الأحد، 28 نوفمبر 2021

صفقة الخبر – ربراب: أين هو القارئ؟

محمد علاوة حاجي

قبل أيام قليلة (في الـ 16 مارس الماضي تحديداً)، نقلت جريدة «الخبر» تصريحاً لرئيس مجلس إدارتها، زهر الدين سماتي، أثار فيه مسألتين رئيسيتين: الوضع المالي للمجمّع، وفتح رأس ماله.

في المسألة الأولى، رسم سماتي صورةً إيجابية لوضع الجريدة المالي، والمجمّع ككلّ، حين قال إن «أصول وحصيلة مجمّع الخبر إيجابية وجيّدة، منذ سنة 1992، وهذا الأخير لا يعاني من أي اختلال»، وإن «وضعية المجمّع تبقى إيجابيةً، بل إن معظم فروعها تسجّل فائضاً».

كان هذا الكلام بمثابة نفي ضمني لما أُثير حول توجّه مساهمي المجمّع إلى فتح رأس ماله، بسبب ما وُصف بصعوبات مالية يمرّ بها، خصوصاً في ظلّ تراجع عائدات الإشهار الذي خيّم شبحه على غالبية المؤسّسات الإعلامية الخاصّة في الجزائر.

بما أن الوضع المادي للمؤسّسة «مريح»، فقد بدا أن فتح رأس مالها لمساهمين جدد مستبعد تماماً، لعدم وجود أسباب ملحّة لاتخاذ قرار من هذا النوع.

مع ذلك، تطرّق المسؤول الإداري الأوّل في المؤسّسة إلى الموضوع الأهم: فتح رأس المال. لكنه فعل ذلك على طريقة المسؤولين الجزائريين الذين لا يفوّتون مناسبة من دون اجترار حكاية «الموضوع الفلاني من صلاحيات رئيس الجمهورية وحده». قال سماتي: «مساهمو الخبر وحدهم لهم الحق في قرار فتح رأس المال».

هنا، أعطى سماتي معلومةً بديهية تتمثّل في الجهة التي يحقّ اتخاذ قرار فتح رأس المال، وهو كلام غير مفهوم؛ إذ يعرف الجميعُ أن أشخاصاً من خارج المؤسّسة، مثلاً، لن يكون بإمكانهم اتخاذ هذا القرار.

الحقيقة أن الموضوع المنشور بدا مبهماً من أساسه؛ إذ افتقر إلى جزئية مهنية أساسية، تتعلّق بمناسبة هذا الكلام، فكاتب الخبر لم يُشر إلى أنه ردٌّ على ما تناولته وسائل إعلام محلية، حينها، عن اعتزام مساهمي المؤسّسة فتح رأس مالها، أو بيعها.

هذا التعاطي المجتزأ مع المعلومة سيظهر لاحقاً، وبشكل أكثر فجاجةً، حين ينقل أكثر من مصدر تفاصيل صفقة بيع المجمّع كاملاً لرجل الأعمال يسعد ربراب(1944-)؛ فينما كانت وسائل الإعلام والمهتمّون على الشبكات الاجتماعية يتناولون الموضوع، متسائلين عن خلفياته وأبعاده وتأثيراته في المشهد الإعلامي الجزائري مستقبلاً، ركنت «الخبر» إلى الصمت.

يسعد ربراب

نتحدّث عن «الخبر» هنا كمؤسّسة إعلامية من واجبها إعلام القارئ ومدّه بالمعلومة الصحيحة، بغضّ النظر عن الجهة التي تمتلكها.

يُشبه الأمر، هنا، طريقة تعاطي المؤسّسة الجزائرية الرسمية مع المعلومة، حيثُ يؤدّي تغييبها ووضع عراقيل في طريق الوصول إليها إلى تضارب وغموض تضيع معه الحقيقة، والأهم أن هذا السلوك ينتهك مبدأ «الحق في المعلومة». وحين تتبنّى المؤسّسة الإعلامية سلوكاً مماثلاً، فهي إنما تناقض مبدئاً أساسياً من مبادئها.

كان من الطّبيعي أن تثير الصفقة، أو طريقة إبرامها، استياءً لدى صحافيين ومشتغلين في «الخبر»، عبّروا عنه في بيان أصدرته نقابتهم، قالوا فيه إن «ملاّك الجريدة كذبوا علينا، وانتهجوا سياسة الهروب، ولم يتم إبلاغنا إلا بعد اتفاق الطرفين وتوقيع العقد»، مشيرين إلى أن المساهمين لم يستشيروا النقابة «ولو من باب الاستئناس»، مع أن «القانون يلزمهم بإخطار الموظّفين أو ممثّليهم».

رأى الشريك الاجتماعي أنه غُيّب عن الصّفقة، وهذا صحيح. لكن المُغيّب الأكبر عنها، ليس في الحقيقة سوى القارئ نفسه، القارئ الذي نسيته نقابة «الخبر» كما نسيه مساهموها وهم يبرمون الصفقة، هم الذين طالما ردّدوا أن «الخبر ليست للبيع»، لأنها «ملك لملايين القرّاء».

في المؤسّسات الإعلامية العريقة، تلك التي تحترم قيّم المهنة وجمهورها، يجري تناول الأخبار التي تتعلّق بالمؤسّسة نفسها. في «بي. بي. سي»، مثلاً، بإمكانك أن تقرأ أخباراً متواصلة عن الصعوبات المالية التي تواجهها المؤسّسة، وأرقاماً دقيقة عن التمويل الذي تلقاه من الحكومة البريطانية، وعن إضرابات الصّحافيين والمشتغلين فيها. طبعاً، تقرأ ذلك كلّه (أو تسمعه أو تشاهده) على «بي. بي. سي» نفسها.

كان بإمكان «الخبر» أن تكون أول من يتناول الموضوع، من زاوية إخبارية أوّلاً، ومن زاوية أخرى تضيء على خلفياته، وتُعطي تطمينات للقرّاء الذين يتابعونها منذ سنوات طويلة. كان بإمكانها أن تنشر حوارات مع ملاّكها الجدد، وملاّكها السابقين الذين طالما حاورتهم، حتى حين قرّرت زيادة سعر الجريدة بخمسة دنانير..

حينها، قال بعض قرّائها الأوفياء إنهم مستعدّون لاقتنائها حتّى لو زادت خمسين ديناراً، لأن هؤلاء يرون في «الخبر» آخر ما تبقّى من منابر تمتلك الحدّ الأدنى من المهنية والعقلانية في الإعلام الجزائري الناطق بالعربية، حتى وإن كانت لم تسلم من تأثيرات موجة صفراء ضربت المشهد منذ سنوات.

أطلقت الجريدة قناتها التلفزيونية، وأطلّت بوجه غير مقنع

بعيداً عن وضعها المالي الذي لا نعرف حقيقته، أخطأت «الخبر» حين لم تواجه تلك الموجة بجدية، بل إنها كثيراً ما ركبتها مدفوعةً إليها بعقدة «الجريدة الأولى» التي أفاقت صباحاً فلم تجد نفسها في المقدّمة، فباتت تفعل كلّ شيء لتلحق بمن تجاوزها، حتّى إن استدعى الأمر تقليده.

أخطأت أيضاً حين عجزت عن استيعاب العصر الجديد وابتكار أدوات مستحدثة لمواكبته، بينما بدت مؤسّسات أتت بعدها أكثر مرونةً وقدرةً على فهم تلك المعطيات والتعامل معها. بقيت «الخبر» غائبةً عن الشبكة العنكبوتية، عن مواقع التواصل الاجتماعي ووسائط الاتصال الحديثة.

وحين أطلقت قناتها التلفزيونية، أطلّت بوجه رديء لا يعكس المؤسّسة الأم. فبعد أن وعد القائمون عليها بـ «ثورة إعلامية» وبمعايير «عالمية» تتجاوز السائد، تمخّض المشروع عن مسخ إعلامي لم تُفهم طبيعته وهويته. تلك بعض التعثّرات التي ربّما ساهمت في جعل مشروع تاريخي ينتهي إلى البيع دفعةً واحدة وفي جلسة واحدة، كما لو كان كشك سجائر.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …