الجمعة، 3 ديسمبر 2021

قرد بصفة وزير.. شعراء حوله يحومون

سعيد خطيبي

كان للخليفة يزيد بن معاوية قرد، يُدعى «أبوقيس»، وكان أقرب المخلوقات إليه، يُفضله على بعض البشر، يطعمه من أجود الطّعام، ويقتني له ملابس من حرير، كان يرافقه في خرجاته، ويُجالسه في اجتماعاته الرّسمية، وفي خلوته.

خليفة المؤمنين، وحاكم إمبرطورية المسلمين، لم يكن يثق في أحد، كان يفشي بأسراره فقط للقرد أبوقيس، يتحدّث إليه، والقرد يستمع إليه من دون أن يتكلّم، كان الأمير يخاطبه، في مسائل تهمّ الرّعية، في قضايا سياسية، والقرد إلى جواره يسمع ولا يفهم شيئاً من كلام الخليفة.

قادة الجيش لم يهضموا تعلّق الحاكم بقرد، خصوصاً أن يزيد بن معاوية(647-683) كان معروفا عليه الشدّة، الحكمة والرّوح القتالية، اشتهر بقامته الطّويلة، وحدّة طباعه، وبغزواته أيضاً، حيث كان يمتدّ حكمه، على طول شبه الجزيرة العربية ومصر، ويصل إلى شمال أفريقيا غرباً، وإلى جبال الأناضول شمالاً، وجبال الهمالايا شرقاً، كان قائداً شرساً، وحقّق في سنوات حكمه(التي دامت 3 سنوات) ما لم يحقّقه أحد من الخلفاء الأمويين من بعده.

توجّب على يزيد بن معاوية أن يقنع حاشيته بأهمية وجود قرد، في القصر، وأن يجد فئة من الشّعب تزكّي خياره، وتبارك علاقته الحميمة مع حيوان، ولم يجد من يسير في خطّه سوى شعراء.. هكذا راح شعراء يلقون أبياتاً في مديح «أبوقيس»، وينالون عن كلّ بيت نصيباً من المال، بايع شعراء قرداً، وصار في مرتبة وزير، ثم تحوّل إلى ما يشبه مستشارا للخليفة، وتقريباً وزيرا للشعر أيضاً، نظراً للاهتمام الكبير الذي وجده في كلمات شعراء..

تطوّرت علاقة أمير المؤمنين بالقرد، وصار يحضره معه في الصّلوات الخمس (كما ذكر شيخ المؤرخين أبو الحسن البلاذري)، ويركبه على ظهر حصانه، في نزهاته، يتفاخر به أمام الرّعية، ويرددّ كلمات شعراء في التّغني بالقرد أبوقيس، رغم أن يزيد بن معاوية نفسه كان شاعراً وخطيباً وفصيحاً، لكنه لم يقل شيئا من شعره في قرده.

ثم جاء يوم ومات القرد، وحزن شعراء على فقدانه، اجتمعوا ورثوه، وهناك من بكى عنه، وتألم لموته، وبعد سنوات، حين توفيّ يزيد بن معاوية، انقلب عليه مقربّوه، والشّعراء الذين كانون ينالون مالاً وحظوة منه، شوّهوا سيرته، ونسبوا إليه أشياء تسيء لسمعته، وهناك من ذهب بعيداً لنزع صفة الإسلام عنه.

الحاكم، والقرد الذي عاش بمرتبة وزير، والشّعراء الذين كانوا يمتدحونه، هم شخصيات من قصّة حقيقية من التّراث العربي، مرّ عليها أكثر من 13 قرناً، لكنها ما تزال تتكرّر، إلى يومنا هذا، وبأشكال مختلفة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …