الجمعة، 3 ديسمبر 2021

الجميلات الثلاث: مسارات مختلفة ونضال مشترك

عرفت الجزائر خلال فترة محدّدة من تاريخ كفاحها، سطوع نجم ثلاث مناضلات، بشكل ملفت، اشتركن في اسم واحد: جميلة، واشتركن في مقاومتهن الباسلة ضدّ الاستعمار، وتعرضن معًا، لشتّى أنواع البطش والتعذيب… إحداهن اشتهرت عربيا بفضل فيلم أخرجه عنها يوسف شاهين، الثانية اشتهرت عالميا بفضل بورتريه رسمه لها الرسام الشهير بيكاسو، في حين لفّ النسيان، الجميلة الثالثة.

يتعلق الأمر بالجميلات الثلاث: جميلة بوحيرد، جميلة بوعزة، وجميلة بوباشا. وإذا كانت المناضلة جميلة بوحيرد (1935) قد نالت بصورة أو بأخرى، حظّها من الاعتراف الجزائري والعربي، بوصفها أشهر امرأة مناضلة في التاريخ العربي المعاصر، اعتراف تجسّد في مجموعة معتبرة من الأعمال الأدبية والفنية، أنجزها كبار الفنانين والكتّاب في العالم العربي. وهكذا خصّتها المطربة اللبنانية فيروز، بأغنية تحت عنوان: «رسالة إلى جميلة»، من كلمات وألحان الإخوة رحباني. كما أخرج يوسف شاهين، فيلما يستعرض حياتها، ومسارها النضالي، بعنوان «جميلة الجزائرية» عن سيناريو وحوار، اشترك في كتابته وإعداده، كبار الروائيين العرب: نجيب محفوظ، يوسف السباعي، عبد الرحمن الشرقاوي.

افيش فيلم جميلة ليوسف شاهين

كما كتب في مدحها أيضا، الشاعر نزار قباني، من خلال  قصيدة جميلة، تقول بعض أبياتها: «الاسم جميلة بوحيرد/  رقم الزنزانة تسعونا/ في السجن الحربيّ بوهرانْ/ والعمر اثنان وعشرونا/ عينان كقنديلي معبد/ والشَعرُ العربي الأسود/ كالصيفِ … كشلالِ الأحزان». وبدوره لم يتأخر الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، في الإشادة بكفاحها، حيث كتب عنها قصيدة بعنوان «إلى جميلة بوحيرد»، مُشبّها إياها بعشتار آلهة الخصب والنماء، يقول مطلعها:

«لا تسمعيها إن أصواتنا/ تخزي بها الريح التي تنقل/ باب علينا من دم مقفل/ ونحن في ظلمائنا نسأل/ من مات؟ من يبكيه؟ من يقتل/ من يصلب الخبز الذي نأكل/ نخشى إذا واريت أمواتنا/أن يفزع الأحياء ما يبصرون/ إذ يقفر الكهف الذي يأهلون».

كتاب عن جميلة بوباشا

فضلا عن جملة من التكريمات التي حظيت بها في مختلف البلدان العربية، آخرها التكريم الذي نظمته قناة «الميادين» اللبنانية. كما أن ظهورها في الساحة السياسية الجزائرية، حتى وإن بدا محتشما، شيئا ما، إلاّ أنه عزّز نسبيا حضورها الإعلامي، على عكس الجميلتين: بوعزة، وبدرجة أقل، بوباشا.

جميلة بوباشا بريشة بيكاسو

الجميلة الجزائرية الثانية: جميلة بوباشا (1938) صارت أيقونة عالمية، بعد أن قام الفنان العالمي بيكاسو، برسم بورتريه تخليدًا لها، كما أنجزت المخرجة الفرنسية كارولين هيبار، سنة 2011، فيلما يتناول نضالها، مقتبسا عن كتاب اشتركت في تأليفه كل من المحامية جيزيل حليمي، والكاتبة الفرنسية الشهيرة، سيمون دي بوفوار، ولعله الفيلم الذي أعلنت جميلة بوباشا، رفضها له، وطالبت دون جدوى وقف عرضه، بسبب تشويه، حسبها، مسّ بعضًا من تاريخها. جميلة بوباشا ألهمت أيضا الرسام الشيلي روبيرتو ماطا، من خلال لوحة فنية عنونها «عذاب جميلة».

الجميلة الثالثة: جميلة بوعزة (1937-2015) لم تحظ بنفس شهرة بوحيرد وبوباشا، ما عدا التكريم الذي خصّه بها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، ويعود ذلك ربما إلى تفضيلها العزلة، وقرارها الابتعاد عن الأضواء.

عبد الناصر يستقبل جميلة بوعزة

قصة الجميلات الجزائريات الثلاث، تنطوي على كثير من المعاني والعبر، هناك المصادفة في اشتراك اسم يحمل أكثر من دلالة، نضال المرأة الجزائرية، في أوج عنفوانه، هناك التفاف الفنانين والكتّاب العرب والعالميين مع القضية الوطنية، بفضل شجاعة البطلات الثلاث، ومن خلالهن المرأة الجزائرية، ولكن هناك بالمقابل التهميش الذي تعرّضن له، من بلدهن الجزائر، ماعدا بعض التكريمات الشكلية، ليس إلاّ.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …