الخميس، 18 يوليو 2019

ليلى يونس نقاش تكتب: دبابيس الوداع الأوّل

ليلى يونس نقاش

النصّ الكامل من قصيدة «دبابيس الوداع الأوّل» للشّاعرة ليلى يونس نقاش (1983-).

«بنيت دربا بعصارة عيني وسرت

غيابك فاق عدد الأصابع

بعدد الليالي التي بكيتك بها

بسعة حسرتي

و ندبات صدري

و سواد سيقاني لن أعود

***

تعفّن الزمن دون أن ينتبه لنفسه

عصافيري صارت خفافيش

حين طالها الليل والعمى

نبتَ صَبَّار في عيني

دون دم أقوم

أعدُّ ما يُبعِد هالةً عن جفني

و أسقط تعبة

***

احتفظت بالماء الأوّل

هو الآن ملح لبحر يفصل بيننا

يمكنني أن أرجعه لك في رسالة

لولا خوفي أن يغرق ساعي البريد

***

في هذا الليل البارد

بصوتك الغريب

بحضورك البائس

نصف وجهي المتبقي

أأعتبره جزءً من الغياب

نصفي الآخر وكلي

بقي في بيت قديم

نسينا نقله مع الأثاث

***

لا تُحصيني بسعة الغياب

أو الحضور

أو الجراح التي بين أصابعك

احصني بعدد الطيور التي ترتمي عند قدميك

لتموت كلما مرّ زجاجك مسرعاً

تلك التي لا تدرك الفاصل بين المجازفة والضربة

فيدرك ريشها الدم

وحسرتك

سريعاً قبل أن تنسى أنت

ثم تواصل الإسراع

***

شِعْرِي عكاز

وسط بيتي يقف

كي لا يقع السقف فوق رأس أطفالي

إثنان

***

ابنتك الآن تحبو

أسميتها «خيبة»

و لك أن ترى كم هي فاتنة «خيبة»..

***

الشجرة التي نمت في روحي

أغصانها تمتد حتى أطراف أظافري

تُزهِر من عيني كرزا ودمعاً

بها.. أعشاش شياطين صغيرة

شياطين يتيمة

أؤويها رأفةً

وتصيد من أجلي نُجوم الحلم

من عالم آخر

تُطعمني.. كي لا أموت قهراً

***

غرفة الفندق جميلة

وحزينة كأيامي

الغيمة التي تحدثني مرت بك منذ ساعة

لولاها، ما أدركت أنك هنا

***

الآن يجمعنا كل ما يؤلم

كل الكلام القاسي

الظنون السيئة

سأتدارك ما فاتَني من قسوة

وككِتاب قرأته كاملا ثم أدركت أني لا أذكر منه شيئاً

سأعضّ دبابيسي في أوراقك

وأسناني في لحم الغياب

ذاك الدّم الذي يسيل

صوتي وأنا أنادي اسمك

***

يدك تقترف الحب دون تعريته

تشفي الجرح دون أن تلمسه

تقول كثيرًا دون صوت

أنت الفلاح والثمر

الشّمس والربيع؟!!

***

ساقاي من إسفنج

شربت دمكَ كاملاً

اسودّت..

بكت..

تألمت..

الآن ترغب في الرقص

***

يوقظني فرع الشجر صباحاً

قبل مجيئك بقليل

لأني خِفت من دموعي قلت لك

«خرجت للتو من الحمّام إنه البخار فقط»

أنا لا أبكي

أنا طفلة لكني أبكي إلى الداخل

***

كشمعة مكسَّرة

في قنديل من ضباب

يحملها طفل زنجي أعمى

لحبيبته ليلا

يُخطئ البلدة

يخطئ الباب

يخطئ الحبيبة

لكن لهيب الشّمعة يصل

ويحترق قلبها الصغير

***

هذا نصيبك من صيد النجوم

حفنة رمل

أثر قدم

وامرأة تلقاك في الطريق فلا تذكرك

أو لا تنتبه

***

كنتَ ناراً

وكنت تستطيع أن تكون أشياء كثيرة

صرت ضباباً

ثم وهماً

ثم خيبة

فيا خيبتي

***

أأسف على ما كان.

***
أتجمّد في المنفى

ضائعة في متحف قديم

وجهك يتردد كموال أغنية شعبية

عبثا أخيط لكل جسدٍ ظلّه

وجهك مكسوّ بالغياب

يخنقه العدم

***

لو أن إنسانا التفت

لبكاء النبع وسط الصفصافة

لما هجر طائر وكره

و ما علِقت نحلتي

في أعشاشِ العنكبوت

***

طويلاً.. طويلاً

بجناح لا يرف

بقلب لا ينبض

بوسائد لا تُشجع على الحلم

وبنجمة تقطر صلصالا ودمعاً

خِطت جراحي

جمعتها بشفتي

هدهدَتها امرأة

ضمّني جلادي فرِحاً

يضحك…

كأطفال يلاحقون قطاً يلهث

يموت..

وهم يظنونه يلعب

***

الثقوب في جسدي نوافذ

لعبور الظلام

كمسافرين مُتدفقين من الحافلة

مسرعين لأحضان أصحابهم

ينسكب ألمي

و في حضني يذوب

***

تقتسمك المنافي

كل وسادة تحت رأسك قنبلة

كل كأس في يدك سمّ امرأة

كل طريق تدوسه جثث أجنة وضحايا

***

طِفلي يعبث بهداياك

ويحذر لصوتك

صوتك الذي يجعل أمه تبكي وتضحك معاً

يتسايل بالحنين

على صحراءَ جافة

لتكمل هاجر سيرها

من جبلٍ لجبلٍ للمجهول

***

وحين لا يبقى في الطريق ضوء…

وحين تموت شاعرة

وحين نُجرّب رمحاً.. سيفاً ومِقصلة

يكون الرجل ذو الكيس الأسود

المليء بالرؤوس المقطوعة

يغوص في الدم حتى ركبتيه

يبحث عن رأسي أسفل المقصلة

***

يتدلى من أكمامي صمتي حتى التراب

يُربكني وجهك حين يغضب

لأي الجهات ستهب نارك؟

أنا خمس نِسوة وأنت رجل وحيد غاضب

الضِفاف كلّها تمتد لي…

الجُسور تُبنى من خطوتي في الفراغ

يدي نحلة تلسع ثم تموت

***

ثمّة طفل يُطِلّ عليّ

ملاك يضمني بالكثير من الحياة

أشرب منه الحب

لكني دوماً أحزن

***

في النهاية تصمت فيروز

التي في حناجرنا

من فرط الشوق

والعطش

***

تدعوني لجلسة المساء

كم ليلةً قضينا معاً؟

وكم أني كل ليلة

كنجمة كنت أبتعد..

***

حُزن وجهك الذي يليق وشاحاً

فرح ابنتك الجميلة

جدران المشفى من جليد

الهواء معبأ برائحة الكلور

أموت

يدك من ظلال تغمرني

مِن ثوبيً أسيل

ماءً.. شِعراً.. دماً

سال الحب أيضا

صرت فارغة..

فامتلأت وجعاً

***

باريس شعوب كثيرة

من ضوء وناس مسرعين

ستحرسني عجوز حتى الصباح

وأنسى حتماً لِمَ أتيت

***

الآن تؤلمني براعم البدء

أكثر من فأس النهاية

أرضي صامتة

وجرحي كفَ عن الصراخ

***

تُلوِّح لي أيادي الغرباء

كيف تبدو الضحية باطشة؟

ما الذي يجعل دمعي من حبر و ورق؟

كيف تولد القصائد من رحمي؟

من أين لي بهذه القدرة على تحمل العذاب؟

أتساءل أيضا:

أين أنت الآن؟

***

«أنا هنا جنبك» قال

جنبي تراب

جرح صلصال

جنبي مِلح

وقصائد ميتة

ريش طائر ملتصق بسقف أوهامي

حُبي يُضيئك وسط الخراب

غمّازتي حفرة قُبَلك

بين شفتيك يتربى موت وتنهيدة

تنتهي في قلبي فيذوب

***

كزاوية بنيتها بأعواد الثقاب

وأعقاب السجائر

أنزوي.. لأنساك أكثر

يحزنني العدم

وعشاق ما منحتهم الكثير

«كل ذاك كان شذوذاً وفوضى»

حين تحتاج حصى ستذكرني

على الرصيف وردة قطن تنتظر

كنتها لولا ما حدث

***

عِناق باطش بالمطار

أصابعك ترسم قصائد في كف يدي

«اعتني لي بنفسك»

أغوص في موجة المسافرين كدمعة

يبتلعني المسار

***

برهبة الكنائس

لوحات صامتة وتماثيل تبكي

وجهك فارغ

انتهى الطّريق

أنعود أدراجنا؟

أم نبني خيمة لاجئين على حواف الحلم؟

***

لي قلب وحيد

أعضه فينبت من جديد

لي وحش وحيد

أخبئه أسفل فستاني وأطعمه عسلاً لينمو

أمنح الموت كما القصائد للعابرين

لكني امرأة رجل واحد

***

على قوارير الرمل اسمك يرقص

كما ترقص صورتك في حقيبة يدي

وعلى وسائد الحرير

خائف حبيبي من اللعنة

يبتسم شيطان فوق غصنك الأيسر

لا أريد شيئاً آخر

يكفيني أنك أمس حلمتَ بي

واللَّيلةَ أيضاً ستفعل».

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …

يمينة مشاكرة : شاهدة على غرق السفينة

في  19 مايو تحلّ ذكرى رحيل الكاتبة الجزائرية يمينة مشاكرة (1949-2013) الكاتبة والطبيبة المختصّة في …