الجمعة، 15 ديسمبر 2017

جيلالي خلاص: خريف رجل المدينة (2)

 

جيلالي خلاص

فيما يلي، الجزء الثّاني، و الأخير، من قصّة «خريف رجل المدينة»، التي كتبها جيلالي خلاص (1952)، في نهاية السّبعينيات، وننشر نصّ جيلالي خلاص، ضمن مشروع استعادة النصوص الأولى، لكبار الكتّاب الجزائريين في الوقت الحالي.

«الرجال الذين عثروا عليه:

  • يالها من سيارة! لكن للأسف.. ملايين ذهبت في رمشة عين!..
  • أسرع ساعدنا.. الرجل يكاد يموت.. وأنت تنظر إلى السيارة (وقد سحب ثلاثتهم الرجل من بين الحظام): يا إلهي! إنه مصاب في رأسه. كسور في الجمجمة بلا شك.. هيا لتسرع.. لتسرع به إلى المستشفى..
  • اللهم رحمتك.. رجله اليمنى مكسورة كذلك (يضع يده ويتحسس نبض الجريح).. جراح خطيرة لكنه لا يزال حيا.. لنسرع.. لنسرع.
  • والسيارة؟ وأمتعته؟
  • أحياة الرجل تهمنا أم الأمتعة؟
  • نسيت الاجراءات (يسرع أحدهم إلى السيارة يفتشها.. يأخذ مفاتيحها وحافظة النقود ومحفظة وثائق..).
  • هيا..

يتعاونون.. إلى داخل سيارتهم يرفعونه وينطلقون.. الطريق خال إلا من سياراتهم!!

دعوة غداء:

في نفاد صبر.. في توجس.. في قلق.. ينظرون إلى ساعاتهم.. نفس الرقم.. تقف عليه جميع العقارب.. في وجوه بعضهم يحدجون.. ذات التوتر يسود كافة الملامح نفس الخيبة ترتسم على كل القسمات.. الواحدة بعد منتصف النهار ولم يأت! عيسى أكثرهم نفاد صبر.. يقف.. يسبر خطوات العيون تتبعه نظراتها الحيارى.

الصمت سيد الموقف.. إليهم يستدير..

  • ربما لن يحضر؟
  • لا.. لا.. أحمد لا يتلاعب بالمواعيد.. سيأتي من غير شك.. لننتظر قليلا.. لكنها الواحدة؟
  • صحيح.. ربما اضطره شيء إلى.. أو اعترضه شغل..؟
  • لننتقل لبيته فهو في عطلة ولا يمكن الاتصال به في مكتبه..
  • فكرة صائبة..

ينتصب عبد القادر ويسبق عيسى إلى قاعة الاستقبالات حيث يوجد الهاتف.. يركّب الرقم الذي يحفظه.. ينتظر.. لحظات طويلة.. يسمع جرس الجهاز يدق في الجهة المقابلة.. لكن لا مجيب.. لا يد تسرع فتحمل السماعة وتنقذه من هذا الجحيم الذي يلتهمه.. يصمم على الانتظار دقائق أخرى.. طويلة.. مرهقة.. تمزق الأعصاب.. أخيرا يعود.. وفي يأس يخاطب العيون المحدقة فيه.. الآذان الصاغية إليه.

  • لا شيء.. الهاتف يدق ولا أحد يرد.. يبدو أن البيت شاغرا..
  • ترى، أصحب زوجته؟

سليمة، الفتاة التي أحضرها سليمان لأحمد الطوبالي تحدج عيسى المتحدث بنظرة شزراء..

سليمان يتولى الإجابة بسرعة:

  • مستحيل.. لقد أعلمته بحضور سليمة!.. إذن..
  • إذن.. ربما..
  • ماذا تقصد؟..
  • أقصد.. لا.. لا.. لا شيء.. (عبد القادر لا يصدق أن صفقة العمر التي طالما انتظرها يعترض تحقيقها حادث ما..)
  • يا جماعة، الساعة تشارف الثامنة زولا!
  • لننتظر قليلا..
  • كلا يا عبد القادر.. انتظرنا ما فيه الكفاية الرجل لن يأتي.. لنؤجل هذه الدعوة إلى يوم آخر..
  • تؤجل.. آواه.. «عيسى يدق الأرض بحذائه ذي الكعب العالي..».
  • لنتلفن مرة أخيرة.. «يهرع سليمان هذه المرة إلى الجهاز.. يعود بعد دقائق طويلة مرهقة.. »
  • لا شيء.. نفس العملية تتكرر لا مجيب!
  • ليؤجل الغداء..
  • ومع ذلك، فأنا آسف!..

ويعود الصمت.. في باطن عيسى يرغى زبد موج هادر «ضاعت الفرصة! وآسفاه.. كم انتظرت هذه الساعة للوصول إليها، قدمت كل غال.. المال.. الهدايا.. وحتى.. الزوجة.. أجل حتى زوجتي علمت بوقوعها في غرام هذا الرجل لكني تغاضيت.. الصفقة أغلى من مجرد نزوة زوجة!.. عشرات الملايين في ورشة بناء 200 مسكن متواضع.. صفقة العمر.. لن أعثر على مثلها أبدا.. اليوم الذي يمر خير من ذلك الذي يأتي.. الفرص لا تكرر.. ترى؟ لا.. لا.. أصدق..».

  • آسفون.. حقا..

عبد القادر يعقب.. الخيبة تمتص قواه.. هو الآخر ضحى بزوجته عائدة.. هي أجمل من زوجة عيسى.. من أجل الزوجات بلا ريب.. كثيرا ما تعرض لحسد، «لكن كل شيء يهون أمام المال.. بدونه كنت لن أحصل على شيء.. تخيل صفقة مد أنابيب المياه والمجاري عبر مدينة كتلك التي يحكمها أحمد الطوبالي.. ؟ ملايين.. ملايين.. مستحيل تحصيلها من مكان آخر.. في فرصة أخرى.. ضعف الرجل الوحيد: النساء.. علمت أنه يفضل زوجات معارفه وأصدقائه.. ثم فكرت: من يثبت لي بأن زوجتي لا تخونني مع نذل آخر؟ هي فاتنة وطالبوها ليسوا قلائل.. شيء صعب فعلا، أن تتزوج امرأة جميلة وتراقبها!.. قد تخونك مع أبسط الناس.. بواب الفيلا.. سائق السيارة الخاص.. مع أي شخص يتفرد بها ولو ساعة.. حياة اليوم غريبة حقا.. يوم خرجت المرأة إلى الشارع أبيح كل شيء.. علينا بالبحث عن مصطلحات أخرى تعوض: حرمة.. الشرف.. الأمانة.. الحصانة الزوجية!!».

حتى سليمة فجعت.. خاب أملها.. أغراها سليمان بالكثير.. صحيح أنها نالت من الرجل شيئا.. لكنها تعود اليوم خائبة وقبل ساعة كانت تحترق شوقا إلى ذلك الذي شعرت بين أحضانه بالرجولة الحقيقية تلامسها. هل تراه بعد اليوم؟ لم يحرمها من شيء رغم قصر المدة التي مرت بها على تعارفهما.. لكن..

سليمان أول من يخرج.. في قلبه تنفجر قنبلة موقوتة.. لم يضيع شيئا لكنه خائب لأنه لم يربح شيئا!.. على هذا الغداء، علق الكثير من الآمال.. وبقيت مجرد آمال.. بل هي تخبو الآن كجمرات لم يعد يفتح الباب ويلتفت ليدعو سليمة للركوب. سرعان ما تجري. في داخل السيارة ترتمي مجهشة بالبكاء.. لم يعلق.. هو الآخر يركب ويصفق الباب.. يدفع السيارة بعنف عبر الاسفلت الرطب برذاذ الخريف.. انتهى النهار..

في انتظار النهار:

أي شيء آخر؟ قال أنه سيحضر في تمام الرابعة مساء.. لم يتعود التلاعب بمصلحته الشخصية فما باله اليوم؟ السادسة مساء تدق ولا رئيس في الأفق.. نهار كامل في الانتظار للحصول على الشحنة وساعات أخرى من السأم في انتظار الرئيس.. قال أن له تعليمات هامة يدلي بها إلى.. أي تعليمات؟ ينوي السفر إلى الخارج خلال عطلته؟

عشر سنوات خلت وأنا في خدمته.. حفظت تعليمات المهنة عن ظهر قلب.. فماذا عساه يضيف إلى تجربتي.. أنا أحق منه بتلك الثروة.. بواسطتي كوّن معظمها.. الاسمنت.. الاسمنت الذي غدى ذهبا نادرا على مدى السنوات الأخيرة وفي جميع أنحاء القطر، يحصل عليه هو مجانا ويبيعه حسب هواه!..

السابعة مساء.. كفاني انتظارا.. لم يحضر.. علي بالتوجه إلى المخزن كالعادة.. لأول مرة، أخالف الأوامر لكن مرة واحدة لا تغير مجرى الأحداث!..

في غرفة نوم ما بالمدينة:

فيكي لوندروس تغني:

الحياة تمضي..

الزمن يغير لونه..

ليتغير كل شيء وليس لون الزمن فقط! أما أنا فلن أغير الأسطوانة.. فيها هذا المقطع الذي يأخذني بعيدا بعيدا.. ما له الليلة تأخر؟! ينقض وعده؟ الليلة ذات صبغة خاصة، ما أشد شوقي إلى جسده الرياضي.. يكفيني أن يتمدد جنبي ويشاركني أحلامي لا أستطيع النوم من غير هدهداته.. لمساته.. قبلاته.. ضماته.. الإنسان الوحيد الذي ملأ فراغ حياتي.. في أحضانه وجدت الملجأ الآمن الذي ينقذني.. يحميني من رجال أمي الوقحين.. كفاني اصطناعا للبسمات.. التكلفات.. كفاني.. ترى ماذا يكون رأي أمي التي أودعت نفسها في صندوق الغرام السرمدي، لو دخلت غرفتي الآن وألفتني منبطحة هكذا على السرير؟ في المرآة، يطالعني وجهي: جفوني منفخة.. عيناي محمرتان.. خداي شاحبان.. لا نعاس.. لا حبيب.. الساعة تدنو من الثانية صباحا، أين هو؟ أ حدث له شيء.. يقولون أنه يخرب ويسرق مال المدينة ليبني فيلاه ويمول مشاريعه الضخمة.. حساد.. منافقون.. لو استطاعوا لقلبوا الدنيا وأكلوا أموال كل اليتامى والأرامل والمنكوبين.. تبا لهم من كذابين!..

متى تصل يا حبيبي؟ متى؟ لكأن الزمن يتغير فعلا.. أي حدس أشار إلي باختيار هذه المجموعة من أسطوانات فيكي لوندروس. ما هي تغني الآن:

بعدك..

لن أصير إلا ظلا،

ظل نفسك..

بعدك؟

لن يبقى لي أمل..

بعدك..

كانت أسطوانته المفضلة، إلا أن قلبي يحدس شيئا.. يتوجس شرا.. لا.. لا.. لن يحدث شيء..

خبر ذرته الريح في كل ركن بالمدينة:

وقع لأحمد حادث سيارة.. أصيب برضوض من الدرجة الثانية في الجمجمة، لا يزال في غيبوبة بمستشفى مصطفى منذ صبيحة الأمس..

فجيعة رجل:

أين أذهب بعده؟ آمالي.. خبزي.. حياتي.. أحمد.. أحمد الطوبالي يموت؟ مستحيل نتوقف في لحظة.. كلا! لا أصدق.. لا يمكن أن أصدق.. الرجل الذي أغدق علي المال والجاه رغم تفاهتي وبلادتي يموت..؟.. ماذا بقي لي في الحياة؟ ماذا؟ ﻣ.. آه..

تجمهر المارة حول رجل يسقط بكامل طوله وسط الرصيف.. احتاروا.. وضع أحدهم مفتاحا بيد الساقط.. تطوع آخر بسيارته.. حملوه إلى المستشفى على عجل.. مفجوعة جاءت زوجته تجري.. أمام باب قسم الاستعجالات.. استقبلها ممرض..

  • أنت زوجة علال، حارس فيلا أحمد الطوبالي..؟
  • آه.. أي (تضرب ركبتيها).
  • لا خوف عليه.. أصيب باضطراب عصبي وأغمي عليه لا غير!

عبر أحياء ومقاهي المدينة…

شيخ: رحمتك يا رب.. إنا لله وإنا إليه راجعون!.. إيه.. ما أقصرك أيتها الفانية ومع ذلك يغتر كثير من الناس!.. إنا لله وإنا إليه راجعون…

امرأة: (تمنت أن يضاجعها ولم تفز به): شح.. شح.. حتى هو كان طاير..

كهل: لا حول و لا قوة إلا بالله!.. رغم حقدي وغضبي، لم أكن أتمنى له الموت بهذه السرعة!.. صحيح أنه رفض توظيفي وأخرجني من مكتبه بالشتم ولكن.. سبحان الله!..

أم علية: ويحك يا علية.. ويحك وويح أمك! أهذا هو حظنا في الحياة؟

شاب: إني آسف لكون الموت شيئا رهيبا ومع ذلك فهو ضروري.. بكل صراحة ربما سيموت جرذ كلف المدينة الشيء الكثير مجهول: لم يمت.. ليته يمت!.. ليته!

من غير موته لن يفتح الطريق إلى ترقيتي مديرا بالمؤسسة!..

صديقان عاديان: هو يزاحم الأيام كالسجين: هي الحياة.. وما بعد الكربة إلا الفرج!

يأخذ تذكرة دخول إلى العالم الآخر و النّاس يتحدّثون.. أشياء كثيرة.. كلام لا يحصى أسمعه وليس في مقدوري رفع إصبعي.. لم تمر على الحادث إلا 24 ساعة لكن ألسنة النّاس لا ترحم ليتهم تركو.. يموت ثم قالوا ما يشاؤون! اليوم عرفت إلى أي مدى يمكن أن يصل حقد النّاس.. هو على شفا الموت وهم يطالبون بموته.. لو وجدوا لأحرقوه..!

آخر خبر:

«زاره الأهل. الأمل في حياته ضئيل!»

 مرعبة نظراتهم الجوعى!..

في غرفة الانتظار وقفوا ينتظرون وهما.. علية العشيقة، عبد القادر، سليمان، سليمة، عيسى.. محمود السائق الشخصي.. علال، حارس الفيلا الذي اكترى سيارة أجرة فور استيقاظه من الإغماءة!.. متملقون آخرون، أصدقاء عاديون.. زملاء عمل..وقفوا ولا أنيس لهم غير الصمت المريع..

غرفة العمليات.. سالم هو الوحيد الذي صاحب الأسرة.. كان أعز أصدقائه على ما يبدو.. يقال أنه الدماغ الحقيقي للرجل!..وقفوا واجفين ينتظرونه عائدا.. وعاد.. عاد وحده ومن خلفه مزق سكون الدهاليز عويل نساء. عاد.. رأوه.. هرعوا إليه.. حاصروه لكأنهم يخافون إفلاته..- سالم.. سالم..

الحصار يستد.. للحطة يفكر في أن يبصق في وجوههم جميعا وينصرف لحاله، يفكر في شتم أخيارهم.. لكن.. هو الآخر مثلهم فقد مزايا لن يعثر عليها أبدا.. يتململ.. الحصار يشتد!

مرعبة نظراتهم الجوعى.. في يأس يرفع يديه.. ينزلهما ببطء.. يحجب وجهه، يجهش بالبكاء. وبين شقهتين يخرج صوته المخنوق: مات!!»

انتهى.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

زيتون بوهليلات، وأخيرًا أفرجوا عن الفيلم !

وأخيرًا، يبدو وكأنّ التلفزيون الجزائري، بدأ يتفطن إلى الكنوز التي يزخر بها أرشيف السينما الجزائرية، …

حصري.. صور نادرة لنجوم الرّاي

بعيد صدور أغنية «ما عندي زهر»(1983) لفضيلة وصحراوي من الجزائر، أدرجت إحدى فرق الديسكو في …