الأحد، 23 فبراير 2020

أحمد دلباني يكتب: رسالة مفتوحة إلى صديقي أدونيس

أحمد دلباني

1

صديقي الكبير أدونيس،

فضلتُ، هذه المرَّة، أن أكتبَ لك مُباشرة بعد أن كتبتُ عنك كثيرًا. لم أشأ أن تكونَ ضميرًا للغائب – أنت الأسطع حضورًا في المشهد الثقافيّ والإبداعيّ العربيّ منذ عشريات.

كما وجدتني مُغتبطا كثيرًا بالتوجه إليك باعتبارك صديقا منذ أن نبَّهتني في مُكالمةٍ هاتفية قائلا: «نحنُ صديقان يا أحمد». وهكذا خلصتني من صفة «الأستاذ» التي لم تكن تعني لي إلا ذلك التوقير الضروريّ لمن نشأتُ، شخصيا، في كنف عوالمه وفتوحاته التي أيقظت الثقافة العربية على فجر السّؤال ومُغامرة الإبداع خارج سلطة النماذج.

أتذكرُ جيِّدًا ذلك الهواءَ الغريبَ اللافح الذي غمرني وأنا بعدُ فتى يافعٌ يقرأ أعمالك الشعرية الانقلابية إلى جانب قراءته لمجاميعَ شعريةٍ كثيرة جعلت بعضَ مُعاصريك يوصفون بـ«الرّواد». ولكنني رأيتُ في كتابتك انتفاضة خاصة ونبرة استثنائيَّة لم أستطع تفسيرَهما آنذاك. هي نوعٌ من الرّعب الجميل الذي عرَّفني ببعض مهام الكتابة الحديثة وهي تُفيقُ على فاجعة وقوفِ الإنسان وحيدًا على أرض هجرتها الآلهة.

وأعترفُ أنني شعرتُ بغبطة ماكرة لا يعرفها إلا من انكشفت أمام عينيه الشجرة المُحرَّمة بكل عُريها. شعرتُ بالفرح الفادح. رأيتُ البداية هاوية وندَّاهة تغري بالسَّفر الدائم إلى ينابيع الكينونة الأصيلة. كنتُ كمن يتذكَّرُ فردوسا حجبتهُ الحكاياتُ التأسيسيَّة التي توارثناها؛ ورأيتني أنظرُ إليك وأنت تُعلمُ – من جديد –اللغة العربية البهيَّة أن تنفضَ عنها غبارَ الأيام والعطالة الحضارية وتجترحَ ما نسيتهُ من أقاليمَ في أغوار الذات والعالم والحضارة.

لا تبدأ البداية إلا بإعادة النظر في حكاياتها وسرديَّاتها. وقدرُ الإبداع أن يظل سفرًا لا ينتهي إلى البداية. قدرهُ أن يبقى مُقيما قرب فجر الأشياء قبل أن تسقط في الابتذال أو تتحوَّل إلى سلطة ودلالة علويةٍ تُلوي عنقَ العالم.

لقد كنتَ صديقي الكبير، من الذين نبَّهوني إلى ضرورة الخروج من أسر البدايات التي ادَّعت أنها اعتقلت المعنى بصورة نهائية في المُدوَّنة الرَّسميَّة دينية كانت أو إيديولوجية/علمانية. وكنتَ شديدَ التّذكير بفضائل ذلك الطائر الأسطوريِّ الذي يشربُ، كل صباح، من نهر النسيان قبل أن يُسافرَ في غابة العالم: الشعر.

لقد عرفتك شاعرًا مُكتنزا بالرعب الذي أنتجتهُ الحداثة وهي تُشيعُ القلق العظيم وتعلنُ هجرة المعنى من السَّماء الآفلة إلى أرض بكر شهدتْ ولادتها أخيرًا وعِتقها من زنزانة اللاهوت. رأيتَ في الشعر طاقة تخريبيَّة وسؤالا وهجرة إلى بكارة المعنى. رأيتَ فيه مُقاومة للثقافة السَّائدة وتحريرًا للكينونة من أسر المُتعاليات والمُسبَّقات. رأيتَ فيه لقاءً بالدَّهشة الأولى وتنظيفا للغة من ذاكرتها ومن تاريخ تفنَّنَ في تعليمها كيف تُصبحُ مُومياء. أصبحَ الشعرُ معك يسردُ قصة عِتق شرارة اللغة من رماد الماضي. قاومتَ سيادة الثقافة – المُتحَف بمشروع ثقافةٍ جديدة تلغي سلطة الأسلاف والمرجعيَّات. كنتَ، في كلمة، ذلك الولدَ الرَّهيبَ الذي نثر الشوك على سرير الآلهة.

