الأحد، 16 يونيو 2019

أمل بوشارب.. من قتل إلياس ماضي؟

محمد حسن مرين

رواية «سَكرات نجمة» لأمل بوشارب، تأخذ قارئها في رحلة سردية، ببنيّة يتقاطع فيها الشّكل البوليسي مع المضمون الثّقافي، بمنظور دلالي ينسج علاماته ويفتحها على القراءة.

هي رواية العلامات والأيقونات المرتبطة بمجموعة من الرموز الرّسمية والاجتماعية المحيطة بنا، بما يُحيطها من غموض ودلالات تاريخية وثقافيّة، غالبا في تقاطع لمجموعة من الحضارات والثقافات، حيث تنبني الرواية(صدرت عن منشورات الشّهاب، 2015) على حادثة مقتل الرسام إلياس (إلياس ماضي، أستاذ أساليب وتقنيات الرسم المعاصر في أكاديمية ألبيرتينا بتورينو)، وهو من أب جزائري وأمّ إيطاليّة.

يمتلك النصّ الروائي إثارة الحبكة من بدايته، في غموض شخصية القاتل إلى حدّ اعتبار أنّها (انتحار الفنان إلياس ماضي في منزل جدّه في العاصمة طعنا بالسكين، هكذا عنونت الجرائد خبر مقتل إلياس بعد أن عجزت الشرطة عن إيجاد أي دليل). حيث تأتي الصّدمة الروائية في الصفحات الأخيرة، لأن الجريمة في الرواية لم تكن سوى محور سردي داخل ذلك الفضاء الفسيح من التضايف الأدبي والتاريخي والثقافي، فكأنها جريمة رمزية في ذلك العالم الرمزي. «كان كل شيء في ذلك المكان يُنبئ أنّ الأمر لا يتعلق على الإطلاق بجريمة عاديّة، وشعر إبراهيم الآن وهو يتأمّل وجه القتيل وكأنه يقف أمام جريمة من نوع آخر».

هكذا تنطلق الرواية من محاولات المحقّق كشف سرّ الجريمة عبر شخصية القتيل غير العادية، الفنان القادم من إيطاليا، صاحب اللوحات الغامضة التي كانت جزء من الحادث «وهو يجول ببصره إلى اللوحة المطعونة وقد غدا مقتنعا أنّ كشف سرّها قد يكون المفتاح لكشف لغز الموت».

من خلال غموض رحلة البحث التي يقوم بها إلى الجزائر، للبحث عن طيف امرأة يتصوّر وجودها في مكان ما، ومن خلال مسار سردي مُواز، تنفتح الرواية على نسج مزيد من الغموض والسّحر والألغاز السردية في رحلة تتبع دلالات مجموعة من الأيقونات والرموز المنتشرة حولنا، سواء في الثقافة الشّعبية أو في الرموز الرسمية، «فالرموز يُمكن أن تُشير إلى مفاهيم ملموسة أو مجرّدة، أحداث حقيقية أو متخيّلة…» في مجالات متنوّعة من حياتنا حيث تُهيمن الرّموز المتوارثة.

وتوسّعت الروائية أمل بوشارب(1984-) إلى دلالات ذلك في ثقافات متداخلة، وتعمّقت إلى جذورها التاريخية بما جعل الرواية تزخر بالمادة المعرفيّة، التي لا تقلّ أهمية في إثارة توزيع الغموض على مجموعة من الشخصيات المحيطة ﺑ«إلياس القتيل»، ليظلّ القارئ معلّقا في الأسئلة حول القاتل، مثله مثل المحقق «وقد تجمّعت أمامه معطيات كثيرة، منذ بدء التّحقيق تُشير بأصابع الاتهام للجميع لكنّها لا تُدين إلى الآن أحدا…».

غلاف الرواية

كما تظلّ صور الشخصيات مرتبطة بالمناخ العام للرواية وهو حضور الأيقونات والرموز، وبأسلوب سردي متناوب بين مسار التحقيق ومسار استرجاع سردي لرحلة إلياس إلى الجزائر والشّخصيات المحيطة به، رسمت الرواية ثلاث مجالات لنسج عالم رمزي يكتنفه الغموض والجذور الدلالية من خلال:

  • الشّخصيات الإيطالية، مثل شخصية كاترينا المتغطرسة «وهي تتذكّر أنّها أصبحت غصبا عنها خالة العربي… لم تكن تستوعب وبعد مرور أكثر من ثلاثين سنة من زواج أختها مارتينا بالمدعو الطاهر وتبنّيها لولده إلياس». وكانت تتمنى اختفاءه من حياتها، وصديق إلياس الإيطالي إيرمانو بيرغنزي الذي يُحاول متابعة أثر صديقه وقصّة المرأة التي يبحث عنها، التي تُلهمه رسم تلك اللوحات الغامضة والرمزية، ولكن يغرق في متاهات رموز رسمية وعمرانية للجزائر وإيطاليا في تداخل بين الحضارات والديانات والحركات السرية مثل الماسونية، بداية من رموز العلم الوطني «علّه يجد شيئا عن تاريخ الرايات الجزائرية، وربما توضيحات عن رمزية النجمة في العلم». أو جواز السّفر «قلّب إلياس صفحات جواز سفره بحذر وكأنّه يُحاول العثور من داخله على حلّ أحجية الختم الذهبي للجمهورية والذي بدا ملغّزا على نحو مربك». وبهذه الطريقة في إثارة الأسئلة حول الرموز تنطلق رحلة البحث عن الدلالات دون أجوبة حاسمة، ولكن من خلال مجموعة من الإحالات الثقافية والتاريخية المفتوحة على قراءات مختلفة.
  • الشخصيات الاجتماعية، من خلال تاجر الأواني النحاسية المنقوشة، وصديقه بن عبد الله للغوص في تلك النقوش والزخارف والأيقونات والتمائم المتوارثة والأغاني الشعبية، في محاولة لكشف روافد وجذور الثقافة الشعبية الجزائرية، خصوصا المسكوت عنها، حيث تتداخل الثقافات والمراحل التاريخية مثل الكفّ الخامسة أو بعض الحلويات المشهورة ويتم توظيف هذه الشخصيات في متن النص السردي للإحالة على الواقع الجزائري وخصوصا الواقع الثّقافي، لكشف مظاهر الرّيع والانتهازية فيه، من خلال شخصية مدير معهد الفنون الجميلة، وشخصية الناشرة الشابة، وشخصية مديرة المعهد العربي، «عن الميزانية الضخمة التي رصدتها الوزارة التي استلمتها المديرة السابقة لمعهد الأبحاث في التراث العربي، وذلك من أجل تنظيم احتفالات ضخمة هذا العام بمناسبة عيد الاستقلال». إنّ هذا الفضاء الثقافي هو الفضاء الذي يستقبل إلياس، المتداخل مع فضائه الاجتماعي، وهو الفضاء الذي تمت الجريمة فيه، لتكشف الروائية القاتل في صدمة روائية، تفتح نهاية الرواية على تأويلات متنوّعة، ولن نكشف عن القاتل في هذه القراءة احتراما لبُنية الرواية وغرضها في توليفتها الفنية لمُتعة القارئ.
  • البحث عن المرأة بوصفها مصدر إلهامي، وهي محور سردي أساسي تنبني عليه الرواية، بشكل فيه من الرمزية والغموض، ليظلّ كذلك حبيس تقاطعات المسارات السردية، وكأن هذه المرأة في طيفيتها وغموضها واستحالة تجسّدها وعلوّها الرمزي تُشبه نجمة في سماء مملوءة بالنجمات الصالحة لتجسيد الإلهام الفني لإلياس، ولذلك نتوقّف عند أسماء عديدة أوردتها الرواية بهذا الوصف النجومي، لنكتشف في الأخير أن النجمة يمكن أن تسقط من الغموض ومن سماء الأمل إلى فضاء الواقع المعقّد والذي تنازعه نوازع بشرية أرضية دنيئة، لم تفهم عودة إلياس وهدفه المثالي في البحث عن نجمة أنثوية لا تسقط على الأرض كما تسقط نساء كثيرات ورجال أكثر، خصوصا وأن الجريمة تمّت في بيت العائلة، في ذلك الحي من أحياء العاصمة، «كان الكلّ في شقتها، الكثير من أبناء الحي مع أبنائها يشاهدون المقابلة، وكانت هي تُحضّر لهم الشاي، وتدعو لهم بين الفينة والأخرى، كان يبدو الجميع مخدّرا بأطوار مباراة الجزائر وإنجلترا».

لتعود الرواية إلى نقطة البداية وهي ذاتها نقطة النّهاية.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

كلّ مساء في مدن أعمدتها من ريح وبيوتها من تعب نداري قسوة دهشتنا بين أمواج …

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

كمال داود هناك رواية جزائرية كتبها كلّ جزائريّ. يكفي أن تجلس، تتأمّل، مثنى أو ثلاث، …