الثلاثاء، 20 أغسطس 2019

رمضان في الجزائر.. وأذان وليد حومتي..!

حبيبة العلوي

إلى ابن حومتي الذي كنت أنتظر

 رمضان لأفرح بصوته..

 

كان.. جميلاً.. ولا أعرف من وسوس له.. أنّ الجمال فتنة.. ومَهْلَكة..

وكنت أحبّ رمضان لأنّه كان يُغنّى أذانه بمقام آخر.. يجعلك تقيم الصلاة بنيّة العشق..

وفي كلّ وقت صلاة كان يجوّد صوته الموروث من زمن آخر، بشكل يجعلك تتذكّر الله أكثر..

نعوز في رمضان إلى سحر آخر..

يحصل لك أن تتعلّق بتفاصيل.. لا قيمة لها إلاّ لدى العاشقين.. كرائحة الياسمين الليلي المتدلّي على جدران عتيقة.. في طريقك العصيّ إلى جامع «بلال بن رباح»، المحاذي لمقام لالاّ مريم.. هكذا تتسلّى عجائز «نوترودام دافريك» بتسمية كنيسة «السيّدة الأفريقيّة».. وكأضواء فوانيس بوابّات فيلات «فيلاج الطاليان» القديمة تترك منارة في سخاء لتنير ليالي المتسامرين بالـ «دّاما والكارطة والدومينو».. في سحورات  «نوترودام»..

لرمضان فريضة أخرى في الجزائر..  فريضة البقاء قيد وجد..

يستذكر الجزائريّون في هذا الشّهر أحلى ما يملكون.. وأبهى ما يجيدون.. يخرجونه من صناديقهم السريّة.. يتبرّجون به في شكل لا يوحي بالتكبّر بقدر ما يفضح حنينهم لممارسة جزائريّة ما.. تنفلت من تفاصيل حياواتهم المبتذلة بقيّة شهور السّنة..

في رمضان يتذكّر الجزائريّون أشهى أطباقهم.. وفي رمضان يتذاكر الجزائريّون أخلاقًا قديمة.. فيتنافسون في البذل مثلاً.. في شكل لا يوحي بالتديّن بقدر ما يوحي بطيبة دفينة..

وفي رمضان يتعاهد الجزائريّون ليلهم المقبور طيلة السّنة.. فيحيونه بافتراش الشّوارع في تراويحهم الغفيرة.. أو بإعمار مسارح المدينة المهجورة.. المنتعشة فجأة في رمضان بسهرات الشّعبي والأندلسي والمالوف.. التي لا ينسى فيها السّاهرون الصّلاة على محمّد عقب كلّ سكرة على قصيدة من قصائد الشيوخ القديمة..

ثمّة طقوس رمضانيّة..  تُقام خصّيصا – يبدو – ليسترجع الجزائريون فقط عادات أصيلة..

لا تنسى الجزائريّات تبييض جدران بيوتهن قبيل رمضان احتفاء ببياض ما.. يفترض أنّ يعمّ على القلوب الصّائمة والعامرة بمحبّة استثنائيّة ودَعَة.. هذه عقيدة نسويّة في الجزائر وطقس لا يترك إلا باستعصاء واستشعار عميق للخسارة..

حتّى المتعاركون في الأسواق الشعبيّة.. أولئك الذين يصنعون الفرجة في ساعات الصّيام الأخيرة الأكثر حرجًا..  وكأنّه ثمّة عقد من بياض النّوايا متّفق عليه بينهم.. وكأنّهم يتعاركون و«يتدابزون»(والدبزة هي اللكمة) ويتشاتمون ويتسلّون بجرح و«تشكّ»(طعن خفيف) بعضهم وتراشق أقسى الكفريّات (مسبّات دين) الممكنة في تلك النهارات المقدّسة؛ فقط ليَكْبِتوا صراخات النيكوتين الحارقة التي تعضّ خلاياهم وتفتك بما تبقّى من صبر في دمائهم..

ثمّة عقد بينهم.. ألاّ حلّ لإفناء تلك السويعات الأخيرة إلاّ بتركيب أفلام عفويّة وعنيفة لزوم ضرورات «الأكشن».. أفلام بقدر ما تسلّي أولاد الحومة بقدر ما تهشّم عظامهم..!!

رمضان في باب الوادي

ثمّة عقود كثيرة يتفقّ عليها الجزائريّون في هذا الشّهر.. دون سابق تكاتب أو رصد.. ككلمة «راني صايم» تبرّر بها كلّ الزلاّت والكوارث الممكنة..!!

وكرائحة الحشيش مقطّفة يرشّ في آخر لمسة لسيّدات البيوت على شربة مقدّسة.. تلك التي.. تنبعث من شقوق العمارات المهترئة  لتغمر صدر كلّ وافد للحومة بدفء الوصول إلى حضن أخير..

وكرحيق «الطاجين الحلو» الذي يعمر مضائق الأحياء القديمة المحشورة بناسها وأشيائها.. يصنع على مهل من انصراف الظهيرة.. وكطوابير صبورة وغير صبورة تصطف لتظفر بقالب «قلب اللوز» من عند «الحاج عبد الحميد»، المحروق بخفّة محبّبة لدى أبناء القصبة وباب الوادي القديمة.. وكصمت حرام.. بعيد آذان المغرب.. لا تعكّره إلاّ مواءات القطط الشريدة.. وكروائح كل أنواع التبغ المتاحة للجزائريين.. تنبعث سريعا من صدور الصّائمين القانطين.. الكاسرين صيامهم برشفة قهوة وسحبة «ڤارو» (سيجارة)..

ثمّة تفاصيل كثيرة لم يتخلّ عنها الجزائريون في رمضاناتهم الكريمة..

ولا أعرف لم أسقطوا في سقطة تاريخيّة ما.. بعض التفاصيل الحميمة..

كأذان وليد حومتي الموروث من أزمنة جميلة..

وعن نفسي..  مازلت أحب وأحنّ لرمضان ما قبل قيامات المدينة.. رمضان الذي كنت أفرح فيه بصوت الدربوكة يغزو أسطح العمارات المجاورة.. التي كانت تحتلّها «لاليّات» الجزائر قبيل أن تفتح لهن الجوامع.. ويقتنعن بأنّ أداء التراويح والرجال أشهى بمراحل من طقوس «البوقالات» (لعبة نسائيّة).. في سهرياتهن النسويّة المريبة..

رمضان الذي كنت أفرح فيه بجلال صوت ابن حومتي يغزو مسام الصّائمين بشوق النّجاة في صلاة..

الصّوت الذي مازلت أحلم أن يوّرثه وليد حومتي لابنه المرتقب  دون حرج.. لعلّه يولد لزمن آخر.. سيأتي.. لا يُحرّم فيه التغنّي بالأذان.. ولا يفتتن فيه بحبّ الجمال.. زمن قد ترفع فيه «الله أكبر».. في لحن لا يوحي بأنّ حربًا ما..  قريباً.. سترفع..

في انتظار.. ذات أذان..

بن عكنون/ باب الوادي

27 ماي 2016

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …