الخميس، 24 أكتوبر 2019

يصف الوردة أم يمنحها المعنى؟

 

محمد الأمين سعيدي

في النظرِ إلى الوردة تتكشّف عدة زوايا للإدراك البشري؛ إذْ تمنحكَ شكلها وصورتها أوّل ما تدخل مجال رؤيتك البصرية.

ثم تمنحكَ انطباعا وأثرا يقعان منك موقع تأمّل فتمنحها المعنى الذي افتقرتْ إليه طويلا لأنها من وجهة نظر ظاهراتية لا تستطيع إدراك وجودها وحضورها لأنها لا تمتلك الوعي، ويترتب عن هذا عدم امتلاكها للمعنى؛ معناها بالنسبة إلى ذاتها، وإلى غيرها من الموجودات.

بهذا المثال يمكنُ الحديث عن عمل الشّاعر بالنسبة إلى زوايا النّظرِ المختلفة التي تفرزها علاقته بالأشياء، وأيّ مستوى من النّظرِ يبني عليه نصّه وهو يحاول تكوين رؤيته إلى العالم؟

أفكّر هنا في مثال آخر، رؤية أمل دنقل للأزهار التي استجلبها إليه أصدقاؤه أثناء مرضه، لقد اعتبرها ورودًا ميْتة، لأنّ الوردة الحيّة هي التي لم تقطفْ بعد:

«تَتَحدثُ لي الزَهراتُ الجميلهْ

أن أَعيُنَها اتَّسَعَتْ – دهشةً –

لحظةَ القَطْف،

لحظةَ القَصْف،

لحظة إعدامها في الخميلهْ!

تَتَحدثُ لي…».

لقد كسرَ أمل دنقل في رؤيته المعنى الإنساني للوردة، المعنى نفسه الذي يجعل عائد المريض يفكّر في اقتناء باقة وردٍ غالبا، بهذا، أعطى للوردة معنى آخر؛ ربما هو أقرب إلى خطاب الحقيقة التي تؤكّد أنَّ الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي تزعجه وردة في الحديقة فيقطفها ويضعها في مزهرية حتى تذبل، وحده يزعجه الطّائر حرًا في السّماء فيصنع له قفصا ويسجنه فيه.

هل يمكنُ الآن أنْ نعتبر رؤية الشّاعر سبرًا لجوهر الشّيء لا وصفًا لظاهره؟ أمْ أنها أيضا حربٌ على معنى الشّيء الذي قيل قبلا ونالَ شرعيته بالتّراكم عبر حركة الزمن؟ لعلها كلا الأمرين معا؛ أي أنها سبرٌ وحربٌ يشتغلان على تعرية العالم من معناه المتّفق عليه، ومنحه معنى آخر وكأنَّ الشّاعر هو أوّل من تلقّى الشّيءَ، أولُ من تفلسفَ في معناه.

ومع هذا؛ يظلُّ سؤال الرؤية بحاجةٍ إلى سؤال الجمالية؛ أيْ كيف يكون الشّعر تفكيرًا وتعبيرًا في آنٍ واحد؟ كيف تكون اللغة التي تحتوي كلّ هذا؟ بل، هل تستطيع اللغة أنْ تقبضَ على هذه الرؤية أم أنها ستتعلل على لسان فشل الشاعر بقولة النفري في كتاب «المواقف والمخاطبات»: «كلما اتسعت الرؤيا ضاقتْ العبارة»؟

ستحملنا هذه الإشكالاتُ إلى الإقرار بأنَّ الشعر في المتون قليل، لأنَّ اللغة تضيقُ وهي تحاولُ التوفيق بين حضورها المجرّد في أذهان الناطقين وبين لقيطها: الكلام؛ المنجز الفردي من اللغة كما تعرفه اللسانيات. صعب أنْ تتحقق جميع التصورات في اللغة وهي أبدا قائمة على ترسانة من المعايير الصّارمة، صعب أنْ يقول الكلام كل شيء أيضا.

إنَّ استبدادية المعيار في نظام اللغة أسستْ لبلاغة منتهية أغرقتْ كثيرا من المتون الشعرية في المجاز الذي لا يقول شيئا مهمًّا، المجاز حين يزركش جماليات العالم بمبالغةٍ فادحة.

لكنَّ قلّة من النصوص ستظلّ تنخر أساسَ حصون المعيار وهي تسلك إلى الشّعر طرقًا أخرى وبلاغات مغايرة. أبو العلاء المعري أحد تلك الأصواتِ التي اختبرتْ بلاغة الإقناع والتّفكير واتخذتها جسرًا لجمالية المعنى وهو يتشكّل كما لم يفعلْ يومًا، خفيفًا من الماكياج البلاغيّ، منفتحا على مسالك أخرى للقبض على الشّيء متلبسًا بالحياة؛ لإطلاق رصاصة معنى جديد عليه ليبعث على مرايا الإدراك الشّيءَ الذي لم يحلم أن يكونه من قبل.

كم مربك، في هذا السّياق، صوت مظفر النّواب وهو يجهش بتساؤلات عميقة دون تزويق مبالغ في صالون البلاغة، ودون مجاز غريب:

«هل تاب النورس من ثقل جناحيه المكسورين

وهل تاب الطيب الفاغم في رفع امرأة خاطئة فأتوب

هل تاب الخالق من خمر الخلق

ومسح كفيه الخالقتين لكل الأوزار الحلوة في الأرض

فتلك ذنوب

تعال لبستان السر أريك الربّ على أصغر برعم ورد

يتضوع من قدميه الطيب

قدماه ملوثتان بشوق ركوب الخيل

وتاء التأنيث على خفيه تذوب».

كأنك هنا أمامَ جلوس البلاغة هادئة حين ينطلقُ في النصّ الصوتُ الذي يتلقّى الأشياء مجددا، الذي يمنحها المعنى الغائب عنها قبلا. هنا نطرح سؤال المجاز مرة أخرى، إذ هل يمكن اختزال البلاغة في الاستعارة والتشبيه كما يحدث في أغلب متون الشعر العربي اليوم؟

لعلَّ هذا لن يكون ممكنا خاصة إذا انتبه الشّاعر إلى أنَّ هناك زوايا كثيرة لبناء النظرة الشعرية المختلفة والمدهشة في آن واحد، وأنّ هناكَ احتمالاتٍ كثيرة للقوْل تصبح متاحةً حين يشتغل الشاعر على ذاته من جهة وهو يؤسس لوعيه بالكتابة وأسرارها، وعلى أدواته الشعرية وتقنياتها من جهة أخرى.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

نجيب بوزناد

الباب لحمر / قصة لجلال حيدر

غير بعيد من هناك كانت قدماي ـ والأرض تميل تحتهما ـ تسرعان على نحو مرضي. …

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …