الخميس، 24 أكتوبر 2019

نورالدين عبّة: غزالة بعد منتصف الليل

نورالدين عبّة

نورالدين عبّة (1921-1996) واحد من أهمّ الشّعراء والمسرحيين الجزائريين، باللغة الفرنسية، للأسف، لم تصدر، لحدّ السّاعة، ترجمات لأعماله، بالعربية، هنا أوّل ترجمة لنصه الشعري: «غزالة بعد منتصف الليل»، قام بها الكاتب والشّاعر جروة علاوة وهبي.

«أيام قليلة قبل إعلان استقلال الجزائر، اكتشف فلاح تحت شجرة، وراء دغل من الصّنوبر، جثّتا عاشقين شابين مثقوبة بالرّصاص، وفي حالة الفوضى التي كانت يومها في الجزائر، تم غلّق ملف التّحقيق، وقال الشّرطي الذي كان مكلّفا بالملف، أنه لم يتمكّن من معرفة الظّروف التي مات فيها الضحيّتان، وأنه لا يتّهم أي جهة، ورغم ذلك، فإن المرأة الشّابة كان في ذراعها مسجل ذهبي، كتبت عليه هذه الملمات ودون زخرفة.

من عزيز إلى غزالة..

(1)

تناديني غزالة

وقد جئت من بعيد

من نهاية العالم تقريبًا

هنا حيث السّماء الفضاء

الذي تسحقه الشّمس

يكونان في تمام صفرتهما

عزيز أعرف أن الوردة

تتفتح في ظلّ هذه الليالي

التي تسكنها باستمرار

ذكريات شعب

اليوم اختفى

أعرف المكان السّري

أين تحيا ذاكرته

الخالدة اللاتفية

أعرف أخيرًا الصّورة

التي مازالت محفوظة

من صدا العصور

للدهشة الكبرى

والتي من عهد قريب

ألقاها التاريخ

(2)

فجأة تجيء ليلا غزالة

مزمجرة مثل هيجان أرغن

ضجيجًا إنه هنا في جهة ما يتوزّع

ربما في حنجرتك المنقبضة

ربما في نظرتك القاسية

تبحث لتعرف ما يحدث

من اللامألوف وغير العادي فيك

للأسف لا شيء يفهم في هذا اللايقين

إنه الصّمت الكبير للسّهاد

إنه أرق العزلة الكبيرة

لن يكونا بعد لحظة

تكفيك للجرأة

حتى ذات يوم صرخة في الفجر

تنبجس فجأة

ملء رئة السّماء

ومن عاصفة إلى عاصفة

ومن برق إلى برق الرعد

يخرق الفضاء مع أول طلقة بندقية

حتى ذات يوم صرخة في الفجر

تمزّق مرّة واحدة مائة وثلاثون سنة من العبودية

(3)

مع مقدم هذا الصّباح الأول من نوفمبر

شعلة حمراء تحترق بقوة في الرّيح

إنه أملنا في الخروج

من هذه الليلة المائوية

ونقتحم هذه المدينة البيضاء الأسطورية

الجديدة كلّها العذراء كلها

لغداءاتنا

وتهديني هذه السّلة

من الرمان الباهر

(4)

اذهب. تعال

دوري كالسنونو

مذعورة بالزوبعة

غيابك أخرجني

من هذا اليقين

أين كنت متجذرة

مثل شجرة

في أعماق الأرض

أحدق من لحظتها

بنظرة ذابلة

في لغز أغصانها المبعثرة

ولا أعرف

السّؤال الذي تطرحه

تمرّ الأيام

وتمرّ معها

مثل مياه ساقية قذرة

ساعات بليدة

غزالتي.. غزالة

كلّ ثانية

لها جرعة حنظلها

كنت شهوة فيك

فعل دم وبذر

عصب وغصن يتماسكان مرتبطين

أحيا فيك

لحظات بسيطة لكنها خصبة

بالرضا والسّحر.

(5)

لم أعد اليوم سوى

كائنا مخصيا

متقزز

لا شيء يغريه

ولا حتى ملذات الطاولة

لم تعد لي حتى الشجاعة

لأذهب حتى نهاية رسوم هذا الحقل

حتى أني فجأة أشعر أنني ضائع

كميت تقريبًا

أُعيد بعثه

لا يبقيني واقفا سوى شرف المعركة

(6)

حتى والعين نائمة

سجينة النّوم

كل واحد منّا يرى وجه

الآخر بغير وضوح

وأحيانا أذهب بعيدًا

أحلم بجسدك

يتحرّك في مثل ثعبان صدفي

حيث كل حلقة تعيد

لغز لعبة التاروت.

(7)

حتى هنا الديكور متحجر

فجأة ينشط

يجد سرًا

تنفسه في فيض الألوان

رائحة الحجر.

غزالة

الخشب

الأرض

بمنهجية حفرتها الشّمس

هذا التّفت للأريج

الآتي من كل الأشجار

أشجار الغابات الجزائرية

ليس هناك شكّ

إنها حقًّا روح وطني

التي أشرب

من شفتيك

مثل مصفاة حبّ

وبجرعة واحدة

(8)

فجأة أفكر.. غزالة

في الإخوة النّائمين على التبن

في السجّون الفرنسية

حتى ذات ساطعة شمسه

يمكننا أن نعلن

إننا جزائريون دون خجل

أفكر في كلّ هؤلاء الإخوة

الذين ربما لن يروا

يوم الحصاد الأخوي

والذين يعرفون هذا المساء أطول ليلة لهم

مع هذا الخوف الذي يثقب أجفانهم

كحدّ السّكين

في هذه الزنزانة ذات القبب المثلومة

صراخات شهدائها الذين يعذبونهم ليلاً

كلّ مرّة يفكرون في الفجر الذي يقترب

غزالة، لطفًا هذه الليلة لا تحضنيني.

(9)

إنني اسمع الهمسات السّرية

للحبّ في حالة اختلاط الكلمات التي تترصّدك

أيا مكافحي في الظلّ

آه. صرختنا الجميلة صباح نوفمبر

التي طوّحت في الهاوية

عصر متسرنم

ويتيم منا

الأمل المستحيل

الذي يعطيني

لا يمكنه إخراجي من خوف أن أفقدك

هذا القلق هذا المساء الرابض في ركن جدار

مثل حشرة حبيسة نسيج عنكبوت.

(10)

الموت. غزالة  برصاصهم

ضدّ جدار

أو تحت التّعذيب

في قبو. لا يهمّ

تموت صدفة أو بإرادة الله

بمباركته أو منسيًا منه

لا يهمّ

ذات يوم أبيض للنيازك

أو ليلة ذات ظلال دبقة

لا يهم

لأجل مستقبل قمر

أو وجه شمع

لا يهمّ

أعرف الآن أنه بعدي

يبقى صندوق الكلمات السّحرية

لك، لنا، لإخواننا

كلمات تغطيها ذرّات الشّمس

كلمات تعطر جيدًا بسخاء كبير

كلمات لؤلؤ كلمات ياقوت كلمات زمرد

كلمات ثروتي بعضها يقضم بيننا من عسل

الأخريات من حجر لأجل تبديد الطّغاة

كلمات شفاءنا من الذّل

كلمات لأجل الأمل في العصفور الصّاعد

الذي يمسح سماءهم بضربة جناح واحدة.

(11)

غيابك جرح

يشبهك. عزيز

في كل جزئياته يشبهك

في غروب الشّمس

على شاطئ مهجور.

(12)

هل تفكرين في. أنا بعيد

في المنفى والسّرية

أتفكرين فيّ مع أيامي بلون الطين

ليالي التّعيسة دون حلم

بلى، ليالي أشباح تحلم

بالخضرة الشجرانية

بأوراق قلبها أزهار أصفهان

بأغصان الزيتون

بقوس في معركة في خطّ السولفاج

في السّماء دائمة الزّرقة في وطني

من يحلم بالخضرة والعصافير

التي تغني هبوط أرواحها الحرّة

على أعمدة التلغراف

في الصّخور في الأدغال

كل عصافير الجزائر

مغنو الصدى وضجيج الجبال والضفاف.

(13)

سيسامحني الله. عزيز

أرى أن كلّ ما هو ليس أنت

يأخذ حولي

مظهر سحابة

تسبح في الفضاء

أو الأفضل

تبدو لي مثبتة في ذاكرتي

مثل خفاش

في باب هرى.

(14)

قنبلة ضائعة

صعقت هذه الشّجرة

كل ما لم تتمكّن من قوله للأرض الحيّة

الأغصان هذه الليلة اعترفت به للأزرق

تحت ضوء النّجوم ذاكرة عصفور

خذي النّصيحة غزالة.

(15)

مات توفيق. غزالة

مات جلده مدبوغ بالرضوض

روحه مثقوبة بالازدراء

لكنه مات موتة الرّجال العادلين

وجهه الملكي

تحرّر من أغلاله

موت مشمسة للرّجال المزهوين

الذين خاضوا المعركة دون حقد

ليس رغبة في مكتسبات دنيوية

لكن حتى يجد لعزلته الضّائعة

وحتى يكون له حقّ مثلي

أن ينادي زوجته غزالة».

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

نجيب بوزناد

الباب لحمر / قصة لجلال حيدر

غير بعيد من هناك كانت قدماي ـ والأرض تميل تحتهما ـ تسرعان على نحو مرضي. …

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …