الجمعة، 3 ديسمبر 2021

في زاغرب.. «نازيون جدد» ضد عرب

سعيد خطيبي

لو عادت «النّازية»، فلن تجد أفضل من زاغرب عاصمة لها.

من عاصمة كرواتيا نقلت وسائل إعلام، في الأسابيع الماضية، استياءًا غير مسبوق للكروات إزاء اللاجئين السّوريين، وصورا للافتات مستوحاة من سنوات الحرب العالمية الثّانية، ترفض «الأجنبي»، وترافع من أجل «كرواتيا للكروات».

لكن، كيف وصل هذا البلد الأوروبي الصّغير، الذي عاش تاريخاً دامياً، لم يستفد منه، إلى هذه الدّرجة من رفض الآخر؟

قبل عامٍ من الآن، اكتشف ناشطون عرب، على مواقع التّواصل الاجتماعي، «كوليندا»، تلك الشّقراء الأربعينية، التي صارت رئيسة لكرواتيا، والتي لا تخجل من الظّهور بملابس السّباحة، ولا من عرض جمالها، في الفضاء العامّ، وتناقلت مواقع عربية، لأيام، صور كوليندا، باعتبارها نموذجاً للمرأة السياسية الحديثة، المتصالحة مع جسدها، ومع خياراتها، وكادت شهرتها أن تطغى على أنجيلا ميركيل، أكثر الزّعيمات الغربيات شهرة عند العرب الآن.

خلف صور كوليندا المثيرة كان يختفي بلد ممزّق: كرواتيا التي تعيش، منذ أكثر من ثلاثين سنة، معاركها الهوياتية الدّاخلية، التي لم تشف منها، فبمجرد الخروج من زاغرب أو الانتقال من مدينة لأخرى، في البلد نفسه، المتعصّب لعمقه الكاثوليكي، نشعر بالفروقات، مواطنوه يحملون «نزعة داخلية» للانغلاق على الذّات، ورفض الأجنبي، وسكان الأرياف مثلاً ينظرون بريبة لنظرائهم في المدن الكبرى، والعكس صحيح، كما إن سنوات القطيعة مع الجار الصّربي لم تنته، ومن النّادر جدًا أن تحصل زيجات بين كروات وصرب، وإن حصلت فهي تتمّ في السرّ، خوفاً من سخرية الآخرين وعتبهم.

المسلمون في هذا البلد يعيشون في «غيتوهات» شبه معزولة عن البقية، يمتلكون مسجدًا واحداً في ضاحية زاغراب وبالكاد ينتبه إليه المارّة، والحال نفسه تقريبا مع الأقلية اليهودية.

في هذا الجوّ المختنق بالمعارك الهوياتية، حيث ينظر البعض للأجانب نظرة تراتبية عمودية، سيصل الآلاف من اللاجئين العرب والمسلمين، إلى كرواتيا، قادمين إليها من صربيا والبوسنة، وعدد قليل منهم سيصل إليها من هنغاريا، ليجدوا أنفسهم في مواجهة مدّ يميني لم يكن أحد يتوقّعه.

أضف إلى ذلك، الوضع الاقتصادي غير المريح الذي تعرفه كرواتيا، والذي ازداد سوءًا، في السنوات خمس الماضية، مع الأزمة الاقتصادية، فبعيد انضمام هذا البلد للاتحاد الأوروبي، قبل ثلاث سنوات، ارتفعت مؤشرات هجرات الشّباب، نحو الجيران الغربيين، مثل سلوفينيا وإيطاليا وألمانيا وسويسرا وكذا بريطانيا، بحثاً عن فرص حياة أفضل، كما إن البلد ليس يعيش فقط صدامات هوياتية، بل أيضاً حرباً صامتة على الأقليات الجنسية، مما يجعل من كرواتيا، التي تروّج لنفسها، في الخارج، بجزرها السّياحية، وطبيعتها الأقرب إلى طبيعة بطاقات بريدية، بلداً مؤهلا لاحتضان الخطاب «النّازي الجديد»، الذي يؤمن بعلوية جنس أبيض على بقية الأجناس الأخرى، وأحقية فئة في الهيمنة على البقية.

ضمن هذا المشهد، المتمادي في «التّمسك بالقومية النوستالجية» وبحنين حذر إلى سنوات يوغسلافيا، تبرز علامات متناقضة، تؤكد ازدواجية الحملة التي يقودوها يمينيون ضد اللاجئين، من بينها أن رئيسة البلد كوليندا غرابار كيتاروفيتش(1968-)، ليست سوى مهاجرة، عادت، قبل عشرين عاماً، إلى زاغرب بعد سنوات من التيه، ومن البحث عن هوية إنسانية لها في أميركا، وأن وزيرها الأوّل تيهومير أورشكوفيتش (1966-)، هو أيضاً قضى الجزء الأهمّ من حياته مهاجرًا في كندا، هذه الحقائق ليست تعني كثيرًا الغاضبين تجاه اللاجئين العرب، بحكم أن كوليندا وأورشكوفيتش، من البيض الكاثوليكيين، واللاجئون عرب ومسلمون، يتحمّلون رغماً عنهم النظّرة الدونية للكرواتي إزاء الإسلام، الذي ارتبط في أذهان شريحة واسعة منهم بمصطلحات: العنف، الإرهاب والكبت، وجاءت أحداث كولونيا المشؤومة، بداية السّنة الحالية، في ألمانيا، لتعيد الأمور إلى نقطة الصّفر، فقد استغلها اليمين الكرواتي، بشكل واسع وعلني، في الميديا، لتأجيج مشاعر الكره تجاه اللاجئين، الذين ما يزالوا عالقين وسط هذه البيئة المتخمة بالخلافات، بسبب تراخي الجار السلوفيني في فتح الحدود، وتشييد هنغاريا لجدار عازل يمنعهم من مواصلة طريقهم نحو ألمانيا.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …