السبت، 24 أغسطس 2019

صراعات وسوء تفاهم، والسّبب: الكلمة

رشيد فيلالي

هناك نسبة معتبرة من الصّراعات التي تقع بين الناس ويعود سببها إلى سوء تفاهم، حدث بين طرفين، قد يكونان يدافعان عن الفكرة ذاتها، لكن بأسلوب مختلف!

والسّؤال المفصلي هنا هو لماذا يحدث سوء التفاهم إن لم يكن في لغة التّواصل ما يستدعي ذلك؟

تعالوا في هذا المقام نمعن النّظر في بعض الجمل العربية كثيرة الاستعمال التي نوظّفها في كتابتنا اليومية، وهي في الحقيقة خاطئة لغويًا أو قل مقلوبة المعنى! لكننا قد نكتفي بفهم محتواها وربما نصر على مواصلة استعمالها عن جهل أحيانا وحسن نية أحيانا أخرى، رغم ما قد يتسبب ذلك من اضطراب ذهني لدى المتلقي.

إننا مثلاً كثيرًا ما نقرأ في الصّحف والمطبوعات الحديثة هذه الجملة: «لا يجب أن تهمل واجبك المدرسي». في الظّاهر تبدو لنا هذه الجملة سليمة لغويا، وهي في الحقيقة غير ذلك على الإطلاق، كيف؟

إن المعنى المقصود بالكلام هو أنه مفروض عليك ألا تهمل واجبك المدرسي، غير أن وقوع النّفي في جملتنا على عبارة «لا يجب» وليس على «الإهمال» يجعل العبارة في معناها الأصلي مقلوبة، بمعنى أننا قلنا في الأساس: «يمكنك إهمال واجبك المدرسي»، أي أن ذلك مسموحا لك وليس واجبا! وهو طبعا عكس المقصود في كلامنا، وعليه فإن الجملة لكي تكون صائبة وصحيحة ينبغي أن تكتب على النحو التالي: «يجب عليك ألا تهمل واجبك المدرسي»، هكذا بكل سلاسة وبساطة وتلقائية.

ومن الاستعمالات اللغوية المعاصرة التي فرضت فرضًا، نتيجة تأثير الاحتكاك باللغات الأجنبية وخاصة الفرنسية، قولنا: «يلعب دورا مهما» ومعروف أن كلمة «يلعب» تدلّ على النّشاط الرياضي وكذا اللهو عامة، ولكن الاستعمال المعاصر صار يوظّف هذه الكلمة حتى في أكثر الأمور جدية وخطورة، ونفهم من هذا كله أن للاستعمال سلطة تكاد تكون حاسمة أو مطلقة في تثبيت أو تغيير لغة التواصل وهو ما يعرف علميا بـ«الاصطلاح»، إذ عندما يشترك جماعة في فهم مدلول كلمة معينة فإن هذا المدلول هو الذي يتكرّس في الاستعمال ويعمّم بعدها في المجتمع وقد يفقد المعنى الأصلي للكلمة كلية مع مرور الزمن.

وثمة حادثة طريفة نذكرها ضمن هذا السّياق زيادة في الفائدة، وهي تتعلق بالشاعر الكبير أبي العلاء المعري(973-1057)، هذا العبقري الضرير الذي وجد الباحثون عبر التاريخ ثروات لغوية لا تقدر بثمن ضمن نصوصه وكتاباته الغزيرة، وكان الرجل قد اكتسبها بقراءاته ودروسه التي تلقاها عن كبار علماء عصره، بعد أن شدّ الرّحال إليهم حيثما كانوا رغم إعاقته، وفي أحد الأيام كان قد قصد بغداد لتلقي علوم وأسرار اللغة العربية ممن وصلت إليه رياسة النحو آنذاك، وهو علي بن عيسى الربعي(939-1029)، وحين قصد المعري منزله وطلب الدّخول بعد التّعريف بنفسه طبعًا، قال الربعي في شيء من الغطرسة والاستخفاف بهذا التّلميذ الضرير: «ليصعد الإصطبل!«(بحرف الصاد) أي «الأعمى» بلغة أهل الشّام، وسمع المعري العبارة، فعاد من حيث أتى وهو يستشيط غيضا، لكونه يعرف مدلول هذه الكلمة المصطلح عليها وظنّ مستعملها بأنه يجهله، وكما نلاحظ هناك توظيف غريب لكلمة «إصطبل» التي هي من المفروض اسم مكان خاص بالخيول والبغال ويطلق لسبب ما في لغة أهل الشام على «الأعمى»، وهذا من عجائب الاصطلاحات اللغوية فعلا.. فتأمّل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …