الأربعاء، 17 يوليو 2019

عبد العزيز غرمول: هكذا نصنع نجوم فكر وأدب

عبد العزيز غرمول

أن تؤسّس دار نشر، في هذه الأزمنة الصّعبة التي تمرّ بها الثّقافة في الجزائر، مع تضاؤل اهتمام الحكومة بالقطاع، فالأمر أشبه بمغامرة مع نتائج غير معروفة، وأشبه باستفزاز لبعث النّشر المستقلّ من سباته، وعبد العزيز غرمول (1958-) وافق على المجازفة، فبعد أكثر من ثلاثين سنة قضاها في الصّحافة وفي الأدب، أطلق، مؤخراً، دار «منشورات القرن 21»، التي من المنتظر أن تصدر حوالي 20 عملاً أدبياً، تزامناً مع معرض الجزائر الدولي للكتاب (أكتوبر القادم)، تحدّثنا مع غرمول في الموضوع، ودار هذا الحوار..

تأسيس دار نشر، في الجزائر، في هذه المرحلة التي تعرف ركوداً، يبدو أشبه بمجازفة، أليس كذلك؟

نعم. ولكنها مجازفة تستحق الاختبار. الجزائر في حاجة إلى دار نشر بمقاييس عالمية، تُراهن على الأجود، وتتبنّى كتّابًا موهوبين، وتفتح آفاقا جديدة للكتاب الجزائري، سواء على مستوى ترقية الكتابة ومن ورائها القراءة، أو على مستوى التّرويج للأعمال الجيّدة، أو الترجمة، أو المشاركة في المسابقات العالمية، أو تحويل الروايات إلى السّينما والتلفزيون، أو حماية حقوق المؤلف والدّفاع عنها أمام القوانين المتعسّفة التي تظلم الكاتب الجزائري، وتحدّ من حقّه في حرية التعبير..

فضلا عن أن رؤيتنا لواقع الكتابة في الجزائر تختلف عن الرؤية العامة المحبطة، فنحن نعتقد أن القارئ موجود بكثافة، له طموح ورغبة في قراءة إنتاج مبدعيه وباحثيه، ولكن الظّروف والشّروط المحيطة بالإبداع في الجزائر مخذلة، ولا تساهم في التّواصل بين القارئ والمبدع، ولذلك يبدو هذا الإحباط العام سيّد المشهد.

لقد انطلقنا من فكرة فلسفية بسيطة، وهي أن جودة حياة الشّعوب تخضع لجودة إبداعها، ولذلك راهنّا على الجودة، ونعتقد أنه رهان يستحق المغامرة.

الكتاب هو الخاصرة الرّخوة، في المشاريع الثّقافية، في البلد. مئات الكتب الأدبية تصدر سنوياً، وبالكاد تصل إلى القارئ. أين الخلل؟

هناك العديد من نقاط الضّعف في المنظومة الإنتاجية للأفكار، ليس فقط على مستوى القوانين المجحفة، وإنما أيضاً على مستوى تقاليد النّشر والترويج والتّرغيب في القراءة. نحن نعيش تحت طائلة منظومة تربوية لا تشجع على القراءة واكتساب المعارف، فكيف لها الاهتمام بالإنتاج الفكري الوطني؟! ونعيش في مجتمع لا ترتقي فيه النّاس بالأفكار والمعارف، وإنما بالشطارة والاحتيال، إلى جانب أن سياسة الجزائر منذ الاستقلال لا تشجع على إنتاج الأفكار، بل همّشت وحاربت كل فكر جديد لا يتماشى مع أكاذيبها ودعاياتها الحزبية..

وقد أنتجت هذه التّقاليد منظومة نقدية وإعلامية قاصرة على القراءة، وعلى التّرويج للفكر والإبداع في الجزائر. ويكفي أن نرى موقف الإعلام والنّقد، وحتى الكتّاب أنفسهم، من قانون الكتاب كي نفهم الأمر الواقع الذي أصبحنا نعيش تحت طائلته، وبالتالي الخلل متعدّد ومزمن، وعلينا أن نُجازف ونُغامر، وقد نخسر، من أجل تحريك هذا الرّكود وإعادة الكتاب إلى الواجهة كما في كلّ الدول التي تحترم شعوبها ومنتجي الأفكار فيها.

من متابعة سلوكيات جمهور القراء، في الجزائر، نلاحظ أن الكتاب الأدبي المحلي ليس من أولوياته، كيف نعيد مصالحته مع الكُتّاب في بلده؟

هذا ليس صحيحًا تمامًا، عندما يصدر كتاب جيّد، يجد قُرّاءً له في انتظاره. المشكلة أن المستوى الأدبي العام أقلّ من طموح القارئ، لقد أصبحت الرداءة لها أولوية، ودور النشر أغلبها «مطبعجية» تعيش على ريع وزارة الثقافة، لا يهمّها المحتوى ولا جودة الإنتاج، ولذلك نجد أن الكثير من الانتاجات لا تثير اهتمام القارئ. لماذا يهتمّ هذا القارئ بإنتاج دور النشر المحترمة، ويتسابق في معرض الكتاب الدولي على اقتناء كل ما هو جيّد وجديد؟

من هنا راهنّا على الأسماء الجيّدة، ونوعية الكتاب شكلا ومضمونًا، وأخبركم بالمناسبة إن «منشورات القرن 21» هي دار النّشر الوحيدة في الجزائر التي تتدخّل في محتوى الكتاب وتناقش المؤلف، وتقترح عليه إضافات أو حذف، ليس من باب المراقبة وإنما من باب الجودة، لأننا نعرف إن القارئ في الجزائر نوعيّ، وعلينا أن نرتقي بإنتاجنا نوعيًا كي يتصالح هذا القارئ مع منتوج مفكريه ومبدعيه.

ما هو سقف الحريّات المتاح لكم في «منشورات القرن 21»؟

لا سقف للحرية. نحن مستعدّون للدّفاع عن حرية كتّابنا إلى حد لا تتصوّره القوانين والتّقاليد المجحفة في هذا البلد، لأننا نعرف أن الشّعوب التي تحدّد مساحة حريتها تنتهي كالبهائم المربوطة لناعورة السّقي، أي تدور حول نفسها مغمضة العينين. لذلك لم نضع سقفًا للحرية وإنما باروميتر للنوعية. هناك خط أحمر للرداءة والضّحك على القارئ، أما الباقي فنحن نتحمّل مسؤوليته.

قانون الكتاب، الذي تمّت المصادقة عليه، العام الماضي، يفرض قيوداً على حريّات الإبداع، كيف يمكن التّعامل مع مواده، مع تجنب السّقوط في فخّ الرّقابة؟

للأسف، كان يمكن إيجاد قانون أفضل من هذا بكثير، نظرًا للتّطوّرات التي يشهدها العالم في مجال الإنتاج الفكري والأدبي، ولكن لم نكن ننتظر أفضل من هذه الكارثة، في ظلّ هذا النّظام السياسي. في اعتقادنا أن الحلّ الوحيد هو العمل دون الاهتمام بشروط ولا تعاليم هذا القانون، نحن نعمل ما نراه أفضل للبلد، وحين يواجهنا القانون سنواجهه من جهتنا بحقوق الإنسان وبالمنطق والحجّة بحقنا في التعبير.

ما نحذر منه حقا هم أشباه المثقفين، وحرّاس النوايا، وخلفاء الله في الأرض المكلفين مجانًا بالدّفاع عن الخرافات والضلال والبهتان، أما القانون فله دائما تخريجات قانونية نحن نتكفّل بها.

ما هو التّصوّر العام الذي تراهن عليه، مع السّنة الأولى ﻟ«منشورات القرن21»؟

فكرتنا الأساسية هي العمل على إنشاء تيّار فكري وأدبي جديد وجيّد في الجزائر، متصالح مع عصره وحداثته. هناك كتّاب وكتب في المستوى، وعلينا فقط أن نجمعهم ونهتمّ بهم، ونشجعهم على المزيد من التّفكير الصّائب، وعلى الإبداع الراقي. نحن نعرف أن هذا لن يحصل في القريب العاجل، وإنما سنعمل من أجل هذا الهدف، وستكون لمنشوراتنا في البداية نقائص، وربما عدم رضا، لكننا سنعمل على المزيد من الجودة، وتحفيز كُتّابنا على الارتقاء بإبداعهم بغض النّظر عن القوانين والسّقوف الواطئة، ومثبطات العزائم، التي يحفل بها الواقع الفكري والأدبي في الجزائر.

أنت صحافي، أولاً، كيف تتصوّر خطط التّرويج للكتاب الأدبي، في الجزائر؟

هذا اجتهاد له الأولية في برنامجنا. لقد قرّرنا أن لا نطبع الكتاب ونضعه في الرّف في انتظار القارئ، بل يحفل كل صدور جديد برعاية إعلامية مكثّفة، تبدأ من الملف الصّحافي الذي يصاحب كلّ مؤلف جديد لتسهيل عمل الصحافيين، وستعمل الدار على أن يكون لها نقّاد متابعون للأعمال الصّادرة، وبالطبع مجموعة من الصحافيين الذين سيشتغلون على كلّ نشر جديد، إلى جانب الندوات والقراءات التي تُصاحب كل عمل يستحق المتابعة.

القارىء في حاجة إلى تنبيه لموضوع الكتاب، وتحفيز لقراءته من أجل ما فيه من جديد، وأعتقد أن هذه السياسة ستكون مثمرة على المدى البعيد، وهذا هو هدفنا، مصالحة القارئ الجزائري مع إنتاج مفكريه ومبدعيه، وصناعة نجوم فكر وأدب، يكونون نموذجا للإنسان الجزائري بالموازاة مع نجوم الطّرب والرياضة.

على الصّعيد الإقليمي، الكتاب المطبوع في الجزائر، عادة، لا يتجاوز الحدود، هل يمكن أن نروّج لكتبنا عربياً؟ كيف؟

هذه أيضا ضمن استراتيجيتنا، وهو التّعاقد مع دور نشر مغاربية وعربية، لإعادة طبع الكتب من الطّرفين، والاتّفاق على التّرويج لكتبهم مقابل التّرويج لكتبنا، إلى جانب أن «منشورات القرن 21» مهتمّة بترجمة وتوزيع الكتاب الجزائري في لغات أخرى، خاصة الإنجليزية والفرنسية، وهذا ما نسعى إليه إبتداءً من السّنة القادمة في معرضي فرانكفورت وباريس.

هل يمكن لدار نشر، في الجزائر، أن تحقق استقلالية لنفسها، من دون العودة للمؤسسات الرّسمية؟

شروط المؤسسات الرّسمية مجحفة ومنها شرط الرّداءة الذي لا يمكننا القبول به. إلى جانب ذلك، نحن لا ننتظر الثراء من الرّيع والاحتيال، سنعمل فقط على تحقيق توازن مالي في الحدّ المطلوب للبقاء على قيد الحياة، خدمة للفكر والأدب وليس خدمة للمال والثّراء على حساب النوعية والاستقلالية، وهذا هدفنا منذ البداية.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الكتابة لحظة وعي أم وظيفة أيديولوجية؟

سؤال افتتح به الكاتب الرّاحل محمد بوشحيط(1943-1996) كتابه الأوّل، الذي صدر عن المؤسسة الوطنية للكتاب(1987)، …

فنلندي في الجزائر أو الحبّ الجيوسياسي

حاوره: أمزيان فرحاني. ت: جلال الدين سماعن التقينا أوسمو بيكونن بالمكتبة الوطنية يوم الإثنين 28 …