الخميس، 17 أكتوبر 2019

محمد الأمين سعيدي يكتب: صانع الساعات الأعمى*

محمد الأمين سعيدي

حين أفكِّر في كتابةِ قصيدة جديدةٍ

أسقط في هاوية شعور بين التفاهةِ والهوس

ومع هذا

أواصل الحفرَ في تربة الإنسانِ

لعلّي أجدُ ماءَ المعنى

أو صديقا لا يحمل خنجرا غير مرئي

أحفرُ

وألقي النص بصوتٍ ملحميّ
عبثا

أحاولُ أنْ يسمعني العالم وهو يعتني بحديقة الكائنات

يقلّم

يزرع

يقطف

أو يميتُ شيئا ما دون أن يتحرك فيه الحس

تماما  كمخبريّ بارد الأعصاب

أحفر أعمقَ

لكنَّ العالمَ يظلُّ مجروح الدّلالة

كما كان دوما

كما يصير أبدًا

وقتها

ينخفض صوتي في الإلقاء

ينخفض الضغطُ ونسبة السكّر في الدم

تنخفض العينان ترى إلى يبسٍ في قلب الأرض العطشى

ينخفض العمرُ

انحدارا

إلى جدار العدمية..

«لماذا صرتَ وجودا أيها الحيوان المنويّ؟؟

لتحتفلَ بعيد مولدك كالآخرين؟

تفنى تدريجيا مثلهم؟؟؟

تتزوج؟؟

تنجب قردة تتقافز؟؟

تبني بيتا؟؟

تصبح جدا مترهّلَ البناء؟»

نطق صوت الشيخ المتربع في دماغي

وهو يحكّ ما بين فخذيه بوقاحة

لكنّه أربك ذاكرة الأحماض الأمينية الأولى

«ستهيم في الحياة طويلا على قدميك

ثم يهيم جسدك تذروه الريح ليتغذى على أسراره جوعُ الكوكب..

شيء كأنه الخلود في عقل المادّة»

لكنْ…

من يكتب الآخر: الإنسان أم الكون؟؟

«إذا كنا كلمات الطيب الساكن في الأعلى

فنحن أصلا كتابة..

كيف لا ترى هذا أيها التائه

ما جدوى أن تكتب الآن؟؟؟»

هنا

أتوقف نهائيا عن الحفر/الشِّعر

أشعل سيجارة الحائر

أفكر داخل مضيق مأزق وجودي:
لو لم أكن شاعرا..

ربما كنتُ صانع ساعات أعمى

 

مشرية، الجزائر: 15/05/2016

*تعبير يستعمله علماء البيولوجيا التطوّرية لوصف عمل الكون.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …