدها من الدّاخل؟

عن أي جزائز يتكلّم؟

ثم عن أي جزائر يتكلم؟ هل هي جزائر الشّعب أم جزائر السّاسة؟ فعندما يندّد الصّحافي البارع بمخططات التقسيم، أليس ذلك لأن هناك من الشّعب من لا يلقى حظه في الوضع الحالي مما يجعله يطالب بحقوقه بكل الوسائل بما فيها أتعسها؟

أليس أفضل درع لأي مطمع أجنبي في التفاف الشعب حول ساسته؟ هل هذا متوفّر لدينا؟ أليس في الشعب الجزائري المستهدف للتقسيم من يعتبر السلطة القائمة عدوا له؛ كما هي تعتبره بالمثل؟ فلعل هذا وذاك لا يرى مانعا في هذه الحال من حصول الأسوأ: تقسيم البلاد لافتكاك حقوقه أو لتوحيدها حفاظا على امتيازاته؟

وبعد، هل ما نعيشه من مؤمرات بالجديد حقّا من الزواية الوطنية المحضة؟ ألم يعمل الاحتلال الفرنسي على التفريق بين أطياف الشعب، وخاصة العرب والبربر، فنجح إلى حدّ كبير في سياسته بإشاعة عدة أكاذيب، منها عدم احترام الأمازيغ للإسلام نظرًا لتحرّرهم من القوالب القديمة، لا من روح الإسلام الثورية، بل باسمها؟

أليس الأمازيغ يعانون اليوم من نفس النزعة الخسيسة في هضم حقوقهم، إلا أنها تأتي من أبناء وطنهم العرب الذين يتعالون عليهم فيحتقرونهم، خاصة في صحّة فهمهم لدين الإسلام؟

الواقع الجزائري

إن واقع الشعب الجزائري لهو كحال كلّ الشّعوب العربية في مرارته، إذ هي مقهورة، وعلى هذه الشاكلة كانت الحال بتونس عندما سعت الولايات المتحدة للتخلص من النظام القديم وفرض نظام جديد أكثر ملاءمة لمصالحها مع صبغة سياسية أزيد تحررا؛ ولو أنها لا تفي بما فيه الكفاية بحاجة الشعب للانعتاق تماما نظرا لنزعة النظام الجديد الإسلاموية.

نعم، أصبحت حال الشعب التونسي تعيسة على المستوى الأمني والاقتصادي والاجتماعي، إلا أنه حقق استحقاقا كبيرًا على المستوى الإعلامي يؤشر بتحقيقه آجلا لفتوحات أهم وأفضل من أجل التّحرّر من ربقة نظام القهر الذي يريد التسلط عليه، في زمن لم يعد ذلك ممكنًا، لأنه زمن الجماهير الهادرة.

لقد عرفت الجزائر سابقا ما تعيشه اليوم تونس، خاصة من انحلال أمني وخطر سلفي داهم، إلا أن هذا زاد من قبضة السلطة على البلاد، فأفحشت في تقزيم الشعب وحقوقه وحرياته. لذا، كيف يتنازل هذا الأخير عما من واجب الساسة  ضمانه له، لأن علّة وجودها وما يجعل حكمها مشروعا هو نظريا ضمان حقوق الشعب وحرياته؟ فإذا انتفى الواجب انتفت ضرورة الحقوق وما معها من امتيازات!

إن الحكّام في الجزائر، شأنهم شأن كل الحكام بالعالم، وبالعالم العربى خاصة، يتمسّكون بسدّة الحكم لما فيه من امتيازات ومصالح. إلا أن غيرهم في الدول المتطوّرة مضطرون للأخذ بعين الاعتبار قوانين ومنظومة تخضع البلاد لها؛ ولا بدّ أن تفرض مثله هذه القوانين نفسها ببقية بلاد العالم إذ أصبح عمارة كوكبية؛ فإما أن يتم ذلك عن قناعة وخيار أو يقع فرضه فرضا. هذا من المتحتمات!

أما في الفرضية الثانية التي هي الأوفر حظا للوقوع، فيتم ذلك لا لمصالح البلاد ولا مباشرة لمصالح شعبها، بل لأجل مصالح من يسعى لأجلها وباسمها من الدول الأجنبية. بذلك يخسر ساسة البلاد الحكم ويخسرون البلاد، التي لعل شعبها لا يخسر كل شيء ولا كله، إلا من لم يكن مهضوما حقه في السابق تحت ظلّ الحكم المنهار تحت ضربات الإمبريالية العالمية.

في الجزائر، علاوة على غالبية أهل الإسلام الذين لا حقوق لهم ولا حريات، هناك طبعا الأمازيغ المقهورين في هويتهم وحقّهم المشروع للحياة في بلد هو أولاً وقبل كل شيء بلدهم الأصلي قبل غيرهم.

فلمّا يهيمن منطق الغنيمة بين الساسة والشعب، كيف يمكن منع أن يأتي من هو أقوى من الحاكم لجعله بنفسه غنيمة؟

حق الأمازيغ المهضوم

إن الأمازيغي كما هو معلوم الرجل الحرّ؛ وليس هناك غرابة ألا يقبل الحرّ الإهانة، فهو لا يستكين لها بالمرة. هذه الحقيقة يعرفها أيضا العربي حقّ المعرفة، بل ويقرّها حقّ قدرها، لأن العربي أيضا ممن يتعلّق بحريته كاملة غير منقوصة، حتى وإن بالغ فيها وغالى.

والحال نفسها بالنسبة للمسلم الحقّ، لأنه لا إسلام بدون ثورة على كل وضع يتحجر، وهي عقلية أساسا على كل ما يمكن أن يثور عليه المؤمن حتى يكون حرًا لا تسليم له إلا لخالقه. فلا كنيسة في الإسلام ولا كهنة. لذا، ليس الشيوخ ولا المرجعيات الفقهية من الإسلام، بل ذلك مما رسب إليه من الإسرائيليات التي حنّطت روح الإسلام الأصيلة، روحه الثورية؛ فما أدراك بأصحاب السلطة؟

إن السلط الحالية بالجزائر، على اختلافها منذ الاستقلال، لم تغير شيئا كبيرًا من هضمها لحقّ الأمازيغي؛ بل نراها تهيّج الشعب لتستغل التباغض الذي ينمّيه البعض بين العربي المسلم والأمازيغي المسلم بينما هما لا يختلفان في خاصياتهما الأساسية.

إن الأمازيغ، تمامًا كعرب بلاد المغرب وكل العرب ببلاد العرب، من المستعربين، بما أنهم أخذوا لغتهم عن العرب القادمين إلى بلادهم كما أخذها هؤلاء عن العرب العاربة؛ ذلك لأن العرب الأصليين هم العرب البائدة؛ فلم يبق اليوم من العرب إلا المستعربة.

ثم لا يخفى على أحد الدور الهامّ الذي لعبه الأمازيغ في نشر حضارة الإسلام بالمغرب وخارج حدود المغرب؛ فلولاهم لما رسخت لقرون طويلة قدم الإسلام بالقارة الأوروبية. ولعله لا فائدة في التذكير هنا بهذا الدور الكبار لأجداد البربر وقد استوفي الموضوع علاّمة العرب الأكبر ابن خلدون.

أيّ جزائر غدًا؟

لا شك أن مجابهة مخططات التّقسيم التي تتهدد الجزائر وغيرها من بلاد العرب والإسلام لا تكون بالتصدي لها من طرف الساسة فقط مع تواصل ظلمهم وتسلطهم على الشعب أو جانب هام منه. إن أفضل التصدي للإرهاب الإمبريالي يكون أولا بخلق اللحمة بين الحكام ورعاياهم حتى يكونوا صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص؛ ولا شكّ أن هذا لا يتمّ إلا بإبطال كل ما ينقص من حريات الشعب وحقوقه. ذلك أنه، في حالة انعدام الحريات والحقوق، لا يفتأ الشعب، من ناحية، في السّعي لأجل حقّه في العيش حرًا كريمًا؛ ومن ناحية أخرى، يبقى هذه الغنيمة السهلة لكل من يريد الاصطياد في الماء العكر.

مقاومة التّدخل الأجنبي في كل بلاد لا حقوق لشعبها ولا حريات تقتضي إبطال القوانين المخزية التي تحدّ منها؛ وهي خاصة، بالنّسبة للجزائريين، تلك التي تدّعي مرجعية إسلامية باطلة، بينما لا أخلاق إسلامية فيها.

ولا شك، ونحن في رمضان، من هذه القوانين هذه التي تحرّم حقّ الجزائري في الإفطار علنًا، تماما كما يدعو له الأمازيغ على حقٍ وبينةٍ وأخذٍ صحيح أصيل بالدّين القيّم لا دين الإسرائيليات.

نعم، إن مثل هذه القراءة  للإسلام تخالف ما يراه العديد من المسلمين، ممن يأخذ بالرسم ويتجاهل روح النّص ولبّه. وحري بنا أن نعلم أنها ترعى الإرهاب الذّهني في رؤوس هؤلاء، جاعلة منهم الطابور الخامس لمخططات التقسيم للبلاد، إذ هي أفضل التشجيع للإمبريالية بتكوينه له التربة الصالحة ليفقّص فيفرّخ.

لا جرم، إن الحاجة لماسة لنا في الجزائر، بل وفي كل البلاد العربية الإسلامية، للتّصدي للإرهاب الغربي بإرهاب مضادّ يكون فكريا من شأنه تقويض كل ما فسد في قراءتنا لديننا وتصرفاتنا السياسية والأخلاقية بعضنا مع بعضنا. ذلك هو الدواء الناجع لمخططات التقسيم الدنيئة، إذ هو يعالج لا فقط ظواهرها ومسبباتها، بل يقضى أيضا عليها في الأذهان، بتجفيف منابعها خاصة.

ذلك لأن الشعب لا يُقهر إذا كانت له حقوقه وحرياته كاملة لا منقوصة؛ فهو عندها يحرص على الدّفاع عنها والحفاظ عليها؛ فتكون حال الشعب الذي يسعى لأجل حرياته، كما كانت حال الجزائر كلها أيام حرب الإستقلال.

لقد كان الشّعب الجزائري، ولا شك أن له أن يكون كذلك من جديد، كما قال شاعر تونس المبدع الآخر، ابن هانيء. فقد قال، ونحن نتصرف في كلامه بتوجيهه للشعب الجزائري وكل شعب يتوق للحرية والانعتاق من ربقة أي ظلم، داخليا كان أو خارجيا: «ما شئت لا ما شاءت الأقدار/ فاحكم فأنت الواحد القهار».

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أنا و صديقتي المرأة في جزائرستان..

أنا وصديقتي المرأة في جزائرستان..

أترجل من كلّ صهواتي، وأجالس المرأة في أعيادها المتكرّرة، فما عاد لها عيد واحد وحيد …

من أجل ديبلوماسية مغاربية عليمة (2)

التحدّي العلمي للديبلوماسية المغاربية.. هذا ما يجب أن يدأب عليه ديبلوماسيو البلاد المغاربية.. خاصّة اليوم …