الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

اسمي ليلي العبّاسي.. يهودي وجزائري. هل تذكرونني؟

بثينة سرمدة

ليلي العبّاسي

إيلي مويال، أو ليلي العباسي، كما كان يسميه البعض، ذلك الوسيم القادم من مدينة سيدي بلعباس، اعتنق موسيقى الشعبي العريقة، أدى أغانيها بعربية لا غبار عليها، معتزاً دائماً بهوديته، ولعب دوراً، مع آخرين من مجايليه، في تطويرها.

«اسمي العبّاسي»(1897-1967)، هكذا كان إيلي يقدّم نفسه، يشرح بلغة عربية، تظهر فيها لكنة محلية، بأنه من  مدينة سيدي بلعباس، حيث تصالحت الأديان وتصالحت الهويات فصارت مدينة متحرّرة ومتسامحة مع الآخر، واستمرت كذلك إلى سنوات الإرهاب، في تسعينيات القرن الماضي. هذه المدينة التي لم تتنكّر لنفسها، عاشت طويلا كحصن لأطياف الموسيقى المختلفة.

ليلي العباسي تعلّم الموسيقى في أزقة المدينة وحاراتها، كان يغني مع رفاق له من مسلمين، كما كان يغنّي مع أبناء الطائفة اليهودية، في أقاصي صوته، كنّا نسمع تاريخ الطّفولة المغيّبة في سنوات ما قبل الحرب، كان يغني لذكرياته في سيدي بلعباس، والأفق حينها لم يكن واضحاً، خصوصاً أن تطوّرات الأحداث، سنوات الخمسينيات، لم ترحمه، فقد انتهى به المطاف إلى مغادرة بلده، إلى منفى إجباري.

حزن ليلي العباسي كان حزن الأنوثة أمام زحف البداوة على الأخضر، فالتصنيف كان صعباً في تلك المرحلة: أن تكون مع أو ضد الطّرف الأقوى! كان إيلي العبّاسي يريد أن يغني وكفى! لم يكن معنياً، كثيراً، بما يحصل في السّياسة، ولكن، لكونه يهودي، فقد دفع الثّمن، مرغماً، هجر سيدي بلعباس، و«ألجي لابلونش» التي تغنّى بها، وترك خلفه جميلاته في انتظار سيدوم إلى.. الأبد!

اتخاذ موقف بعدم المشاركة في الحرب، مع أي جهة من الجهات، لم يكن – ظاهرياً – موقفاً متزناً، في حرب التحرير الجزائرية، كما إن في تلك المرحلة، كان الغناء الإيديولوجي والثوري اللون الوحيد والأكثر حضوراً، وليلي العبّاسي كان يغني شيئاً آخر، عن الحياة وعن نساء الجزائر وباريس وعن الحبّ في آخر اللحظات من الليل.. والحبّ لم يكن ليعجب الكثيرين طبعاً!

ليلي العبّاسي الذي كان يعزف على الة الكمان، ويغنّي بصوته الممزوج ببحّة، كان ملهمًا لأجيال من مغنيّ ما بعد الاستقلال(1962)، واعتبرت طريقته في الغناء أحد أهم الطرق المطوّرة لأغنية الشعبي في الجزائر، حيث جعلها أقرب من الفرح والبهجة وابتعد بها عن مجرد الذّكر النبوي والمديح الديني، فقد حاول أن يخبر بأسرار الحياة المخفيّة في زمن الحرب البائس.

كان ليلي العبّاسي فرنسياً لأنه اضطر إلى ذلك، لكنه كان يحمل حبّ الجزائر، يحمل حبّ الأرض التي وُلد فيها، غير أن إكراهات الديانة اليهودية وتعقيدات السّياسية جعلته يغادر مكرها لأن جرائم الانتقام، التي تلت سنوات الثورة، لم تترك له بديل.

الفرقة الموسيقية التي كانت تُرافق ليلي العباسي، في الحفلات والسّهرات العائلية، لم تكن تفرق بين أفرادها بحسب عقيدة، كانت مختلطة، لم تكن حينها توجد تصنيفات، من قبيل: موسيقى عربية وموسيقى يهودية، كانت الموسيقى جزائرية وفقط.

وفي كاباريهات «الجزائر»، «طمطم» أو «القصبة»، في باريس، كانت الأغنية المحلية تجد أرضية لها، وهناك كان يهود غادروا وطنهم، منهم ليلي، يستعيدون حنينهم لأرض المنشأ، كانوا يحملون، مرغمين، الجنسية الفرنسية، كما يحمل فار من الحرب رصاصة في ذراعه اليمنى، يحبّون الجزائر، في عمقهم، لكن الخوف من مصير انتقامي كان يحتّم عليهم قبول تلك الرصاصة في جسدهم.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جينيفر تردّ على صاحب أغنية “سكينة الباب يطبطب”

جلال الدّين سماعن من المقولات المشهورة، التي غيّرت مجرى تاريخ بلد بحجم قارة مثل الجزائر، …

ثلجة: لالي يمّا لالي.. ليلة عرسي، لعبولي برأسي!

جلال الدّين سماعن استخبار «لماذا تغني النّساء دائمًا أغان حزينة في ليلة الزّفاف؟» شمس التبريزي …