الأحد، 16 يونيو 2019

يحي بن مبروك: هذه هي قصّتي مع المفتش الطاهر

الحاج عبد الرحمن ويحي بن مبروك

في هذا الجزء الثّاني من الحوار المطوّل الذي أجرته مجلة «الوحدة»، في أكتوبر 1990، يواصل الفنان الراحل يحي بن مبروك (1928-2004) سرد شذرات من حياته، ومن تجربته، التي جعلت منه واحداً من الممثلين المحبوبين في الجزائر.

اقترن الفنان يحيى بن مبروك بدور شهير «لابرانتي»، وهذا الأخير لم يكن له ليكون، لولا المفتش الطاهر، وهو الدور إلذي كان يؤديه المرحوم حاج عبد الرحمن، كيف جاءت فكرة هذا الثنائي؟

منذ 22 سنة، أي في عام 1968، كنا نعدّ حصة منوّعات، في دار الإذاعة والتلفزة، وكان دوري أنا وبوقاسي: حوّاتين، وكان ثالثنا هو الحاج عبد الرحمن الله يرحمه، الذي كان دوره مغني، يتمشى بقيثارته، ويغني باللهجة الجيجلية، وكان الحديث بيني وبين عبد الرحمن طويلا، كما جاء في السيناريو، وهنا لاحظ الكاميرمان (للأسف لا أذكر اسمه) ذلك التجاوب والتنسيق العفوي الجيّد بيننا، وهي الملاحظات التي صارح الكاميرمان بها الحاج عبد الرحمن، هذا الأخير كان يعدّ سيناريو يتحدّث عن مفتش شرطة ومساعده، يقومان بعميلة بحث بوليسية، بطابع فكاهي، وكان مشكل عبد الرحمن، هو البحث عن هذا المساعد، وقد تيقن الكاميرمان، الذي كان يتابع عمل عبد الرحمن، أنني المساعد المناسب للمفتش الطاهر. هكذا جاءت الفكرة.

وكيف تم الاتفاق؟     

تريدون معرفة كل شيء، أليس كذلك؟ لقد التقينا في مقهى طونطونفيل بالمناسبة، أذكر أن هذا المقهى، كان مكانا لالتقاء الفنانين، كان عبارة عن ناد للفنانين، وكم من صفقة تمّت هناك، وكم من أدوار وزّعت، وكم من أغان كتبت، فوق طاولات مقهى طونطونفيل. التقيت إذن مع الحاج عبد الرحمن، عدة مرات في هذا المقهى، وتبادلنا وجهات النظر، حول العمل وطُرق الأداء، بعدها انضم إلينا المخرج موسى حداد، الذي كان وراء إخراج أول فيلم لنا وهو «المفتش الطاهر يبحث». وبعد النجاح الكبير والصدى الواسع وسط الجمهور، توالت الأفلام والسيناريوهات، ورغم هذا النشاط، فإنني لم أترك، لا المسرح ولا التلفزيون، لكن الشهرة الكبرى جاءتني من أفلام المفتش الطاهر، وحتى الحاج عبد الرحمن، لم يعرف الشهرة إلا من خلال هذه الأفلام.

إن فكرة الثنائي الفكاهي، كانت فكرة ميتة في الأفلام الفكاهية الأمريكية وغيرها، ونتذكر أنه بعد لورال و هاردي، عابوط وكاستيلو، وغيرهم… لم تتمكن السينما الفكاهية العالمية، وخاصة منها الأمريكية، أن تبعث من جديد فكرة الثنائي الفكاهي، رغم المحاولات… كيف استطعتما أن تبعثا هذه الفكرة القديمة من جديد، وبنجاح؟

أشاطرك الرأي في هذا التحليل، لقد بعثنا فعلاً الثنائي الفكاهي، والجميل أننا نجحنا، وهذا بحكم الجمهور، وأعتقد أن النجاح كان بسبب التكامل الجيّد، والتنسيق السهل بيني وبين الحاج عبد الرحمن، إن الثنائي هو شخصان متكاملان، شخصان يحبان بعضهما البعض، وشخصان يعرفان ماذا يريدان معا، ولقد فكرت أنا والحاج عبد الرحمن، على أمر مهم جدا، وذلك بعد الفكاهة والترويح عن المشاهد، فكرنا أن نمرّر رسالة للجمهور، وهي المتمثلة في التأكيد على أنه في بلادنا «اللي يحكم هو اللي ميعرفش يسيني»، وهذا الدور تقمصه الحاج عبد الرحمن في شخصية المفتش الطاهر، بينما «المتعلّم» في بلادنا هو «المحقور»، وهو الدور الذي أديته في شخصية «لابرانتي».

معنى هذا أن أفلام المفتش الطاهر، لم تكن للفكاهة فقط؟

أبدًا، فالفكاهة لم تكن غايتنا أبدًا، لقد اعتبرناها وسيلة لتمرير أشياء، ولقد كنا نتناقش أنا والحاج عبد الرحمن، على ذلك، وكنّا نقول أنه من الواجب، أن نضحك الناس، أن نروّح عن أنفسهم، أن نبعث الغبطة والسرور في البيوت، لقد كان زمن «الحقرة»، ونحن الاثنين أردنا أن نقاوم هذه الحقرة، بالطريقة الهزلية، ويقيني أن الشعب كان يفهم، ويفهم جيّدًا، وحتى وإن «تقطّع» بالضحك، عند مشاهدة الفيلم، فانه بعد نهايته، يقوم بالتحليل، ويفهم الرسالة جيدا، وأنا لم أشك في ذلك، ولا مرّة واحدة.

الحاج عبد الرحمن المفتش الطاهر

 

ألم تعرف أفلامكما مقصّ الرقابة؟

الفكاهة في بلدنا، تمرّ بسهولة نوعا ما، لأن الأسلوب النقدي المباشر، ليس من خاصيّة الأفلام الفكاهية، لقد كنا نصطدم ببعض العراقيل، لكن كنا نتجاوزها، مع المخرج والفريق التقني. الرقابة عرفناها في الحفلات خاصة، عندما كنّا نقدّم السكاتشات، لكننا كنا ننتفض ونرفض دائما هذه الممارسات.

هل لك أن تذكر لنا بعض الوقائع؟

أذكر مثلا، أنه كثيرا ما رفضنا عرض السكاتشات، إذا لم تمر كاملة، دون نقصان، والغلبة كانت دوما لنا، أتذكر أن مسؤولي حفل ساهر، رفضوا جملة، وردت في سكاتش فكاهي، يقول فيه المفتش الطاهر: «اللي كلا حبّة تشينة (برتقالة) يولد حبّة دلاع»، واتفقنا ألاّ تقال هذه الجملة خلال العرض، لكن فوق الخشبة وبعد أن تجاوب الجمهور معنا، لم يجد المفتش الطاهر بدًّا من التفوّه بتلك الجملة، والتي دفعت المتفرجين وبدون استثناء، إلى الوقوف للتصفيق طويلا، شكون قال الشعب ما يفهمش؟ أتذكر أنه أيضا، أنه في حفل كبير حضره الرئيس الراحل هواري بومدين، بعد تدشينه لقرية نموذجية، حاول مسؤولو الحفل، أن نقصّ المقطع الأخير من السكاتش الفكاهي، والمتمثل في أغنية يؤديها المفتش الطاهر، بعنوان «لافاش دوبريسيدان» أي بقرة الرئيس، الحاج عبد الرحمن، لم يرد أن ينقص شيئا من مشاهد السكاتش.. وفي الأخير وأمام الرئيس هواري بومدين، غنّى الأغنية، التي اشتهرت فيما بعد، وتجاوب معها الجمهور، وفهمها، بينما كان يبتسم الرئيس رحمه الله، وهو يستمع للأغنية، وفي الأخير نادانا الرئيس، وسلّم علينا، وقال بالحرف الواحد: يعطيكم الصحة، بارك الله فيكم.

أعتقد أن اهتمام رئيس الدولة بالثقافة، يزيد من شجاعة وأهمية المثقفين، ويقال أن الرئيس هواري بومدين رحمه الله، كان يتابع عن قرب الميدان الثقافي، أليس كذلك؟

فعلا، بومدين كان يحب الثقافة ويتابعها، وأهل الثقافة في وقته كانت لهم بعض الهيبة، «هذاك زمان، وهذا زمان»، تبدّل كل شيء في وقته، كانت لهم بعض المصطلحات إلى الذهنيات، حتى المشاكل هي اليوم من نوع آخر، ومن نوع أصعب، البلاد التي ليست فيها ثقافة ليست بلاد، واهتمام السلطة بهذا الجانب، قد يعيد الاعتبار لعدة أشياء، هل سمعتم منذ عشر سنوات، عن مسؤول أو وزير أو حتى رئيس جمهورية، حضر عرضا فنيا أو مسرحيا؟

أنت والمفتش الطاهر، هل كنتما تتقيّدان بالنص، أم تمثلان بعفوية، وبالخروج عن نصّ السيناريو؟

في السكاتشات خلال الحفلات نعم، أما في التلفزيون و السينما، فقد كنا نلتزم قدر الإمكان بالنص، لكن حدث أن أبدعنا بعض المشاهد، وكان يقبلها المخرج دون حرج، بل بالعكس، كان يضحك ويقول «نحافظ على هذه اللقطة»، وحدث هذا كثيرا في فيلم «عطلة المفتش الطاهر».

بخصوص هذا الفيلم ألم يكن قمّة العطاء لكما؟

قمة العطاء نعم، ولكن ما كان سيأتي، كان سيكون أحسن «ايه، مكتوب ربي»، بهذا الفيلم نظن أننا خرجنا من النفق المظلم، هذا الفيلم كان نقدا لاذعا، للوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، لقد تحدثنا عن «الرُّجلة»، والتعريب، والثورة الزراعية والسياحة، وحول هذه الأخيرة  بالضبط، فقد قدمنا بطاقة بريدية عن الجزائر بمعالمها، لقد كان إشهارا للسياحة الجزائرية بالمجان، ولم يتحرك أحد، ولم يقل لنا أي مسؤول، حتى كلمة شكر، هل تعلمون أن تكاليف الفيلم لم تتعدّ 150 مليون، وكثيرة هي المساعدات التي تحصلنا عليها، من قبل المؤسسات الجزائرية، كان عملا ايجابيا وجماعيا، ولكن هل تعلمون أن حصّتي المالية، لم تكن إلا مليون ونصف فقط، في حين أن الفيلم حقق نجاحا عريضا، واسترجع تكلفته، وجاء الفائدة كبيرة، وقلنا معليهش، الفيلم هو خدمة للفن وللجزائر.

في هذا الفيلم بالذات، سمعناك تتحدّث بعدة لهجات عربية، وتحدثت بالفرنسية والإيطالية والإنجليزية، هل تتقن هذه اللغات؟

تحدثت في الفيلم باللهجة التونسية مثلا، لأنني أعرف التونسيين، ولغتهم سهلة وقريبة للدارجة الجزائرية، فيها نكتة وميزان، ويكفي أن تعرفهما حتى تجيد ذلك، وإذا كنت فنانا، فهذا يصبح أمرا عاديا، أما الفرنسية فأعرفها مثل الجزائريين، من جيلي، في حين لا أجيد الإيطالية، بل أحفظ الكلمات الأساسية، في التخاطب والتعامل، وهي لغة بحر متوسطية، وهي بنفس ريتم الجزائرية الدارجة، خاصة في الحركات باليدين والرأس، ألا يقال أن الإيطاليين مثل الجزائريين، في حديثهم ونرفزتهم، أما بخصوص الإنجليزية، فقد تعلمت أساسياتها عندما كنت صغيرا، لقد بعت البيض للأمريكان، خلال الحرب العالمية الثانية، عندما دخلوا الجزائر، كان ذلك في عام «البون» ويا له من عام.

ماذا كان يمثل بالنسبة لك الممثل الفنان الحاج عبد الرحمن؟

لقد كان رحمه الله صديقا عزيزا، افتخرت، ولازلت، بصداقته، كان إنسانا طيّبا مرحا بطبعه، دون تكلفة، وفوق كل هذا كان فنانا قديرا، يحب الفن «ويقتل روحو في الخدمة» صداقتنا كانت خاصة جدا، لأننا كنا أصدقاء قريبين جدًا، ومتحابين، ويزداد هذا القرب والحب، خاصة، عندما نكون منهمكين في تحضير فيلم جديد، كنا نضحك كثيرا، كنا نتصارع في العمل، نغضب، نتصالح، وعندما ينتهي الفيلم، يعود كل واحد منا إلى مواقعه، ونفتقد بعضنا أياما، إلى أن نلتقي من جديد، كنت أحبه وكان يحبني، كما يحب الصديق صديقه، هكذا كان الحاج عبد الرحمن الله يرحمه بالنسبة لي.

كيف جاءك نبأ وفاته؟

ليلة وفاته جاءني إلى البيت، كان في لباس أنيق جدا، وكأنه ذاهب إلى ما لا نهاية، تحدّثنا طويلا، ثم توادعنا. في صباح اليوم الموالي، جاءني الخبر من أحد الأصدقاء الذي قال: هل سمعت الخبر؟ قلت: لا، قال عبد الرحمن مات، لم أقل شيئا.. صدمت، وبقيت صامتا.

هل بكيته؟ وكم دام حزنك عليه؟

نعم بكيته، بعد ذلك توقفت عن العمل الفني لمدة ثلاث سنوات، وأعتقد أنها كانت أحزن سنوات حياتي، وأظن أنني ما زلت حزينا عليه إلى اليوم، ولم أعد إلى الفن إلا بفضل بعض الأصدقاء في التلفزة، الذين أخرجوني من عزلتي، الفنية، وأعادوني إلى الميدان. اليوم عندما أرى عائلة عبد الرحمن، أحمد الله أنهم  بخير، وترك لهم كل خير.

هل أنت راض على حياتك الفنية؟

أقول أنني أسعد رجل في العالم، لقد نجحت في حياتي العائلية والاحترافية، وسعادتي تكمن في أنني عشت ثلاث ثورات في الجزائر، كلها صعبة خطيرة ومريرة، لكني ما زلت والحمد الله على قيد الحياة، لقد عرفت ثورة «التيفيس»، وثورة التحرير، وثورة تشييد وبناء الجزائر.. وهل يعيش الإنسان كل هذا ولا يكون سعيدا؟ كيف لا أكون سعيدا عندما تنزل مدينة «ميلة» كلها لاستقبالي، بعد أن تعرّف عليّ أحد الأطفال، كيف لا أكون سعيدًا، وأنا أستطيع أن أرسم ابتسامة، في شفاه 24 مليون جزائري.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

فرانز فانون: منظّر الثورة الجزائرية، من يتذكّره؟

في مثل هذا اليوم 06 ديسمبر، توفي الكاتب والمناضل الجزائري فرانز فانون، (1925-1961) صاحب الكتاب …

زيتون بوهليلات، وأخيرًا أفرجوا عن الفيلم !

وأخيرًا، يبدو وكأنّ التلفزيون الجزائري، بدأ يتفطن إلى الكنوز التي يزخر بها أرشيف السينما الجزائرية، …