الأربعاء، 21 أغسطس 2019

ماذا لو كان السّياسيون شخصيات روائية..؟!

 السّياسيون في الجزائر لا يحظون، بإجماع، في الأوساط الشّعبية، يشغلون بعض المناصب السّامية، ثم يرحلون وتمحى أسماؤهم سريعاً، من الذّاكرة. لكن، ربما سنجد من بين هؤلاء المسؤولين من يصلح أن يشكلّ مادة روائية أو شخصية في قصّة، سألت مجلة «نفحة» كتّاباً جزائريين أيّ من المسؤولين السّياسيين يصلح أن يكون شخصية روائية، وهكذا جاءت إجاباتهم.

 

حكيمة صبايحي

حكيمة صبايحي: عمار سعيداني

أرى أن عمار سعيداني شخصية روائية بامتياز.

إنه يفعل في الواقع السياسي الجزائري، وبطريقة سحرية، ما تفعله الشخصية الروائية، التي تحرّك الأحداث بالتّصعيد، كاشفة على التّناقض حدّ الصّراع الذي قد يفجر الحروب بين الأفراد والجماعات والاتجاهات واللغات والمذاهب.

غالبًا ما يلجأ الرّوائي إلى شخصية مرذولة في الواقع، مثل السّكير المدمن على الملاهي الليلة، أو العاهرة التي ترتزق بالتّرفيه الجنسي، ومن خلالهما يعرض أكثر المواضيع خطورة وتعقيدًا في المجتمع.

وغالبا ما تعرّض الروائيون إلى انتقاد حادّ إلى درجة التتفيه أو التخوين أو التكفير، لاستعمالهم هذا النّوع من الشخصيات الوظيفية، لكشف ما يتعذّر الحديث عنه في واقع الناس، وهذا أمر يتعذّر فهمه بالنّسبة للقارئ، يحاسب الروائي على أفعال شخصياته الروائية، وبصعوبة يفهمون أن تلك الشخصيات تؤدي دورًا فنيًا جماليًا لفضح قبح موجود في الواقع، لا يمكن أن تؤديه مثلا شخصية الفقيه في المسجد مثلاً، فطبيعة الموضوع والدّور والوظيفة، تشترط هذا النوع من الشخصيات.

هكذا أتصور شخصية سعيداني، ضابط الإيقاع قديمًا، الذي تمّ استقامه ليضبط إيقاعا مختلفًا هذه المرّة، إيقاع السياسة من منظور السّلطة الحاكمة، فكلما أرادت السلطة الحاكمة في الجزائر، تمرير رسالة إلى جهة ما، تم إخراج هذا «البهلوان السياسي»، ليتحدّث كأنه امبراطور الجزائر المعاصرة، صاحب السلطة المطلقة.

وليد بلكبير

وليد بلكبير: عبد العزيز بوتفليقة

في حالة ما إذا فكر روائي في اختيار سياسي جزائري كي يكون ضمن الشّخوص الرئيسية أو الثانوية في منجزه الأدبي، لا أعتقد أن تواجهه أدنى صعوبة في إيجاد تلك الشخصية. فنظرًا لاستشراء نماذج سياسية مشوّهة بلغت مستويات متقدّمة من الابتذال والمسخ، أصبح يتعسّر على الروائي الاختيار أيّها يوظّف في عمله الأدبي! فهناك وفرة كبيرة في هذا المجال.

قبل أشهر، اختار الروائي الجزائري ياسمينة خضرا شخصية «معمر القذافي» كشخصية محورية في روايته الأخيرة. نلاحظ أن الكثير من الأعمال الروائية الجزائرية الأخيرة تعرّضت لصور سلوكية ونماذج سياسية، لكن بطريقة رمزية مضمرة ومن خلف قناع، وفي حالة تناولهم السياسيين بأسمائهم، فلا يرقى هذا التناول إلى مستوى الشخوص، بقدر ما يكون تناول غير داخل في ذات الرواية وجوهرها، أي تناول عرضي فقط وعابر في سياق الحديث والحوار أو الأحلام والهذيان..

أعتقد أن شخصية بوتفليقة مناسبة جدًا لأن تكون محور عمل روائي؛ يبحث في ذات رجل مارس السياسية في سنّ مبكرة، وفي تجلياتها (أي الشخصية) المختلفة، وفي تتبع مسارها وخط سيرها. عمل فنّي يحاول استنطاق قناعات الرجل وماذا بقي منها، ويكون فرصة للأجيال القادمة لأن تتعرّف على شخصية تاريخية بجوانبها الذّاتية والنفسية وبكل تناقضاتها الصارخة. رواية تعالج كل تلك العقد وتخاطب القارئ على لسان البطل الروائي بأدوات فنية مجازية، بعيدًا عن التقريرية والمباشرة.

حسب اعتقادي، من المهم أن يكون هاجس الروائي الأساسي في منجزاته الأدبية الابتعاد عن استنساخ أعمال وشخصيات غير صادقة، وأن يبتعد عن نرجسيته وهلاوسه، ويقترب أكثر من الهمّ العام من البحث عن الحقيقة.

ديهية لويز

ديهية لويز: حسين آيت أحمد

لست أدري إن كنّا نستطيع الحديث عن «سياسي جزائري»، ففي الجزائر لا نمارس السّياسة، لدينا مشهد غريب لا يشبه السّياسة في شيء، خاصّة في الوقت الرّاهن.

لكن، إن عدت ربما إلى الخلف قليلاً، قد أستلهم شخصية روائية من محمد بوضياف أو من حسين آيت أحمد، خاصة هذا الأخير، أعتقد انه شخصية تستحق أن نتعمق فيها، لمحاولة فهم مواقفه ونضاله من أجل نظام سياسي وسطي. نظام يحفظ لهذا البلد ديموقراطية واستقلالية.

حسين آيت أحمد الرّجل الذي بقي معارضًا حتى في رحلته الأخيرة، حين أصرّ على أن يُدفن في قريته. يستحق رواية تؤرخ مساره، منذ بدء الحراك ضدّ المستعمر، ثم دوره في الثورة، وبعد الاستقلال، ولاحقًا في السّجن ثم المنفى، وكيف كان يتابع ويواصل نضاله من بعيد، وصولا إلى السّنوات الأخيرة من حياته.

أستطيع أن أتصوّره الآن يمثل بطلاً أسطوريًا في رواية قد تكون خالدة، لأنه ببساطة شخصية عظيمة بكل قوته وهفواته الإنسانية، بنبله وتواضعه، بمواقفه وأحلامه الكبيرة في هذا الوطن، أحلام بقيت عالقة إلى أجل غير مسمّى.. لعلني سأفكر جديًا في كتابة هذه الرواية، خاصة وأن البطل موجود ولن أحتاج إلى خلقه مرة أخرى على الورق، فحياته تمثّل رواية !!

محمد رفيق طيبي

محمد رفيق طيبي: عز الدين ميهوبي

من بين الشّخصيات السّياسية التي تصلح للكتابة هو وزير الثّقافة الحالي عزالدين ميهوبي. أتصوّره بطل نصّ طويل تحكمه المثالية والبحث عن السّمو الثقافي والأدبي، بشخصية شاعر حلم كثيرًا وجعل هدفه أن يصل إلى مراتب عليا ليخدم بعض المبادئ التي آمن بها.

وفي الطريق إلى تحقيق الأهداف المرجوة يصطدم بحواجز مختلفة، لكنه يقاومها ويناضل ضد تصحّر الأرضية التي انطلق منها، بحثًا عن تحقيق حلم الشّاعر المثالي، وحين يصل إلى المبتغى يجد أن المثالية التي آمن بها تبخّرت في محيط لا يعترف بها، ويرى أن الفساد ابتلع الممكن من الجدية والعمل الصّارم، فيشرع في معركة ثانية بعد معركة الوصول إلى المنصب، محاولا تحقيق مثاليته التي تحرّك باطنه والتي تهزه.

لكن، العجز حليفه دومًا لأن المحيط جاهز لابتلاع كل صوت مختلف وصلبه، هكذا يعلن انتماءه إلى مثالية المحيط التي تعتبر كلّ مثقف خطرًا بالغًا.

عزالدين ميهوبي يصلح كشخصية روائية تمثّل انتصار الأدب خارج المعتقد الحقيقي له، في عمل يوضح بأنّ الإنسان لن يهزم نفسه أبدًا في معركة المبادئ وسيظلّ غير ممتنع عن توظيف الجمال لخدمة البشاعة كلّما تطلب الأمر ذلك في عالم متخلّف يساوم الإنسان في أفكاره ومعتقداته ولا يرضى بنجاح فرد لا ينتمي إلى جمهورية العاطلين عن التفكير.

محمد علاوة حاجي

محمد علاوة حاجي: حميد قرين

منذ أكثر من 17 عاماً، بدأت حالة من الإفراغ الممنهَج لمؤسَّسات الدولة، وضرب منظوماتها، وتهميش كفاءاتها، وتتفيه ساحتها السياسية، والقضاء على مكتسباتها الديمقراطية – على قلّتها – لصالح ممارسات بدأت شاذّةً ومحتشمة، ثم انتهت قاعدةً.

هذا الوضع أفرز، من بين ما أفرز، طبقةً سياسيةً ضحلةً، تؤثّثها وجوهٌ وأسماء هي أقرب إلى «الكوميك» السّياسي، منها إلى مفهوم «رجل الدولة». ومع استمرار هذا الوضع، انتقل كثيرون، طوعاً أو كراهية، إلى طابور المهرّجين، بمن فيهم الذين كانوا، إلى وقت قريب، يحظون ببعض الاحترام.

هكذا، وبالقدر الذي أصبح فيه من الصّعوبة بمكان العثور على رجل دولة حقيقي في هذا المشهد، لم يعُد صعباً على من يريد كتابة رواية عن هذه المرحلة البحثُ عن شخصيات روائية لتأثيث عمله.

دعونا من المهرّجين الذين تزدحم بهم الساحة: مهرّجو الدرجة الأولى من أصحاب المناصب العليا في الدولة، إلى مهرّجي الدرجة العاشرة. السّاحة مزدحمة أيضاً بشخصيات روائية لن تعثر عليها حتّى في الخيال. يكفي تتبّعٌ بسيط لمسارها السياسي، لنتلمّس التحوّلات الدراماتيكية التي عرفتها، من «النّضال» من أجل الديمقراطية والحقوق إلى الانخراط الكامل وغير المشروط في نظام شمولي لا يؤمن بالديمقراطية ولا بالتعدّدية وحقوق الإنسان (خليدة تومي والطيب لوح نموذجاً(.

إذن، الشّخصيات الروائية كثيرة. وبالطّبع، فإن شخصية حميد قرين، وزير الاتصال الحالي، واحدة منها. هو روائي في الأصل (أو يريد أن يكون روائياً)، ولعلّه يعرف جيّداً طبيعة الشّخوص الروائية.

في إحدى حواراته، قبل أن يُصبح وزيراً، أي حين كان ضيفاً قارّاً على الصّفحات الثّقافية بسبب منصبه في شركة الاتصالات المعروفة، ادّعى قرين أنه رفض منصب وزير في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد لأنه «ضدّ الانخراط في نظام لا يؤمن بالتعدّدية والديمقراطية». لكن، ماذا حدث ليقبل الانخراط في النظام نفسه، وقد أصبح أكثر اهتراءً؟ هل تخلّى قرين عن مبادئه؟ لعلّه لا يملك مبادئ أصلاً، لمجرّد أنه لم يجد حرجاً في أن يكون وزيراً. أمّا ممارساته التي كشفت عنها لاحقاً، فهي، حين تأتي ممّن يُفترض أنه مثقّف، فإنها بمثابة خيانة لروح المثقّف.

حميد قرين

أفضّل أن تبدأ الرواية، بحميد قرين على منصّة التّكريم في منظّمة إعلامية عربية مشتركة، كوزير للاتصال، في الوقت الذي يخوض فيه حرباً لإغلاق صحيفة خاصّة كبيرة. تكريمُ أعداء الصّحافة وحرية التعبير، يعطينا صورةً عن بُؤس الوضع الرّسمي العربي.

بعد ذلك، لا بدّ من تقنية «الفلاش بلاك»، من أجل العودة إلى المرحلة المغربية، ثمّ المرحلة الساويرسية، التي نصّبته رئيس تحرير لكثير من الصّحف الجزائرية، بما فيها تلك التي يحاربها وتحاربه اليوم. ولا بدّ، هنا، من تصوير جلسة أو حوار أو لقاء من لقاءاته، وقد صدّق كذبة أنه روائي عظيم.

الأهم من كلّ هذا، بالتأكيد، هو استشراف المستقبل؛ حين تذهب الوزارة والمناصب كلُّها، ويبقى الشخص/الرّوائي.. كيف سينظُر حينها إلى ما سيصبح بمثابة ماضٍ أثيم؟ وفي أيّة زاوية من زوايا التّاريخ سيوضَع اسمه؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

ناتالي فيناس. ترجمة: جلال الدّين سماعن رغم أنف الرّقابة، طفح على السّاحة جيل جديد من …

من الجزائر إلى ورقلة.. لماذا يُقاطع الجزائريون الثقافة؟!

تنويه أوّل: لا أتكّلم هنا عن الجزائريين الذين تصلهم الدعوات الرسميّة إلى مكاتبهم العريضة العازلة …