بداية، انحزتَ إلى حكايةٍ تأسيسيَّة أخرى. اخترتَ أن تكونَ من سلالة بروميثيوس لا آدم. اخترتَ أن تنحاز إلى الإنسان لا الآلهة. فضلتَ التمرّدَ على الخضوع. اخترتَ تحريرَ العالم والمعنى من خطاب السلطة الثقافية المُبشِّرة بالنهايات لكي تعلنَ سيادة البداية: المُغامرة الدَّائمة في اكتناه العالم والوجود. وقفتَ ضدَّ المُؤسَّسة لكي تحرِّرَ الطاقة الخلاقة. ورأيتَ في الثقافة – بالمعنى الواسع – ساحة معركةٍ من أجل امتلاك المعنى الذي يُبرِّرُ الهيمنة على الحاضر. من هنا ذلك النبشُ الدؤوبُ في الماضي الثقافيّ العربيّ بغية تحرير التاريخ من الكتابة الرَّسميَّة وتحرير الهامش الإبداعيّ من كتابة السلطة. أردتَ أن تجهرَ بآيةٍ جديدةٍ ضدَّ ثقافةِ الهيمنة باسم الهوية كما يُعادُ إنتاجُها. بداية، أردت أن تقول: «في البدء كانت الكثرة». أردتَ اختطافَ حق الكلام من سلطة التأسيس للأصول التي تُمليها رغبة الهيمنة. لا مكان للوغوس المُتعالي في ثقافة تُريدُ أن تكونَ ثقافة للعقل والحرية بمعزل عن العسف والعُنف باسم الواحدية. رُبَّما لم ينجح بروميثيوس العربيّ في الاحتفاظ بشعلةِ المعرفة المُحرِّرة التي اختطفها من زبانية السلطة الثقافية الرَّسمية ولكنهُ بقي شهادة على إبداعيَّة العربيّ في الماضي.

بداية، حاولتَ الانقلابَ على ثقافة اليقين والجواب مُبشِّرًا بثقافة تقومُ على السّؤال المُغيَّب والمُدان منذ تمَّ رميُ الفلسفة في نهر الموت وتكفيرُ الخارجين عن نظام الطاعة. حاولتَ أن تخرجَ من ثقافة الإيمان وتسترجعَ حقَّ السؤال في المواطنة بيننا. لم يكن الأمرُ هيِّنا في ظل ثقافة عاشت على الخدَر قرونا طويلة ولم تعرف إلا أشكالا من المُمانعة قليلة ثقافيا وفكريا. لم يكن الأمرُ هيِّنا في ظل ثقافة أصبحَ الفقيهُ رمزها الأوَّل باعتباره سلطة إلغاءٍ للعقل والبحث المُتحرِّر من هيمنة المرجعيات المُقدَّسة. لم يكن الأمرُ هيِّنا أبدًا أمام الحجاب الذي ألقتهُ الحقيقة المُؤسَّسة على نص أوَّل تم احتكارهُ ليُصبحَ عقيدة للسياسة وسلطة نبذٍ وتكفير.

لقد كان من اللازم إعادة النظر في كل شيء، وفك الارتباط بين الحقيقة والسياسة في فعل تحرير للمعنى من السلطة. إنَّ «ثقافة المؤمن» السَّائدة دجَّنت الحقيقة وخنقت، بذلك، إمكان تفتّح «ثقافة المُتسائل» في تاريخنا. تلك سرديَّة هيمنة وسيطرة بكل تأكيد. لقد حسمَ السلطانُ والسيفُ الأمر. ظلت الحقيقة جارية في بيت السلطان ولم تكن شأنا عقليا أو بحثا يضعُ الإنسان العربيَّ – المُسلم في قلب مُشكلة الوجود والقيم والمعنى. وظلت أيضا شاحبة الوجه كعودٍ يابس في بيت المُطلق لا تكادُ تجدُ سبيلا إلى شرفة تطل منها على العالم: عالم التغيّر والصَّيرورة. من هنا، رُبَّما، دعوتك إلى ضرورة «الجهر بنهاية المُطلق» للخروج من نظام ثقافيّ تصلبت شرايينه وأصبحَ يُعاني من البطالة والعطالة في عالم اليوم. لقد كان كل شيءٍ يوحي بأنَّ التاريخ يُجرجرنا – دون أن ندري – إلى مأدبةٍ لم نخرج، إلى اليوم، من التحدّي الذي جابهتنا به: «صدمة الحداثة».

بداية، تساءلتَ: إلى متى يظل نصُّ العالم والإنسان سجينَ القراءاتِ المُتعالية الأحادية المُنتهية؟ بداية، تودَّدت: أيها الشعرُ، متى يحينُ عهدُك؟

2

كانت الحداثة الغربيَّة تحديا كبيرًا واجه الثقافة العربيَّة والمُجتمعَ العربيَّ بداية القرن التاسع عشر. كانت رجة خلخلت أسُسَ المُجتمع والفكر والنظر إلى الأشياء تحت سماواتٍ أخر. لقد تمَّت معها تلك الزحزحة التي طبعت وجهَ العالم الحديث فكرًا وسياسة: بداية اختفاء المُقدَّس – شيئا فشيئا – وانسحابه من الفضاء العام ليحُلَّ محله الأنتروبوس الظافر مع إطلالة الثورات الفلسفية والعلمية التي أعادت قراءة العالم والوجود في أفق البحث المُتحرِّر من وصاية الماضي ومرجعيَّته.

لقد أزفت ساعة انتصار بروميثيوس ودخل كل شيءٍ طورَ التأسيس العقلانيّ من جديد: فكرًا وعلما وسياسة. أصبح الإنسانُ مركز الوجود ودخل نص العالم في ليل المعنى من جديد. لقد استعاد السِّرُ حقوقه بعد غيابٍ قسريّ كما استعاد الشعرُ فضيلة الإقامة في الرَّماديّ خارج مدارات المعايير والنماذج التي أسرَتهُ، طويلا، في الماضوية والمعيارية الجاهزة.

لقد وجدت ثقافتنا العربيَّة نفسها أمام مأزق تاريخيّ دعاها إلى إعادة النظر في أسُسها من أجل بناء علاقةٍ هارمونيَّة جديدة مع اللحظة الحضاريَّة الجديدة، وترميم الجُسور المنسوفة بينها وبين الزمن التاريخيِّ الذي أصبحَ مشدودًا إلى المُستقبل.

كان على ثقافتنا أن تقفَ مذعورة أمام العُلوِّ الوثنيِّ العظيم: التقدم. ولكنها اكتفت بالتلفيق بين فضائل الحداثة التقنية/الماديَّة من جهة، وإعادة تحيين اللحظات التدشينيَّة القديمة باعتبارها زمنا يعلو على التاريخ الذي أنتجها من جهة أخرى. لم تكن ثقافتنا، كما علمتنا صديقي الكبير، جذرية بصورةٍ تجعلها قادرة على مُراجعة الموروث نقديا ومُساءلة الأصول معرفيا ضمن مُراجعة شاملة لنظام المعرفة الذي تحكَّمَ في إعادة إنتاج الذات التراثية. هذا ما جعلنا نعيشُ على الهامش وبمعزل عن نبض التاريخ الحيّ حيثُ تُصنعُ المصائرُ ويتمّ تجديدُ العلاقة مع العالم والأشياء.

أصبح العربيّ يعيشُ اغترابا مُزدوجا: عن ذاته التراثية التي يجهلها وعن العالم الحديث في آن. أصبحَ، بمعنى آخر، ينزلقُ على سطح العالم الحديث ويعيشُ في مُستوى الاستهلاك. ولذا لا نستغربُ أبدًا أن يركب سيارة وهو يعتقدُ أنه يركبُ «فرسا من حديدٍ» كما تُعبِّرُ في بيان حزيران 1967 الجميل الغاضب.

تلك هي المُشكلة: البنية الذهنيَّة الماضوية. ثقافة المُسبَّق. الثقافة التي تجعلُ المعنى سابقا لا لاحقا. هذا هو نظامنا المعرفيّ الذي ساد وما زالت امتداداتهُ ذاتَ أثر لا يُنكرُ في خطابنا الفكريّ والسياسيّ والثقافيّ بعامة. لقد أردتَ، صديقي، أن يكونَ لثقافتنا حظ من الأنسنة والمُغامرة في اكتناه المعنى إبداعا وتشوّفا. ولكنَّ الواقع يُثبتُ، كل يوم، انكماشنا أكثر فأكثر أمام التحديات المطروحة علينا. كما يكشفُ أنَّ كل ما نقومُ به ما هو إلا نشيدٌ آخر للبجعة. نحنُ نموت. هذه حقيقة. نموتُ باعتبارنا ثقافة لم يعُد لديها ما تقول في عالم شديد التغيّر. نموتُ لأننا لم نعُد قادرين على المُساهمة في صُنع العالم أو تجديد النظر إلى القيم ومُشكلة المعرفة وقضايا الإنسان المصيريَّة. نموتُ لأننا سوقٌ كبيرة وأمة استهلاك ولا نطرحُ على العالم إلا الهواجس الأمنيَّة الناتجة عن فشلنا في تحقيق التنمية الشاملة. لذا وجدتني، صديقي، أتفقُ معك إلى حدٍّ بعيد وأنت تتحدَّثُ بمرارة عن «انقراض العرب».

تقومُ مُقاومة الثقافة السَّائدة مُؤسَّسيا على نقدِ آلياتها في النبذ والاستبعاد والحجب باعتبارها مُمارسة تكرِّسُ معقوليتها وشرعية هيمنتها على الحاضر. لقد رأيتَ في الثقافة العربيَّة السَّائدة آلة تدجين عملاقة تقومُ على نظام معرفيّ يجدُ أسسَهُ العامة في المرجعية – المعيارية وسلطة النص المُؤسِّس وغياب الفردانية والإبداعية. رأيت فيها مقبرة هائلة وفضاءً خانقا لكل طاقات الإنسان. رأيتَ فيها ينبوعا للماضوية والواحديَّة التي تقتاتُ على سِحر اللحظات التدشينيَّة وتعيشُ في كنف دوحةِ الأب الغائب. ظلت هذه الثقافة تعبيرًا عن إرادة الهيمنة، وظلت تجدُ مرتكزاتها في إهدار بُعد الأرض لصالح السَّماء وبُعد التاريخ والصَّيرورة لصالح المُطلق والتعالي وبُعد الجسَد لصالح الروح.

إنها ثقافة التقليد والمُؤسَّسة التي ورثت بنيات الهيمنة الماضية حتى وإن تلبَّست أشكالا إيديولوجية جديدة لا ترتبط باللاهوت ضرورة. من هنا تركيزك على التوكيد أنَّ الحداثة الفعلية روحٌ تقومُ على نقض هذه الثقافة وامتداداتها الفكرية والسياسيَّة والاجتماعية.

لقد رأيتُ، شخصيّا، في كتابي «مقام التحول» الذي كرَّستهُ لدراستك أنَّ مداخل الأدونيسيَّة هي: الجسد والأرض والتاريخ. إنها المداخل التي تنقضُ ثقافة التعالي والمُطلق وتُبشرُ بثقافة التغير والتحول وانتصار الرغبة. لقد كنتَ، منذ بداياتك، على وعي كبير بأحداثيات التحول الكبير الذي يجبُ العمل من أجله انتظارًا لمُجتمع عربيّ جديد وثقافة عربيَّة جديدة. فما الحداثة – باعتبارها زمنا حضاريا جديدًا – إن لم تكن ولادة لمركزية الإنسان مكان المُقدَّس القديم وللتاريخ باعتباره زمن الصَّيرورة الذي انفصل عن السَّماء وأصبح مهادًا للمعنى؟

هذا ما دفع بك إلى النبش في تراثنا القديم لتكتشف كيف أنَّ بعض صُور التحول كانت تحتفي بالسؤال وتدفعُ باتجاه زحزحة التفكير بالإنسان بوصفه قلب الوجود في «ثورة كوبرنيكية» غير مسبوقة، رغم هيمنة الثقافة ذات الطابع اللاهوتي التجريدي الذي يجعل الإنسانَ جرما صغيرًا يدور حول فلك المذهبيَّة العقائدية الرَّسمية.

3

صديقي الكبير،

نعلمُ اليوم، جيِّدًا، أنَّ كونية المُثقف لا تستقيمُ إلا مع احتضانه لمُشكلة الإنسان من داخل ثقافته الخاصة وموروثه التاريخيّ. بل لا سبيل إلى احتضان الإنسان عموما إلا مُتلبِّسا بالتاريخ وبالهوية التي شكلت مهدَ حضوره في العالم. من منا رأى وجهَ الإنسان الحقيقي خلف قناع الثقافة على مسرح التاريخ؟ لا أحد على ما أعتقد. ولكنَّ الكل يدَّعي ذلك من أجل احتكار الحديث باسم النزعة الإنسانية والكونية المُفترضة. هذا ما يفضحُ، بصورة ما، كل نزوع كونيّ يدَّعي الحديث من خارج دائرة الهويات الضيقة جميعها باسم الإنسان المُجرَّد من مغامرة التاريخ ومُلابسات الثقافة والخصوصيات المُتصارعة، أبديا، على الهيمنة المادية والرمزية.

وهل الحديثُ باسم الكونية إلا نزوع مُضمر إلى التمركز ونبذ الآخر وادِّعاء امتلاك السلطة الرمزية للحديث باسم حقيقة الإنسان؟ ما يهمني اليوم شخصيا، صديقي، هو اعتقادي الرَّاهن أنَّ الكونية هي بدورها خصوصية مُهيمنة لا غير. وقد يتعلم الإنسانُ، يوما ما، البحثَ المُشترك عن وجهه وعن المعنى بعيدًا عن علاقات الهيمنة التي ميزت الصِّراعَ التاريخي بين الأطراف الحضارية إلى اليوم. لن تكونَ العالمية تحيّزا للمركز التاريخيّ/ الأمبريالي أو حديثا باسم عقل الحداثة الشائخ الذي حمل سيفَ الفتح منذ بضعة قرون، وإنما انتماءً إلى حركية التفكيك المُتواصل لكل نزعةٍ تُضمرُ حنينا إلى الشمولية.

أعرفُ جيِّدًا، صديقي الكبير، كيف سكنك هاجسُ التفكيك في السنوات الأخيرة وأنت تقفُ متأملا مآل ومصائرَ الصراع على المعنى باسم الهويات التقليديَّة التي ظلت تنهل من الوحدانيات الدينية. ولعلك تدركُ – وأنت وريثُ ثقافةٍ ألفية قامت على بُعد الواحدية الدينية والسياسية – كيف أنَّ العالم ظل طائرًا يتخبط في شرك العوالم المُنتهية التي مثلها استبدادُ الحقيقة الواحدة والمعنى النهائي للأشياء. من هنا نضالك الدَّائمُ من أجل حكاية تأسيسيَّة جديدة تُسدل الستارَ على أسطورة الأصل الواحد والمعنى الواحد. من هنا نضالك من أجل استرجاع العالم حقه في الكشف عن سَديمه الأصلي. من هنا جهودك الأخيرة في تحرير التاريخ من سطوة الواحدية وانفتاحه على حقيقة التعدد والكثرة.

إنَّ هاجسَ الحرية المركزي عندك يتجلى بوضوح أكبر من خلال سعيك الحثيثِ نحو عِتق المعنى من كل مُحاولات التدجين داخل المنظومات المُغلقة. بل لقد ذهبتَ بعيدًا في اكتشاف «غولاغ» النبذ الخفي الذي مثلتهُ الوحدانيات الدينية والمُسبَّقاتُ الإيديولوجية معا. كان عليك أن تناهض المُسبَّق الذي ظل ينتصبُ سورًا يمنعُ تسربَ الضوء إلى الحياة وأنت تجتهدُ في الكشف عن بكارتها الدَّائمة. وربما كان يحلو لي أن أشبِّه، أحيانا، عملك النقديَّ بما فعله نيتشه في الثقافة الغربية وهو يرى في الأخلاق «سيرسه»(Circé) أخرى اعتقلت جسارة الفكر الغربي الأولى ومأساويتهُ محولة إياه إلى خنزير صغير طائع يُشيحُ بوجهه عن نشيد الصيرورة العظيم ليتعلق بالعوالم الوهمية. لقد رأيت في المُسبَّق نفس الشيء. وكان عليك أن تبحث عن دروب أخرى لرحلة أوليس العربيِّ نحو مهادِ الضوء.

لقد كان هذا الهاجسُ الكبير انحيازا للأرض ضدَّ السَّماء التي ظلت مرجعا لسطوة واحدية المعنى ومُؤسَّسة التاريخ الوصيَّة على الحياة وتعددها وغناها. كان مشروعك انتصارًا لحقِّ الأرض في الإفصاح عن ضوء مُختلف لا يعلوه شحوبُ وجهِ الإنسان ولا يكشفُ عن غبطة الآلهة السكرى أمام مومياء الحياة مثل نيرون. ولكن تجبُ الإشارة إلى أنك – في كل ما كتبت – كنت ثائرا على المُؤسَّسة الثقافية  – الدينية لا على الروحانية أو ذلك الظمأ الأبدي الذي يقودُ الإنسان أبديا إلى القرع على باب السِّر. كنت ثائرًا على زبانية جحيمنا وهم يُحوِّلون الإنسان العربيَّ إلى عبدٍ تتربصُ به دائما اللعنة الأبدية إن تجرَّأ على مدِّ اليد إلى شجرة المعرفة المُحرِّرة.

لقد كتبتَ صفحاتٍ مُدهشة عن إيكاروس المُسلم وهو يتوسلُ المسالك الوعرة إلى الشمس قبل أن يسقط مُحترقَ الجناحين شاهدًا على لانهائية الرحلة إلى ينابيع المعنى.

إنَّ مشكلة عالمنا العربيِّ – الإسلامي تكمنُ في مأسسة الواحدية ثقافيا وسياسيا بعيدًا عن فتوحات العقل المُعاصر الذي خاض معاركه الظافرة ضدَّ كل نزوع شمولي يتمترسُ وراء اللوغوس الديني والفلسفي من أجل تبرير الهيمنة وحجب مداخل المعنى المُتعدِّد. من هنا ثورتك ضدَّ التمذهب المُغلق والمذهبيات جميعها باعتبارها مُعتقلاتٍ وسجونا وتشرنقا أمام العالم والتاريخ، فضلا عن كونها ينبوعا ثرا لمُختلف أشكال النبذ والاستبعاد والمحو المُمارس مع المُختلف. ومثلما رأى نيتشه في المسيحية التاريخية «ميتافيزيقا الجلاد» كما يُعبِّر، رأيت صديقي أنَّ «كل مذهبية حبلى بالجلادين» في تأكيدٍ مهم على كون الثقافة السَّائدة لا يُمكنها أن تحبل إلا بالكارثة على مُستوى العلاقة مع الآخر المُختلِف ما دامت تعتبرُ المعنى جارية مسجونة في سراي السيِّد أو الثقافة المهيمنة.

كل رؤية مُنتهية للعالم هي رؤية عُنفيَّة بالأساس تستبعدُ المُختلف من دائرة الخلاص الديني والدنيوي معا؛ كما أنها تضمرُ القول بأنَّ الإبداعَ وقيمَ الكشف تبدو نافلة ما دامت ترى المُستقبل ماضيا يتحققُ أو نبوءة حبلت بها الكلمة الأولى. هذا ما يُفسِّرُ، صديقي، ثورتك منذ بدايات نشاطك الإبداعي والفكري على البنيات المرجعية للفكر، وتشكيكك في قدرة الإيديولوجيات – حتى وإن كانت ثورية –  على تحرير الإنسان وعِتق المُستقبل من نبوات من ظلوا يحملون سوطا في تعاليمهم «التقدمية». ظلت الكلمة الأولى جرثومة تغذي نزعة الاستبداد الفكري والانغلاق المذهبي والتمترس وراء حصون الهوية بمعزل عن جلبة التاريخ الفعلي وإيقاعه الأهوج. هذا ما جعلني أرى فيك مفككا حدس – منذ زمن بعيدٍ – بانهياراتنا المقبلة في أوج الصخب الإيديولوجي الذي رافق نضالنا طيلة خمسين عاما.

لا يُمكنُ، بالتالي، أن يكونَ التحريرُ من أوضاع مُماثلةٍ أمرًا واقعا إلا بنوع من «الخرق الثقافي» كما تُعبِّر. لا يُمكنُ أن يتمَّ خروجُنا من أسر الواحدية إلا بالخلخلة الثقافية والنقد الشامل لنظامنا الثقافيِّ القائم على استبداد المرجعية والتعالي الأنطولوجي للحقيقة المُحنطة في حضن المُطلق.

إنَّ زمنَ الأرض لن يحينَ عهدُه إلا باحتضان التاريخ والتغير والانفتاح على التعدد؛ ولن يكونَ مُمكنا إلا بالخروج من شرنقة اللوغوس الديني والثقافي. وما زمنُ الأرض إلا زمن الإنسان وقد مدَّ جسورًا إلى العالم الآتي من حضن المجهول. بداية، تساءلت صديقي ضمنيا في كل ما كتبت: «كيف لثقافةٍ لم يتأسَّس فيها المجهولُ باعتباره بُعدًا من أبعاد الوجود أن تكونَ حاضنة للإبداع أو دعوة إلى السَّفر في بكارة العالم؟ كيف لثقافةٍ مُماثلةٍ أن تحترمَ التعدد والاختلاف وأن تحلمَ بمجيء ملكوت الإنسان على الأرض؟».

وسمعتك – أيها الثائر على استبداد المرجعيات المغلقة وأنظمة الواحد والواحدية – تقول: «ما جئتُ لأبارك العالم. سأسرقُ مفاتيح طروادة الحصينة من تحت وسادة الآلهة وأسلمُها لجموع الغاضبين الذين يتأهبون لاقتحامها كخيوط الفجر».

4

صديقي الكبير،

أعودُ إلى الحديث عنك شاعرًا ظل مسكونا بحق القصيدة في استرجاع وظائفها الكشفية والجمالية العالية في كنف ثقافةٍ عرفت، تاريخيا، كيف تُدجِّنُ القول وكيف تحول الشاعرَ إلى مُنشدٍ بائس. لقد ناهضتَ ثقافة زحزحت الشعرَ عن مركز الرؤيا والإبداع والخلق لتجعل منه جرما صغيرًا يدورُ في فلك المذهبيات الجاهزة منذ ترسُّخ الرؤية الإسلامية في طبعتها الرسميَّة التي احتكرت الحديث باسم الحقيقة النهائية للعالم والأشياء. بحثتَ عن سلالتك التي ورثت عنها التمرّدَ والخروج عن نظام الطاعة إيمانا منك بكون الشعر بداية دائمة وسؤالا معرفيا وجماليا يخترقُ الأزمنة والتاريخ ليخلقَ زمنه العموديَّ الخاص بعيدًا عن الجاهز الإيديولوجي. لقد هالك أن يجفَّ الماءُ في عود القصيدة باسم العقائديات المُغلقة أو باسم الحداثة مفهومة على أنها الموقفُ السياسي الطليعيّ الذي يلوي عنقَ اللغة ويحولها إلى زعيق وزبدٍ يرافقُ الحدث. لقد فهمتك جيِّدًا، صديقي، وأنت تريدُ إنقاذ الشعر من أن يطفو على سطح الأحداث والعالم كجثة منتفخة ولكن بلا روح. الإبداعُ حدثٌ بحدِّ ذاته. هكذا تكلمت.

لم تفتنك الحداثة في شكلها المشهديِّ الاستهلاكي الذي تفنن العربُ في جعله قناعا يوهمُ الذاتَ الخائبة بولوجها العصرَ الحديث والإسهام في نقاشاته أو الدخول في هارمونيا إيقاعه الظافر الصاخب. لم يفتنك العابرُ مهما بدا مُجلجلا. لقد أدركت، باكرًا، استقلال الشعر والفن عن ركوب الموجة التي جعلت بعض مُعاصريك ينذرون كتاباتهم لقضايا قصمت ظهورنا ولم تظفر بترياق الخلود في ذاكرة الفن الذي يبقى شاهدًا على أثر أقدام الإنسان في الغبار الكوني. أعتقدُ، صديقي، أنك كنت ضمن القلة التي فهمت، جيِّدًا، أنَّ الفن الكبير ليس إلا محاولة مُضنية في عقد مُصالحةٍ – تبدو شبه مُستحيلة – بين التاريخ والأبدية. وكنت، في هذا، وفيا لبعض الآثار الكبيرة التي استرقت السمع إلى ما «ترسَّبُ في جرة الأزمنة» كما تعبِّرُ بصورة آسرة: ملحمة جلجامش. هوميروس. المتنبي. المعري. بودلير. سان جون بيرس. لقد كنت مُحاورًا كبيرًا للأصوات التي أفلتت من العابر الزائل وعانقت جوهرَ الكينونة الإنسانية المُعذبة في توقها إلى الامتلاء الوجوديِّ بالقرع المأساوي على بوابات المعنى.

لم تفتنك الحداثة – وهي تكرز بالتقدم وتعلنُ شحوبَ وجه المُطلق – عن روح الإبداع باعتباره ما يخترقُ الأزمنة وما يظل مُساءلة دائمة للبدايات التي تكتنز بالسر. هكذا وجدت نفسك أمام ضرورة الانخراط في التاريخ من أجل كسب رهان المثقف الحداثي الطليعي الذي ورث بنية ثقافية تقليدية ماضوية مُتمحورة حول المتعالي الديني من جهةٍ أولى. كما وجدت نفسك، من جهةٍ ثانية، معنيا بتذكير الإبداع الشعري بسفره في الزمن العموديِّ الذي يكفل خلاصه من السقوط في الحدثية العابرة.

سيظل الشعرُ، صديقي الكبير، بوابة مُشرعة على كل ما يهبُ العالمَ الفقيرَ إلى المجاز خبز الحلم وهوس الرِّحلة عبر اللغة إلى لثغة الأشياء. سيظل الشعرُ مقاومة بطولية لسقوط العالم في أحابيل المعنى الواحد، وانتصارًا للكلام الأول أمام تصلب شرايين اللغة وهي ترقدُ كجاريةٍ في سرير المطلق.

لقد تعلمتُ معك أن يكون الشعرُ اكتشافا لا ينتهي لوجه الإنسان الشامل من خلال البحث عن لغةٍ بدئية هي النقيض الكامل للغة المؤسَّسة والإيديولوجية. الإنسان هو اللغة. واللغة هي الإنسان.

تعلمت منك أن أعتبرَ الإيديولوجية وكل منظومات الفكر المغلقة نعاسا للثقافة فيما يظل الشعرُ يقظتها الدائمة المفتوحة على اللعب الكياني الأعمق وتحطيم كل القصور الرملية على شاطئ المعنى ضمن هاجس نيتشوي ظللنا نتقاسمه كرغيفٍ يعبق برائحة التراب في منفى الوجود أو «أرض هجرتنا الدائمة» كما تُعبِّر. تعلمتُ منك الصعلكة الثقافية البهية خارج أسوار طروادة الحصينة التي تأسرُ لغتنا الأولى الجميلة المُختطفة.

5

صديقي الكبير، أعتقدُ أن طروادة لا تزال منيعة أمام الأشعة التي نحملها في ذاتنا للأقبية المظلمة. لا يزال الشعرُ منفيا. مُجددا أسألك: متى يحينُ عهدُ الشعر؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الرواية الجزائرية تتألق في الجائزة العالمية للرواية العربية

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية هذا الثلاثاء، عن الروايات المرشّحة للقائمة الطويلة بدورتها للعام 2020، …

“عيون منصور” الرواية التي أنقذت الأدب الجزائري من الخيبة

فاز الروائي الجزائري رياض جيرو (1970) بجائزة الاكتشاف الأدبي في فرنسا لسنة 2019 ، عن …