الخميس، 17 أكتوبر 2019

«لابرانتي»: اعتزلت الفن، بعد أن أحسست بالاختناق

في هذا الجزء الأول من الحوار المطوّل الذي أجرته مجلة «الوحدة» في أكتوبر 1990، مع الفنان الراحل يحيى بن مبروك (1928-2004) أو «لابرانتي»، والذي جاء بعد شبه اعتزال عن التمثيل، دام طويلاً، خاصة عقب رحيل شريكه الأساسي في التمثيل حاج عبد الرحمن، أو المفتش الطاهر(1941-1981) الذي تقاسم معه، أشهر ثنائي كوميدي في تاريخ التلفزيون الجزائري. يتحدّث «لابرانتي»، عن دوافع اعتزاله، عن معاناته، عن خيبة أمله في الفن وفي البلاد، وعن المحل الصغير الذي حوّله إلى مقهى، حاول أن يجمع شبابا، شتّته الفراغ…

غاب لابرانتي، وغاب يحيى بن مبروك، من الواجهة الفنية لماذا؟

لقد قرّرت الاعتزال، واعتزلت، بعد أن أحسست أنني أختنق في ظروف عمل صعبة جدًا، رسميا أقول أنني متقاعد، لكن الحقيقة، هي أنني هربت من واقع مرّ وصعب، هذا الواقع الذي يختنق فيه الشباب الموهوب أيضا، فهم لا يجدون متنفسا، إنني أتحسّر على هذا الشباب المسكين… نعم إن حسرتي عليهم كبيرة، وأعتقد أنهم سيحترقون، وستحترق معهم قدراتهم، ومواهبهم وإبداعاتهم، لقد اعتزلت وطلّقت الفن، بسبب هذه الذهنية، لقد انصرفت لأنني لم أجد «ناس صحاح»، في هذا الميدان، فمنذ مدة من الزمن وهم يجعلون مجاله مطية لأهداف، وأغراض شخصية، على حساب الفن والفنانين، وعلى حساب الشباب الموهوب.

ألم يتصل بك أحد من أهل الفن، لتتراجع عن أقوالك؟
الغريب… بل وكل الغرابة، أنني خرجت في صمت ومن الباب الضيّق، بعد 35 سنة من العمل والإبداع، في المسرح والتلفزيون والسينما. لم يسأل عني أحد، لم يستفسر أيًّا كان عن السبب أو الأسباب… لقد هربت من الفن لأنني تيقنت أنه لم يعد كذلك، وأن الذين يسيرونه لا علاقة لهم به، إن ألمي وحزني وحسرتي كبيرة، بقدر ما قدّمته للفن، لقد بكى قلبي على هذه المواقف، لكنني فهمت أنهم لا يريدونني، وربما قالوا : «بون ديبارا».

في كلامك هذا لم نفهم من هم هؤلاء الذين تقصدهم؟
بصح ما فهمتنيش واش قلت… أم أنك تريد أن تغوص أكثر في الموضوع، أوضح فكرة هامة قبل كل شيء، وهي أنني لا أريد أن أذكر الأسماء، لأنني لا أحبّ أن أجرح الأشخاص، مهما كانت رداءتهم، ولا يهمّ الأشخاص بقدر ما يهم «السيستام» المسيّر، والغريب أن هذه الرداءة موجودة في العديد من مؤسساتنا في مختلف مجالاتها، وهؤلاء الذين أقصدهم في الفن، هم أولائك الذين يحكمون ويسيّرون قطاع الفن، أولائك الذين قادوا الثقافة في الفترات السابقة.
أنظروا إلى نتائج أعمالهم… أين هي الثقافة؟ إنها خراب في خراب، البريكولاج كان خاصيتهم الأساسية، وكان التشبّث بكراسي المسؤولية هو غايتهم القصوى، وكل ذلك ولد ذهنية بعيدة كل البعد، عن الثقافة الجزائرية الحقيقية، وعن الفن الإبداعي الرائد، لقد صرعوا الفن، وفي حق الثقافة كانت هناك جريمة، وهذه الذهنية هي التي وضعت الشباب المبدع جانبا، لقد ظل، وما يزال، على الهامش يصارع هذا الواقع المرّ، الذي تيقن أنه أقوى منه، ومازال إلى اليوم أقوى منه.

أنت بائع جرائد، بائع السردين، كيف جئت إلى الفن؟

البداية أظنها كانت مع الكشافة، في تلك الفترة، كانت الأعمال الفنية الهاوية، مدوّنة في البرنامج الثقافي للكشافة الجزائرية، خاصة المسرح والغناء، وكنت أيامها أتدرّب على يد صالح الونشي (الكشافي المعروف)، ثم تعرّفت على المسرحي الكبير: مصطفى كاتب، رحمه الله، الذي كان يدرب فريق كرة القدم CCA ، وكنت أحد عناصر الفريق، حيث لعبت في كل المناصب حتى حارس مرمى، وحدث مرّة، أن تنقلت مع الفرقة المسرحية التي كان يسيّرها مصطفى كاتب، إلى مدينة مليانة، وهناك عوّضت أحد الممثلين الشبان، بعد أن أرغمه المرض، أن يكون طريح الفراش، يومها وقفت الى جانب كبار المسرح، أمثال حاج عمر، سيد قلاتي، سيد علي كويرات، بوقاسي… أتذكر أن المسرحية كانت بعنوان «الراعي»، وأقول اليوم بعد كل هذا العمر، الذي قضيته في الفن، أنه بفضل الله، وبفضل صالح الونشي، ومصطفى كاتب، لم أصبح «باندي»، بفضل الونشي أصبحت «راجل»، وبفضل مصطفى كاتب أصبحت «فنانا». ومعهما تعلمت معنى الوطن، والكفاح والتضحية، أمثال الونشي، وكاتب، قليلون، فلو وجد مثلهما اليوم، لكان «الرجال» والفنانون.

مع رفيقه الحاج عبد الرحمن

منذ أن بدأنا الحديث، ونحن نحسّ أن في قلبك ألمًا وحزنًا وندمًا… هل نحن مخطئون؟

لا بل أنتم على صواب، قلبي فيه الألم والحزن والندم، لكن فيه أيضا الثورة والغضب، إن الوضع الذي أرى فيه الجزائر اليوم خطير جدا، ولو كان الأمر مقتصرا على الفن لهان الأمر، وقلنا أنها أزمة في الفن، لكن الواقع هو غير ذلك في كل الميادين، كل المؤسسات ، كل التنظيمات، ينخرها التسيير السيئ، البيروقراطية، المحسوبية، إلى غيرها من النعوت القبيحة التي هلكت البلاد، لست أفهم كيف نعيش كل هذه المشاكل، وبلادنا من أغنى الدول وأكبرها، ماذا حدث بالضبط، والله صعب أن تجيب عن هذا السؤال، انظروا مثلا إلى الشباب، هل يعقل أن نهدر، ونقتل طاقات، ومواهب وإبداعات، هذه «الجيوش»، إنهم يمثلون 75% من السكان، هكذا يقول المسؤولون ويفتخرون، ولكن ماذا قدمنا لهم فعلا؟ والحقيقة أنه في أيامنا نحن، عندما كنا شبابا، وجدنا من نستند إليه، وجدنا من يساعدنا ويتفهمنا، وثورة الجزائر أكان لها أن تنتصر بغير حماس الشباب؟ جزائر ما بعد الاستقلال رفضت دومًا عنصر الشباب، حتى اليوم، ورمته على الهامش، فتراكمت مشاكلها، وتضاعفت، وظل يبحث عن نفسه، على حائط أو زجاجة خمر، أو في المخدرات، أقول اليوم، أقول الآن، أن الجزائر لن تقوم لها قائمة، إذا لم تعتمد على الشباب في كل الميادين، وما يحيّر فعلا، هو أن المسؤولين الكبار، يعملون ذلك في تخطيطاتهم، واستراتيجيتهم، ولكن لماذا لا نرى ملموسا؟ في الحكاية «إنّ»… يا خي حالة…

نحن في الاستماع سي يحيى واصل كلامك… إنها فرصة للانفجار.

شوف نعطيك مثال… أترى هذا المحل الصغير الذي أملكه… إني أبيع فيه القهوة والحلويات والعصير (كوميرس صغير ماشي حاجة) أتعلم لماذا فتحت هذا المحل هنا في «لابوانت»؟ لقد فتحته لأنني كنت أرى دوما الشباب في لابوانت، يترنح على الحيطان، ويتسكع في الطرقات… ويتعلم أشياء وأشياء، أردت بهذا أن أجمعهم في موضع نظيف، انه مقهى للشباب، يجلسوا هنا ليتناقشوا، وكم مرة قدمت نصائح لهؤلاء، أن يتحركوا، أن يتركوا الحيطان، أن يتعاونوا، أن يسمعوا أصواتهم للمسؤولين، أن يعملوا على ألا يقضي عليهم اليأس، أن يعملوا أي شيء، وأعترف أنني أجد معهم بعض الصعوبة، طبيعي لأنهم جيل غير جيلنا، الآمهم وآمالهم مغايرة تماما، مغايرة تماما لما عرفناه نحن، وأعتقد أن أولى الحلول، هو أن نفهم الشباب، ثم نعطيهم فرصة للتعبير والإبداع، حتى يخرجوا من هذه الدوّامة القاتلة، وهذا كله لن يأتي إلاّ عندما يتحكم الشباب، بمساعدة وتوجيه أصحاب التجربة المخلصين، في مقاليد التسيير، ولو طبقنا هذه الفكرة في ميدان الفن، لخرج الفن الجزائري من قوقعته، ولمضى مسرعا نحو الخروج من النفق المظلم، لكن الحقيقة تقول، أن أصحاب الكراسي الوثيرة، والبطون المنتفخة، لا تريد أن تنصرف من أماكنها، وهي بذلك تقف في وجه التجديد والتغيير، وتحسين الأوضاع، أي في وجه الشباب… يا خي حالة… ياخي…

يتبع…

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

يوم اقتفى موباسان أثر الشيخ بوعمامة

يُعتبر الكاتب والمترجم عبد العزيز بوباكير، واحدًا من أبرز المترجمين الجزائريين، وأهمّ الكتّاب المتخصّصين في …

فرانز فانون: منظّر الثورة الجزائرية، من يتذكّره؟

في مثل هذا اليوم 06 ديسمبر، توفي الكاتب والمناضل الجزائري فرانز فانون، (1925-1961) صاحب الكتاب …