السبت، 24 أغسطس 2019

أحزان المثقف الجزائري

سعيد خطيبي

المثقّف الجزائري كان في أحسن حالاته، سنوات الاستعمار، وبعد 1962، خان نفسه، سمّم الأجيال التي جاءت من بعده، أحصى بعض المكاسب الشّخصية، ندم عما فعل، ثم تغاضى عن المهمة الأصلية التي نذر نفسه لها.

سنوات الاستعمار، كانت المعركة واضحة، كان العدوّ ظاهراً، وكان المثقّف مدركا العمل الموكل إليه، ثم جاءت سنوات الاستقلال، مع ما حملته من أحلام مفخّخة، ودخل المثقف في دوائر السّلطة، تحت مسميّات مختلفة..

صار هذا المثقف، مع الوقت، مبتذلا، لا يختلف عن غيره من فئات المجتمع الأخرى، وعرف السّياسي كيف يقزّم من حجم المثقف، ويجعل منه تابعاً، وقبِل المثقف نفسه الدّور الثّانوي الذي وُضع فيه، هكذا راح يقتات من فتات السّلطة، ويُدافع عنها.. خوفاً منها، دفاعا عن مصالحه الذاتية وطاعة لها!

في العقدين الماضيين، تكرّست، في الجزائر، صورة «المثقف السّلطوي»، الذي يدافع عن السّلطة المهيمنة، بالكلام أو بالصّمت، على حساب المثقف المستقلّ، الذي تقلصت أعداد المنتسبين إليه كثيراً، هذا المثقف السّلطوي الذي قد يندد بما يحدث في غزة، لكنه لا يندد بفظاعات النّظام الحاكم في بلده، قد يتضامن مع أطفال الشّوارع في هونغ كونغ، لكنه لا يدين الممارسات الأحادية التي تصرّ عليها السّلطة الحاكمة في بلده الأمّ.

جاءت، مؤخراً، قضية «الخبر»، لتعيد المثقف السّلطوي إلى الواجهة، فقلّة قليلة جداً من المثقفين المستقلين رافعت من أجل حرية التّعبير في البلد، وهي القلة نفسها التي رفضت غلق جرائد أخرى، في السّابق، ونددت بغلق قناتين تلفزيونيتين، أما الغالبية من المثقفين، الذين تملأ أسماؤهم وصورهم الصّحف، فقد التزمت «الحيّاد»، الحيّاد الرّخو، القائم على منطق المصلحة، بحكم ارتباطهم بعلاقات منفعة مع جهات رسمية، بسبب تورّطهم في علاقات مشبوهة مع النّظام، وقد باتوا في منظور الحاكم أرقاما وليسوا أسماءً، يتكلّمون فقط حين يُطلب منهم أن يفعلوا، ويصمتون حين لا يرن هاتفهم أو لا تصلهم إشارة من الجهات التي تحكم وعيهم.

هذا المثقف السّلطوي، المشرّد من مكتب لآخر، ومن مسؤول لآخر، الذي يقرأ لغرامشي وماركيز ودريدا، ويتماهى معهم، في بيته، ويُخالفهم في الواقع، ليس راضٍ عن فعله، هو يعلم أنه يخون نفسه، لكنه لا يبذل جهداً للتّخلص من البيروقراطي، الذي يوفّر له راتباً وتذاكر سفر، وحجزاً في فنادق 5 نجوم، يصرّ هذا المثقف على خدمة السّياسي كسباً لمنافع راهنية، ويندم في سرّه عن الحال التي وصل إليها، هو يرغب، في عمقه، في الانتفاض، وفي تحسين صورته أمام الملأ، لكن روحه القائمة على منطق المصلحة تمنعه، وتذله، وتقلّل من قيمته، عاماً بعد الآخر.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …