الخميس، 17 أكتوبر 2019

السخرية على الفايسبوك: بين الدّين والمؤخرة

هل السخرية ممنوعة في الجزائر؟

صفحة TNT، على الفايسبوك، هي صفحة للنُكت الجنسية، تنشر محتويات صورية وكتابية بها تلميحات جنسية ساخرة، وبمتابعة التعليقات كل مرّة، نجد أن المُتابعين يذهبون في السخرية لأبعد من المنشور في حدّ ذاته، خاصة إذا كان التلميح يخصّ محادثة شخصية لولد وبنت، في لحظة هيجان، أو تكون صورة مُتلصّص على لباس داخلي لفتاة.

قبل أيام قليلة، نشرت الصّفحة الجزائرية ذاتها صورة ساخرة تمثّل مصلّين يسجدون في العراء (يبدو من الصورة أنّها تعود لإمتدادت الجوامع في الصلوات الكبرى أيام جبهة الإنقاذ الإسلامي في التسعينيات)، وقد تمّ وضع مربعات بها أرقام ملوّنة، فوق رؤوس المصلّين في إشارة إلى تلك اللعبة القديمة على برنامج ويندوز، والتي يضغط فيها اللاعب على مربعات مُرقّمة، حتى يقع على مُربّع «مفخّخ» فتنفجر اللّعبة كلّها.

انفجرت التعليقات الشّاتمة والمُدافعة عن الدين والأخلاق والقيّم الحميدة والسعيدة، طالبين من «الأدمن» حذف الصورة (حذفها راضخاً، فاقداً حسّ سخريته في أكثر المواضيع الجنسية حميمية) بعد أن شتموا والدته وأخته وكل أنثى في العائلة.

رغم أنّ الصورة كانت لمّاحة، خاصة وأنّها من فترة حمل فيها الاسلام السياسي أسوأ التُهم والمصائب التي حلّت بالبلاد إلاّ أنّ النّاس (وفئة عريضة من ساكني الجزائر) يرفضون طبعاً المسّ الخفيف للمُسلّمات وينقلب المزاح غضباً، والهزل جداً.

هذا ما لاحظته منذ أن بدأت في استخدام الأنترنت وقبل وصول الفايسبوك حتى، ففي حين نجد سقف السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي في بلدان كتونس ومصر تصل إلى مستوى أبعد وتلميحات أكثر ذكاءً، مُستثمرة في الثقافة الشعبية والبوب –آرت وحتى بعض الإحالات الفلسفية (هذا لا يعني أن على السخرية أن تكون «مثقفة» أو مصطنعة) وتمسّ أشياءً أبعد من السخرية المزدوجة من احتمال تخفّي إرهابي وسط جماعة مُصلّين يلبسون لباساً أفغانيا ويطلقون لحى، مزدوجة لأنها تسخر مِن مَن يعتقد في هذا الاحتمال وممن ينفيه ويغضب ويحتج ضدّه، ويصل إلى الشّتم والقذف حتى يُظهر حُسن نيته.

الانفعال والغضب عند إظهار حبّ شيء ما صفة لصيقة بمنطقة اللاوعي في الدارجة الجزائرية. من أول: نحبك ونموت عليك وناكلك على خاطر نحبك.. وكلّ هذه الدمويات، إلى ابن الحي الذي يكاد يضربك وهو يحلف أنّه هو من سيدفع فاتورة المقهى.

تلتقي هذه المنطقة مع منطقة أخرى تشترك فيها تلك الفئة من النّاس التي تنزل إلى الشوارع لنصرة اسم الرسول(ص) ولا تنزل لتنصر مظلومين طردوا من عملهم. هذا الالتقاء يُعطينا شخصاً يذكُر لك العضو التناسلي لوالدتك وأختك بأبشع الصفات لأنّك وضعت صورة تسخر من غوغاء إسلاميين افترشوا شوارع الجزائر في التسعينيات حتى يستمعوا للرعاع تخطب من على المنابر.

هذا غير منطقي، لكنّه – وفي سياق ما ذكرت – قد يكون مفهوماً.

لكن نتائج هذه الحالات غير المنطقية قد تصير منطقية، عندما نرى تصرّفات عديد المراهقين اليوم (والذين يشكلون أغلبية متابعي صفحة كصفحة TNT) والذين يورّثون ثنائيات الحلال والحرام، ومطاطية هذا الأخير (الحرام) في مواقف معيّنة، ويورَثُون خاصة فكرة  التجاور الإنفصامي لمُحاولة الدمج بين العيش في القرن الواحد والعشرين والمُحافظة على قداسة المؤسسة الدينية (التي لا يعرفون منها إلا الجامع وكُتب التراث التي يقرؤونها والشيخ على التلفزيون الذي يرقي البيوت عن بُعد)، كل هذه الفوضى من أول اللّغة والتعبير إلى طريقة عيش فئة كبيرة وساحقة من المسلمين اليوم، كل هذا «قد» يؤدي بنا إلى قراءة تلك التعليقات على البوست الذي وضعته الصفحة نفسها بعدما حذفت الصورة، تعليقات تحكي عن الجنّة والنار وأنّهم أصلا يضحكون كل يوم من أشياء جنسية لكن الدين غير هذا، فقد يؤدي بهم إلى جهنم، في حين يُعلّق آخر قائلاً أنّهم لن يذهبوا لجهنم لأن السخرية على الفايسبوك فقط وليس مع بنات حقيقيات، إلخ. إلى أن نصل إلى التعليق رقم واحد، والذي يقول، مُلخّصاً ما قُلناه في سطرين: «يا أدمن أنت لما تكون إنسان سوِيْ جنسياً لا تُحب أن يمسّ لك أحدهم مؤخرتك لأنها شيء مقدّس كذلك الدين، اسخر من كل شيء إلاّ الدين».

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة الجزائرية

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام …

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

قضى الإنسان قرونا في محاولة ترويض الطّبيعة. لم يتحلّ دائما بأخلاق الفوارس في مواجهتها، كما …