الجمعة، 15 ديسمبر 2017

بختي بن عودة.. فانوس تنوس حوله الأسئلة

خيرة بلقصير

بختي بن عودة

أسمع صلصلة في ثقب باب الغياب، شيء ما يُراق من فوق الأبدية، كالزّلال يهطل الرُّشد والنبوغ على هيئة وميض من طابق الهزيع الأخير، من عمارة «سان ميشال»، في عقر المخيال الذي يستبق وهران.

أشمّ رائحة الكلام ونتوءات تغتسل بالدلالة والقلم المبرور، هل للحداثة رائحة؟ تلك التي جرّدت أيقونة الوقت من الانتظار وحفرت في قلب «الوِهرين» القابعين في مدخل نصّ العذوبة ميتافيزيقا الأزرق والمكر المنّمق بالأسئلة، حانوت الظلام.

هِجرةُ الفكرة نحو مجسّات الرّجاء والانفتاحات، أسمع صرير الأشياء في الفقد المقدس وقرطاسية تتضوع جوعًا، لم يعد بختي يُطعم فاهها الأبدي بالنّحت في المستحب وصقل المرآة التي قالت له ها أنا ذا فراشة الرُّكح!..

مسكونة أنا باسمك، باللاهوت، وبالحتف نحو الأعالي التي تشتهي نزق «شارع العربي بن مهيدي» مرورًا بــ«الكاتيدرائية» التي حوّلته بنورها «نوتردام» الغواية، نهشت بزركشاتها الغياب، عشقها الذي نذر نهاراتنا الباردة للشّمس وثقافة البحر الذي ظلّ أمدًا يقيم خارج ملوحة القدر والمشيئة ورجاء المدينة الثّكلى بالوجع المقيم..

سربه الأبهة نورس الفجيعة والكائن الباسق بالراحلين وأمجاد العطر والنسق المجنون، بختي الذي تجاوز ماهية المطلق عن البدايات والنّهايات، عن النّسب والتّاريخ، وحرفة الدّم في أعماق الفكرة، عن البعيد الذي يتوارى في أعقاب القرب، وعن مكنون الأزمنة المتعاقبة في عفن السّهو، وعن الآخر والثّقب الذي يسبق المعنى على شاربه يديره بإصبعه لتدور معه مجراته العارية وسلاسة النّجوم، ثم ها أنا أكتفي بضحكة قاسية كتلك التي كنا نطلقها حينما نسمعك تتحدّث بلغة تتخطّى معرفتنا بسنوات وأعوام من الضّوء ربما.. لنبك الآن قليلا أنماطا من حكمتك الضّالة وهُتاف خاتمك الذّهبي البرّاق في أزلية وحدته.

بختي بن عودة، على اليمين

ها قد عاد صراخ الرّصيف بتشرّده يمخر القلب، «رامبو» التّيه والنّزق يسكن هبوبك في صحراء الاشتياق لتجرّدنا من حياتنا المذمومة، لتلملم فينا البقاء المشتهى، لترتّب الفراغ بيدين من هروب، لتلقي التّحية والسّلام وتبقي الزّكيات على رفوف بختي الطّازجة بالحلم والمليئة بالرّياح الجنوبية وفسحة ترعى فيها الدّهشة وسحر «ميشال فوكو» بنبوغه بالقرب من مدارج الرّهبة الممكنة والتنبؤات وعدم الاستسلام لعشب الرتابة، سبق سيف التجليات في وضوحات بختي بن عودة عدل اللّغة حينًا ووحي الأشياء و«جاك دريدا» حينا آخر، بختي فانوس تـنوس حوله الأسئلة واللاّممكن.

يمضي الزّمن مجردًا من الأنا المصابة بتضخّم الذّكرى المريرة ولطخة دم في مقتبل الدّهشة، ويبقى الاغتيال هتك آخر يطال سماءً باذخة باحتمالات اليقظة وحرائق البحر.

كيف ذهب بختي فجأة، وترك كل هذا الكون يعيد تفكيكه من جديد وترتيب نمطية الخلق في أزرار القميص الذي يتبرّأ من ذئب الوطن ورثاءنا للمجد بقصائدنا البالية؟

بختي بن عودة خالد أنت في الأبدية، أخبار المعمورة لا تُطمئِنُ شجن يحتاج لقراءتك النّبيلة، فإن كنتَ قد متّ مرّة ميتة النّبلاء والأشراف والقديسين والعُشاق، فنحن يا صديقي، في كل يوم نموت مرتين؛ ميتة باردة وبفراق لا يُطاق.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

زيتون بوهليلات، وأخيرًا أفرجوا عن الفيلم !

وأخيرًا، يبدو وكأنّ التلفزيون الجزائري، بدأ يتفطن إلى الكنوز التي يزخر بها أرشيف السينما الجزائرية، …

حصري.. صور نادرة لنجوم الرّاي

بعيد صدور أغنية «ما عندي زهر»(1983) لفضيلة وصحراوي من الجزائر، أدرجت إحدى فرق الديسكو في …