الجمعة، 28 أبريل 2017

الحج والعمرة اليوم.. تجارة ومخاتلة!

فرحات عثمان
فرحات عثمان

تعدّدت منذ مدّة، وخاصّة هذه الأيام، الدّعاوى لمقاطعة الحج والعمرة باسم الدّين الصحيح.. ولعمري، إنها كلمة حقّ لا يُراد بها الباطل، بل الحقّ، كل الحقّ! فقد حان الأوان لقولها حتى نخلـّص إبريز الإسلام من تبليس نفاق التّجارة بالدّين.

في الفهم الصّحيح للحجّ وللعمرة

الحج هو القصد للزّيارة؛ وهو لغويًا كثرة القصد. وفي تعارف الشّرع الإسلامي، الحجّ هو قصد بيت الله لإقامة النّسك.

أمّا العمرة، فهي الزّيارة أيضًا، وهي تطوّع؛ إلا أنها أصبحت حجًا أصغرا عند معظم الفقهاء. إلا أن الحجّ في الإسلام، أولاً وآخرًا، توحيد الله وعبادته، سواء كان ذلك عند الحنفية (حيث الحجّ هو قصد البيت في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة) أو المالكية (حضور جزء من عرفة ساعة من ليلة النّحر والطّواف سبعا بالبيت والسّعي سبعا بين الصّفا والمروة) أو الشافعية (عبادة تلتزم الوقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة) أو الحنبلية (قصد مكّة لعمل مخصوص في زمن مخصوص).

فما من شكّ أن توحيد الله، ما دامت النّية طيبة، ممكن أيا كان الزّمان والمكان والفعل؛ بل من الثّابت أنه لا حجّ إذا فسدت النية فيه، فصار من باب المداهنة والمراءاة وابتغاء ما في الدنيا من زخرف ومسح للذنوب بما يتوفر من مال. وهذا يناقض نزعة الإسلام التي لا تفرق بين البشر إلا بالتقوى، وليست هي مجرد شعائر بل كسب وعمل حسب مقاصد الشريعة.

ثم إن الحج، خامس أركان الإسلام، هو لمن استطاع إليه سبيلاً، أي لا زيارة إلا عند الاستطاعة. وككلّ شيء في دين القيمة، ليست الاستطاعة مادية فقط، بل ليست هي مادية بتاتًا في أفضل الحالات، إذ تبقى أساسًا معنوية وأخلاقية قبل كل شي. والاستطاعة بمعنى الإطاعة، أي الإجابة؛ فهي إجابة دعاء الله لفعل الخير ونبذ الشر؛ وهل أفضل في ذلك من كفّ اليد واللسان عن الغير، أيا كان فعله؟ فالله هو الوحيد الذي يحاسب ويعاقب أو يعفو ويصفح؛ وخير الوسيلة للحصول على رحمة الله وغفرانه في الإسلام هو العمل لكسبه قولا وفعلا.

لذلك نقول أن الجهاد الحقيقي والزّيارة الأفضل لله والطاعة الأصح له في مجاهدة النفس للحدّ من نوازعها بصفة متواصلة، والإجابة المستدامة طوعًا لما يدعو إليه الإسلام من مكارم أخلاق. فالمطّوعة مثلاً، وهم الذين يتطوّعون بالجهاد الأكبر، هم الذي يطيعون حقًا تعاليم الإسلام، فلا يتلاعبون بها بحجّ ليس القصد منه إلا رغبة فسخ ذنوب لا يفسخها الله في الحقيقة، بل يزيدها إثما بمثل ذاك التّصرّف، إذ فيه المخاتلة والتحايل على الله، بينما حاشى أن ينخدع الله!

لقد جعل البعض ممن يدّعى الإسلام من الحج والعمرة الوجوب الذي لا غاية منه إلا فسخ الذنوب؛ فإذا بنا حيال هذا المسلم الدّعي الذي يعمل، عن قصد أو غير قصد، على نسف دينه يوميا، وكما يشاء ويشتهي، بتصرفات خرقاء ليس فيها إلا الفساد والإفساد. ثم هو بعد ذلك يعتقد بالحجّ والاعتمار أنه يولد من جديد بلا ذنوب، فيدعي التّقوى خداعًا! ليس هذا من التّقوى، بل من تبليس إبليس! هذا المفهوم الخاطىء، المهيمن على العقول لم يعد فيه من الإسلام إلا الرّسم، تسرّب من الإسرائيليات؛ فقد شوّه أهل الإسلام دينهم باستيراد ما يُشبه شعيرة الاعتراف في الدّين المسيحي، فأصبح لنا في الإسلام، لا مجرد كرسي الاعتراف، بل أرضه.

إلى متى، إذن، تكون مكّة، أرض العبادة، بمثابة ذلك الكرسي الذي ينحنى أمامه المسيحي للحصول من رجل الدّين الجالس فوقه على غفران الله لذنوبه وإن كانت من أفحش الفواحش، أي فيه الظّلم للعباد والإفساد في الأرض؟ ومتى كان في الإسلام خليفة لله بعد الرّسول الأكرم، الذي لم يكن له إلا الشّفاعة لعباد الله لا ضمان الغفران الذي هو لله؟

صار الحجّ من باب المداهنة وابتغاء ما في الدّنيا من زخرف ومسح للذّنوب بما يتوفّر من مال
صار الحجّ من باب المداهنة وابتغاء ما في الدّنيا من زخرف ومسح للذّنوب بما يتوفّر من مال

صناعة الحجّ وتجارة العمرة

إن حال الحجّ والعمرة اليوم لجدّ مزرية؛ فالزيارة تقام، أولاً، في ظروف عصيبة، فيها كلّ التجاوزات لحقّ المؤمن لعبادة ربه بكل حرية.

ثم هي، ثانيًا، تقع على أرض أصبحت تُنتهك فيها حقوق المسلم المشروعة رغم أن الله ضمنها؛ فإذا المسلم فيها عديم حقوق المؤمن في الحرية والكرامة، ومنها التساوي بين الجنسين وحريتهما التّامة في المعتقد والرّأي والتّصرّف في حرمة حياتهما الخصوصية بدون رقيب.

لقد أصبح الحج اليوم صناعة والعمرة تجارة، كأن المسلم يمن بهما على الله وهو غني عن العالمين، خاصة الذين يستجيبون لتكليف ويسهون عن تكليف أعظم وأخطر أصبحت مضرته أكبر من نفعه على أهل الدين القيم بما خالطه من تجارة وسياسة.

يقول مثلا أهل الإسلام أن العمرة سنّة ثابتة؛ فهل هي ثابتة حسب نيّة الرّسول(ص) حقًا، أي في ابتغاء وجه الله، لا مسخ الإسلام ومقاصده بالحصول على فسخ ذنوب وفواحش؟ إنّ كلّ سنّة نبوية لا تبقى سنّة واجبة إلا إذا لم تنتف منها النية السليمة؛ فهي التي تضمن أن لا تصبح مجرد حركات آلية ومظاهر كلّها رياء وكذب، وذلك بالحرص عليها في ظروف من النزاهة التامة، ليس فيها أي خدمة لمن يُسيء للإسلام، وإلا انتفت منها كل تقوى. فكما يقال مثلا، أجر العمرة على قدر النصب والنفقة؛ لم لا يكون إذن النصب في فعل الخير والنفقة في مواطن أفضل وأكبر؟ أليس في بلاد الإسلام العديد من الفقراء واليتامى وأبناء السيبل الذين هم، بصريح العبارة شرعًا، أحقّ للمال الذي يخصصه الحاج والمعتمر لزيارة بيت الله؟ أليس مكان بيت الله الحقيقي في قلب المؤمن، كما أن قِبلته في كل مكان ما دامت العبادة صافية لا مخاتلة فيها ولا تبيلس؟

مكّة تقع على أرض أصبحت تُنتهك فيها حقوق المسلم المشروعة
مكّة تقع على أرض أصبحت تُنتهك فيها حقوق المسلم المشروعة

لذلك، وباسم الاجتهاد الذي بدونه يندثر ديننا ليصبح غريبا كما بدأ – لا قدرّ الله – ومن باب أن الخطأ مع حسن النية أفضل في الدين القيم من التقليد المضر به، لَمِن الإسلام القول أن الإيمان الصّحيح اليوم في الامتناع عن الحج وعن العمرة ما داما يتمان في أفظع الظروف.

ليتم أولاً الفصل بين الدين وبين السياسة، كأن يُعنى بالحج والعمرة أهل من الإسلام نزهاء، يتطوّعون لخدمة دينهم بصفاء نية وصدق سريرة، بعيدا عن زخرف الدنيا، من أهل الحسنى كصوفية الحقائق! عندها، بالإمكان السّعي للعودة بالحجّ والعمرة إلى فهمهما الصحيح، أي ابتغاء وجه الله.

في انتظار ذلك، ليكون حجّ الناس وعمرتهم بالفعل التقي والكسب في إطعام وإكساء المساكين أو الزيادة فيه نظرًا لاستشراء الفقر المدقع، وأيضًا في الكلام الطيّب والعمل الصّادق بكفّ اليد واللسان عن الغير، إذ في ذلك أفضل التّقوى.

زيارة الله في كل هذا لا تحتاج إلى مال، بل هي متوفرة لكل مؤمن حتى ينتفع به كل مؤمن محتاج. إذن، كيف يمتنع المسلم عن ذلك وفيه أقرب الوسائل وأضمنها للقاء الله يوميًا ومناجاته؟ وهل نحن بحاجة إلى إعادة التّذكير أنه لا حجاب بين الله وقلب العبد المؤمن الصّادق السريرة؟

فعل ما ذكّرنا به أعلاه لمن صفوة التقوى التي تفرض نفسها على ضمير المؤمن النزيه، إذ الإيمان الصّادق أن يأخذ العبد بما يمليه عليه ضميره معتمدًا في ذلك على أخلاق الدّين القيّم ومكارمها ليتمّمها كما فعل الرّسول الكريم.

يتبع..

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آسيا جبار، 1985

آسيا جبار.. غريبة كجناحي سنونوة

  مرّت، الشّهر الماضي، الذّكرى الثّانية لرحيل الرّوائية الكبيرة آسيا جبار (1936-2015) في صمت غريب.. …

غحسان الجرفي

عندما تطلب السّماء.. إبطال تجريم المثلية

أظهرنا في طروحات سبقت أن تجريم المثلية غير وارد لا في القرآن ولا في السّنة …