السبت، 24 أغسطس 2019

مارشي باب الواد من الفوق!

حبيبة العلوي

كأن تنوي كتابة نصّ قصير… فتتفاجأ بطوله الاضطراري!

 

عندي بزّاف ما جزتش على مارشي باب الواد من الفوق..!

لم أكن أنتبه بأنّ لـ«مارشي باب الواد» كلّ هذه القيمة الأثريّة والعاطفيّة… حتى زارتني «صديقةُ صديقةٍ» في ذات ليل.. لم أكن مستعدّة لتلك الزيارة.. ولكنّي لم أتعوّد على ردّ الضيوف… فإرثي الصّحراوي لا يسمح بذلك..

حملت عنها حقيبتها الأنثويّة الثّقيلة في نهاية يومها العاصمي الشّاق – وربّما الممتع – والحافل بلقاء الأصدقاء وأشباه الأصدقاء… فالمدينة عادة ما تهدينا الأمور المريبة والملتبسة.. وأخذنا تاكسي قبالة الجامعة المركزيّة إلى «باسطا علي» حيث كان من الواجب أو من اللائق، من المستعجل أو من الملّح أن أدخل إلى المارشي، لأوّل مرّة، في ساعة متأخّرة من ليل العاصمة.. لأخطف بعض ما تبقّى ممّا يمكن أن أنقذ به الموقف مع هاته الضيفة الشتويّة الطارئة…

«والله يا حبيبة تدخلي للمارشيّات في الليل… تعرفي أنا.. هذى أوّل مرّة ندخل فيها المارشي… ». قالت ضيفتي.

ثمّة انتبهت لما لمثل هذا الاقتراف المغامر من إثارة، يمكن أن يطرب لها قلب جزائريّة قادمة من مدينة لا ترتاد فيها النساء النبيلات أسواق الخضار والفواكه…

هي… لم تكن تعرف أنّها كانت أوّل مرّة أيضا أدخل فيها مارشي باب الواد في هذه السّاعة المريبة – على الأقل بالنسبة لي – الساعة التي  تكنس فيها الشوارع المحيطة بالمارشي من باعتها غير الشرعيين – الشرعيين جدّا – .. لكي لا تتبقّى إلاّ «كراتين» السلع المستوردة من كلّ نقاط الكرة الأرضيّة…

غير أنّ «فوزي» عادة ما ينقذ الموقف..

فوزي صاحب «القصّابة» المقابلة للبوّابة الغربيّة للمارشي… والذي يحمل نفس اسم أخي الأوسط والذي هو على الأغلب صديق لأخي الأصغر.. فعادة ما يحتفي بي فوزي بشكل يشي بأنه يفي بوصيّة مغلّظة…

فوزي كان مازال هنا وكأنّه ينتظرني فقط لينقذ الموقف وهو يغسّل عن محلّه نجاسات النهار…

وعدا فوزي… لا أذكر بمَ فزت أيضا…

ربّما هي… مازالت تذكر…

وحده امتزاج الليل وطقس الحذر وصور ظلال الفواكه المنارة بمصابيح خافتة بقي عالقًا في الذاكرة الحميمة..

مارشي باب الواد لأوّل مرّة..

مارشي باب الواد غداة وفاة والدي..

في تلك الصبيحة التي شرعوا فيها بمحاولة إقناعي بأنّ أبي قد قضى فعلا!

اصطحبني أخي الأكبر للمارشي حتّى أعاونه على أثقال مأدبة العزاء… كان علينا أن «نقضي»، أي نتسوّق، هكذا نسمّيها عادة في الجزائر ولا أعرف تماما لم… وهناك «في المارشي انتاع باب الواد من الفوق» قال لي جملة قاسية نوعًا ما بقت ترنّ في أذني – وصدري – إلى اليوم… لا أعرف لم قالها.. ولم في هذا التوقيت بالذات… وكأنه كان يتنبأ أو ينبئ بما سيأتي:

«من اليوم لازم تتعّلمي تقضي من المارشي».

كانت الجملة قاسية جدّا وقتها.. على فتاة ما زالت لم تصدّق أنّ أباها قد قضى.

ولا أعرف إلى أيّ حدّ كانت ضروريّة..

غير أنّي من يومها فعلا.. تعلّمت – على الأقل – كيف أحمل قُفَفًا ثقيلة.

مارشي باب الواد… من فوق..

مارشي باب الواد… من تحت..!

عليك أن تعرف أنّ لمارشي باب الواد طابقين.. إن كنت تنتوي فعلا أن تنتفع بخيراته… ثمّ عليك أن تعرف بعدها  جيدا أن لمارشي باب الواد.. وتماما كأي حرم.. توسعات سنويّة مديدة ومتجّددة… رسميّة وغير رسميّة.. فهو مزروع بقلب هذا الحيّ المثير للجدل بشكل يصبّ إليه كل حجيجه على اختلاف نيّاتهم..

فسيكون هناك دوما من يقصد باب الواد.. ممّن يحبّها.. و.. ممّن يكرهها.. ممن يغبطها.. و.. ممّن يحقد عليها.. ممّن يأْمَنها.. و.. ممّن يرهبها.. ممن.. يقدّرها.. و..  ممّن يحتقرها…

كلّ هؤلاء وغيرهم يمرّون على باب الواد لغرض ما من أغراضهم الخسيسة أو النّبيلة..

ثمّة من يمرّ على مارشي باب الواد فقط ليغنم نوعيّة ممتازة من الحوت – هكذا نسمّي السّمك في الجزائر وكأنّنا لانعترف إلآّ بالأقوى – الذي يفترش صباحًا الضاحية الشرقيّة للمارشي حيث تلتقط من بعيد روائح البحر…

هؤلاء الأرستقراطيون الذين لا يتردّدون عن النزول باكرا جدّا إلى باب الواد لاقتناص أنواع أصيلة من الحوت المتوسّطي الطازج.. لن يترّددوا بالمثل في عشيّاتهم المضجرة.. أن يتغامزوا على أولادها بنعتهم بصعاليك وإرهابي المدينة… غير أنّهم لن يتوبوا أبدًا عن عاداتهم الصباحيّة المريبة تلك التي تسوقهم إلى مارشي باب الواد ليزاحموا صعاليكه في أسعاره البخسة والشعبيّة..

..

وإن كنت فعلا تريد أن تتزاحم وأولاد باب الواد وتتحمّل أمزجتهم المحمومة والمسعورة والحقيقيّة.. فعليك أن تتعرّف على مارشي باب الواد من التحت.. فثمّة فرق دوما بين مارشي باب الواد من الفوق ومارشي باب الواد من  التحت!

مثلما هناك فرق بين الطماطم البيولوجيّة والطماطم المعدّلة وراثيّا وبين زيتون «كارفور» المعلّب والزيتون الجزائري الأسود اللامع الذي تخلد بنّته في البصلة السيسائيّة…!

… والذي لن تعثر عليه إلاّ عند موح «الأخينا»… الذي لن تسمعه يتحدّث بقلب المارشي إلا عن صفقات شراء اللاعبين بالمولوديّة وآخر أخبار الرحلة و«السوسيال»( السّكنات الاجتماعيّة التي تخصّص لمحدودي الدخل)… و«الريّال»…

مارشي باب الواد.. في المرّة ما قبل الأولى..

مارشي باب الواد… وسروال والدي ..

كابينة «المبحّرين»…!!

لا أذكر من كلّ مارشي باب الواد في حياة والدي… إلاّ الكابينة التي تقع على رأس تجاره وزبائنه تلك التي تتوسط الطابق العلوي.. والتي صارت تحتلّها اليوم عوائل من الرتيلا – وهكذا نسمّي العنكبوت في الجزائر أيضا، وكأنّنا نحبّ دوما تغليب الجنس على النوع – الجزائريّة العريقة والغليظة… تلك الكابينة التي أنقذتني من ذات «تبحيرة»..

كنت أيّامها في الثالثة من عمري، ربّما لا أرى من عتمة غواشي المارشي إلاّ سروال والدي الفولور البنّي والذي كان يتنقّل بصعوبة من نقطة إستراتيجية إلى نقطة أخرى من التوسعة الشماليّة للمارشي… حيث السلطات والفواكه… والمعدنوس والديول والحشيش مقطّفة… لا أعرف على ما كان يبحث بالضبط… ما أذكره فقط أنّي كنت أمسك بالسروال بشدّة وبقوّة… السروال الذي لم أكن أدرك منه إلاّ مستوى الركبة..

ولا أعرف كيف ولا متى رفعت رأسي لأكتشف أنّي أمسكه دوما بشّدّة وبقوّة وبإصرار أكبر.. ذلك السروال الفولور البنّي.. الذي لم يعد لوالدي.. وإنما لرجل باب الوادي آخر…!

لا أعرف بعدها كم من سطل دموع ذرفت… وكم من حبل صوتي حرقت… حتّى أوصلني ذلك الرجل الجانتل – أقول هذا بأثر رجعي طبعا – إلى تلك الكابينة العلويّة التي لا أدرك كيف نجحت في إملاء اسم والدي على مسئولها ليطلبه عبر المكروفون، الذي أذكر جيّدا كيف أنستني فتنته خلعة التبحيرة… ليعود والدي بعد دقائق ويستردني.. بعد حفلة بكاء وضوضاء وهلع كنت بطلتها..

ومن يوم تبحيرة سروال الفولور هذا… لا أذكر أنّي عدت لمارشي باب الواد مع والدي… ولا أذكر أنّي عدت لعادة إمساك سراويل الرجال من  تحت حدود الركبة… !

وعدا كابينة التبحيرة هذه لن تجد في مارشي باب الواد من فوق… غير الخضار المرصوصة بشكل هرمي وفني والمستديرة بشكل مستوي.. والغالية بشكل غير طبيعي ولاشعبي..

ومع ذلك..كلّه.. ستجد عمّي الحسين…

عمّي الحسين صاحب الشاشيّة الصوفية الزرقاء المرشوشة بالبياض… والذي لا يمرّ عليّ شعبان من كلّ سنة دون أن أمرّ عليه لأتزوّد بمئونة «الفريك الممتاز» لزوم شربة رمضان، الذي يبدو أنّ عمّي الحسين كان يختاره حبّة حبّة… في الوقت الذي صار فيه جيرانه يتنافسون على دغله بالصبغة الخضراء…

مارشي باب الواد من التحت..!

مارشي باب الواد من التحت عالم آخر…

عرفت في هذه الصبحة فقط بأنّه لم يكن في الأصل مارشي، بل مستودعا للمارشي الأصلي اللي من الفوق… أجبرته ظروف السّوق الجزائرية «السوداء» إلى أن يصير شيئًا فشيئًا سوقا رئيسيّا لهذا الحيّ… له خضرواته الأصيلة وتجاره الأصيلون.. وزبائنه الأصيلون.. وما قد تجده من تحت لا يمكن بأيّ حال أن تتعثّر به من فوق … كالطماطم الصغيرة المضروبة… والتي تصلح لصلصة البيتزا المنزليّة المربّعة التي لا يذكرها إلاّ جيل ما قبل البيتزيريّات… هؤلاء سيعرفونها مباشرة إن غمزت لهم بأنّها «البيتزا تاع ألف فرانك».. وكالبطاطا الصغيرة والمثقوبة من أكثر من زاوية والتي لا تستقيم حساءات وسلطات البطاطا بالمعدنوس إلاّ بها…

أمّا أهم من قد تعثر عليه في هذا المارشي فهو بوعلام مصلّح المواعين المعطوبة… يستقبلك في البوّابة الشرقيّة… غارقا في كومة من الصينيّات والقدرات والطواجين… ولن تعرف قيمة بوعلام هذا حتما إلا في أوانات الأزمة… التي تشبه الأعراس والمآتم وسنوات التقشّف التي لا تتيح لك هوامش كافية لممارسة المقولة الشعبيّة المعشوقة في الجزائر «الزوخ والفوخ …والعشا قرنينة!»( تضرب للإشارة لسلوك الافتخار والبهرجة.. مع ضيق الحال. والقرنينة، عشبة بريّة تطبخ بها أكلة أمازيغيّة معروفة، وقد تحتويها صلصلة الكسكسي).

عمارة هدّمت حديثاً، قبالة المارشي

عندي بزّاف ما جزتش على مارشي باب الواد من الفوق..!

لأنّي في العادة لا أقضي إلاّ من توسعات المارشي الشرقيّة والشماليّة والغربيّة… لأنفذ سريعًا من ورطة الارتطام بالغاشي المدمن على السياحة في هذا المارشي الذي يمكن فعلا أن يعوّضك عن ارتياد قاعات السينما الجزائريّة الفارغة… فلكلّ يوم جديد في مارشي باب الواد أفلامه الجديدة.. الكوميدية.. الدراميّة.. الملتزمة.. كيما يحبّ الخاطر.. ولا تنس أوقات الذروة؛ فالفرجة في رمضان لا تعوّض.. وهو الموسم الذي لا يحسن أن تضيّعه عليك في باب الواد…

أمّا من هم مثلي ممّن تعوّدوا على المرور على هذا الحرم يوميّا لغرض براغماتي ما.. أو طارئ إلى حدّ ما… فعادة ما يتجنبون أفلامه.. لدرجة أن يحصل لهم أن يصيروا في ضربة سوء حظّ أبطالا لفيلم من أفلامه..

كأن.. تمرّ عليك شهور وأعوام وأنت لا تنتبه لقيمة هذا المكان المرجعي في دواخلك حتّى تصدم في ذات صبحة بالعمارة المقابلة له منهارة دون إذن أصحابها.. والمعتادين و«المكبّدين» مثلي على انتصابها  المكابر.. لتحاط في اليوم الموالي أطلالها بهياكل حديديّة مكتوب عليها تلك العبارة المريبة التي تعوّد جزائريو ما بعد المصالحة الوطنيّة عليها: «ملكيّة خاصّة»..!

وكأن تتذكّر في فورة حنين طارئ ومباغت وملّح.. أنّك «عندك بزّاف ما جزتش على مارشي باب الواد من الفوق..! »(مرّت عليك فترة طويلة جدّا لم تمرّ فيها على سوق باب الواد من فوق).

فتصعد تلك السلالم الشرقيّة الحميميّة والمرتبكة ببائعي الديول والرشتة والحميصة المشمّخة… متجاوزا ضجرك اليومي واختناقك الروتيني ومخاوفك إيّاها وتأفّفك المعتاد من الغاشي و«الدحيس»( كثرة التصادم)… والمسبّات… ودعاوي الشرّ تاع العجائز… فقط لتعوذ ذلك المارشي الذي يحتضنك بأكثر من عبق.. فتتحجّج للعودة إليه بأي حجّة رصينة أو سخيفة – تمامًا كما يتحيّل العشّاق أعذارا للوصل – كحجّة أن تستعدّ لمائدة رمضان شهورا قبلها، فتتقدّم نحو حانوت عمّي الحسين البسيط والمحافظ المؤثث برفوف خشبيّة غير متوازية، تلك التي تتحمّل بسخاء علب الطوماطيش المرقّدة وإزيس(علامة مسحوق منظف، كانت جزائريّة) وأكياس المقرونة والعدس المسعّرة بوضوح.. ولتقابلك واجهة عامرة بأكياس رأس الحانوت والبركوكس والفلفل لكحل والفلفل عكري… المرتّبة بالطريقة إيّاها.. التي لن يعرفها حتما مرتادو المراكز التجاريّة..

تفتّش عينيك بدهشة.. فلا تعثر على شاشيّته الصوفيّة الزرقاء المرشوشة بالبياض… فتعتقد أنّ شهور الشتاء قد ولّت.. تسأل عليه وعليها ولا تسأل عن الفريك الممتاز.. مع أنّك جئت لتقتني الفريك الممتاز… فيقال لك أنّ عمّي الحسين.. الذي لم يكن اسمه في الواقع عمّي الحسين.. قد قضى وأنّ أولاده قد باعوا القضيّة…

وكأن.. تغرق عينيك بدمع لا معنى له لدى الرجل المقابل الذي يقف محلّ عمّي الحسين.. والذي مازال صوته البليد.. البعيد.. يترّدد في صدغيك وهو ينصحك باقتناء الفريك الممتاز من المحلّ المجاور..

وكأن.. تتذكّر.. وأنت تسحب رجليك المثقلتين بالهمّ.. والحنين.. نحو البوابة الغربيّة.. أنّه كان عليك أن تقصّ كلّ هذه القصص الساذجة الصغيرة.. لذات صديقة لا تعرف ما معنى أن تقضي ذات امرأة.. بذات مارشي.. بذات ليل…

 

تمّت زعمة في …

باب الواد، 16 أفريل 2016.

الستّة بييييييل.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …