الأحد، 16 يونيو 2019

شكيب خليل.. المال العام والفنّ

سعيد خطيبي

قبل حوالي عشر سنوات، وقعت حادثة خطيرة، مرّت، في البداية، في صمت، ويتعلّق الأمر باختفاء 174 لوحة تشكيلية، تقدّر قيمتها الإجمالية بمئات الآلاف من الدولارات، «ضاعت» في طريقها من واشنطن إلى الجزائر العاصمة.

اللوحات المقصودة للفنّانة الأميركية خوانتيا غوشيون(1904-1999)، التي كانت صديقة لبابلو بيكاسو، ومقرّبة من الكاتبة أناييز نين، وكانت الفنانة نفسها قد قضت أربع سنوات، في الجزائر، في عشرية الثّلاثينيات، تزوّجت من جزائري، وأغلب لوحاتها كانت تدور حول صحراء البلد.

عام 2011، اتصل بي نجل الفنانة، وريثها الوحيد، المقيم في أميركا، وأخبرني بتفصيلات القضية، وكيف أنه عهد اللوحات لشركة سوناطراك لنقلها إلى الجزائر، وحمّل وزير الطّاقة الأسبق شكيب خليل، مسؤولية «اختفاءها»، بحكم علمه بالموضوع وكونه المسؤول الأوّل عن سوناطراك، ورغم أهمية الموضوع فقد اعتذرت جرائد عن نشر الخبر، مما اضطرني إلى نشره في موقع إخباري، وسرعان ما جاء ردّ شركة سوناطراك على القضية، حيث استخرجت اللوحات، من الغبار، ودعت صحافيين إلى مقرها، وعرضت عليهم اللوحات، مع العلم أنّ اللوحات كانت موجهة – بحسب وصية الفنانة – للعرض في المتاحف العمومية وليس في المقرات الإدارية.

لسنا نعرف، لحدّ السّاعة، هل وصلت اللوحات المذكورة إلى المتاحف، وهل هي متاحة للجمهور أم لا؟ ما يهمنا هو أن نعرف العلاقة بين شخص مثل شكيب خليل والفنّ؟ كيف لمسؤول سامِ في الدّولة مثل شكيب خليل لم نسمع له علاقة بالثّقافة، في السّابق، يهتمّ بلوحات لفنّانة عالمية؟

الأوليغارشيا الرّوسية، التي سطعت عقب سقوط الاتحاد السوفياتي، كرّست، في العشرين سنة الماضية، نموذج «السياسي المحبّ للفنّ»، فبعدما استولت على شرايين اقتصاد البلد، وجدت في الفنّ سببا لتبيض صورتها، وإعادة تأهيل نفسها، أمام الرّأي العامّ، وسرعان ما انتقلت «الموضة» إلى ما يطلق عليهم «الأغنياء الجدد»، في الصّين، ثم وصلت إلى أثرياء في الخليج العربي، ثم تواصل مدّ الموضة إلى قادة سياسيين في دول عالمثالثية، تهيمن عليها دائماً الأوليغارشيا، هكذا صار هؤلاء – الذين لا يظهرون في العلن – من الزبائن المفضلين في مناقصات بيع اللوحات الفنية.

فلاديمير بوتين، الذي يوفر حماية خاصة لأغنياء روسيا، تحوّل، في لحظة عظمة، إلى فنان، وباع لوحة له، بحوالي مليون دولار، وقبله هيغو شافيز، رسم ما يشبه العمل الفنّي، بيع بحوالي مائتي ألف دولار. لعل علاقة هذان المسؤولان بالفنّ أشبه بعلاقة زبون مع تاجر، علاقة مصلحة.

هذا النّموذج من السياسيين، الحالمين في استعادة «عذرية» أمام النّاس، لم يغب عن أعين شكيب خليل الذي ركب هو أيضا السفينة، وصار يهتمّ بالفنّ، وصار فجأة يعرف خوانيتا غوشيون، ويهتمّ بلوحاتها، مع العلم أنه لم يسبق له أن شاهدناه في نشاط ثقافي، ولم نسمع عن كتاب قرأه.

الفنّ بات «طوق نجاة» للأوليغارشيات، التي تفكّر في تجديد جلدها، وفي تغيير دمها، من خلال الفنّ، حاول شكيب خليل استعادة مكانة له وسط الرّأي العام، لكنه لم ينجح، فالفضائح ظلّت تلاحقه، لكن المحكمة برّأته منها في النهاية، ومن غير المستعبد أن نراه، في المستقبل، «يمدّ» يده مجدداً للفنّ ولأغلى اللوحات تحديداً.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …