الخميس، 24 أكتوبر 2019

مفطرو رمضان يبحثون عن المدينة الفاضلة!

بثينة سرمدة

مفطرو رمضان، في الجزائر، لن يجدوا مكاناً لهم تحت الشّمس، يعيشون في الخفاء، في غرف سرية أو في مكان منزو، بعيداً عن أنظار حرس الشّريعة.

هم أشخاص رفضوا الانصياع لازداوجية سلوكيات المجتمع، يحاولون الحفاظ على صدقهم مع ذواتهم برفض الوصاية الدّينية التي حاول الآخرون فرضها عليهم.

مفطرو رمضان، في الجزائر، لا يستهدفون مشاعر الجزائريين، وإنّما فقط يريدون التحرّر من الشريعة، التي لا تتناسب مع خياراتهم العقائدية ولا مع قناعاتهم، يلجؤون إلى الظّلام كآخر حلّ لهم، تجنباً للضغوط الاجتماعية، وللكلام الجارح الموجّه لهم.

في دردشات مع مفطرين، تواصلت معهم مجلة «نفحة»، تحدّث البعض منهم عن ظلم يُمارس، كلّ عام، ضدّهم، ظلم نسجت خيوطه نصوص سماوية مختلفة، ترفض «المختلف»، بحجة إفساده للدّين وللفطرة، فكل مختلف هو خطر على الشرائع، خطر على نسيج المجتمع، تلك الشّرائع التي تقيس ايمان الفرد بحسب أفعاله، وتتفادى النّظر إليه بعين الإنسانية، التي تفترض حرية الفرد في تصرفاته.

رغم أن المفطرين، في الجزائر، لا يأكلون في رمضان مثلما يفعلون في الأيام العادية، لكنهم يصرّون على تناول الشّيء القليل كي لا يشعروا أنهم صائمين، ولا يشعروا أنهم من قطيع طويل، وأنهم مجرد رقم منه.

الصّوم لخوف ديني، أو لأنك مجبرٌ على محاكاة معتقدات الآخرين الدّينية من حولك، وأن تصطنع صيامك كي لا يُزجّ بك في السّجن بحجة انتهاك حرمة رمضان، كلّ هذه وأمور أخرى ساهمت في اختباء المفطرين في غرف سرية من أجل التصالح مع ذواتهم، وتجنب الخضوع لسلطة دينية أو مجتمعية.

المجتمع الذي لا يقوم على الصّراحة هو مجتمع يعاني من انفصام في الهوية، والمفطرون في الجزائر يحاولون تقديم انطباع بأنّ صيامهم يحمل المشقّة نفسها التي يتحمّلها صائمون من حولهم، و في بعض الحالات، حين يجتمعون مع الأهل على موائد الإفطار يتظاهرون بألم في الصّوت أو في الجسد..

«أن تكون مفطرا في تبسة، فذلك أشبه بسجين في زنزانة منفردة، رمال الصّيف وعرق عباد الربّ وعوامل أخرى تجعل الحياة قاتمة» هكذا يقول محمد. ص، وهو يصف عزلته في مجتمع يُصادر حقّه في الإعتقاد، ويفرض عليه منهج حياته، ويضيف: «أحترم الآخر، وما يعتقده، لكن ليس من حقّه أن يتدخّل في حياتي».

عبير، فتاة من أم البواقي، راسلتنا بعد أن سألناها عن يومياتها في رمضان: «أعيش أيام رمضان بشكل طبيعي، كغيرها من الأيام.. إلى غاية اليوم لم أتنازل على وجبة، سواء كانت رئيسية أو ثانوية، بالإضافة إلى شرب الماء أحياناً علناً، لكن لا أحد ينتبه لي، قد يكون هذا بسبب عدم توقّعهم وجود شخص يمشي و يشرب الماء في يوم حار من أيام رمضان».

زين العابدين، ملحد من قسنطينة، يقول: «أشعر أني أسير، من هو غير متدين فهو خارج أعراف المجتمع ويُنبذ؛ فالدين لديه مخالب تجرح من لا يخضع له، لذلك فالإفطار في رمضان مبنيّ على الحذر من المترصّدين للأثاميين».

من جانبه، لطفي، لاديني من قسنطينة أيضاً، تحدث إلينا: «أقضي وقتي في العمل من دون طعام، ولكن بين الحين والآخر، أذهب إلى الحمام لشرب الماء، وقبل الذّهاب إلى العمل في الصباح، أتّجه إلى مكان منزو وأتناول سندويتش سريع، أعدّه من وجبة السّحور، الاختباء أمر مخزي لكن النّفاق الحاصل أكثر خزيا منه».

مفطرو رمضان، في الجزائر، بمدنها المختلفة، يحاولون الحفاظ على قناعاتهم، بالتّحايل وبالاختباء على الأنظار، وينتظرون يوماً تصير فيه الحريّة الشّخصية ممارسة، وليس مجرد شعارات.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بابيشة

آخر فيلم في زمن بوتفليقة يحكي عن “بابيشة” تائهة

يُثير فيلم “بابيشة”، منذ أيّام، نقاشات متضاربة فيما بينها. يروي الفيلم قصّة فتيات يقطنّ في …

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة الجزائرية

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام …