السبت، 24 أغسطس 2019

مع نورالدين عبّة.. في رحلة الشّعر والمسرح والحياة

نورالدين عبّة

بتاريخ 9 مارس 1979، نشر الصّحافي والقاصّ مرزاق بقطاش(1945)، في صحيفة «المجاهد الأسبوعي»، مقابلة، نظنّها الوحيدة، التي أُجريت مع شاعر جزائري مهمّ، لم ينل حقّه من الترويج، وهو نور الدّين عبّة(1921-1996). هذه المقابلة الصّحافية تعتبر من الوثائق الأدبية المهمّة، التي تؤرخ لسيرة واحد من أهمّ الشّعراء الجزائريين.

«كيف أعرّف بهذا الشّاعر المسرحي، وأنا أكاد أجهل كلّ شيء عنه؟ طرحت هذا السّؤال، وما في جعبتي سوى مجموعة من الدّواوين والمسرحيات، التي لم أقرأها بعد، هذا إذا لم أقل لما أتصفّحها. ووجدت أن خير طريقة أتعرّف بها عليه، وأنقل محصلتها إلى القارئ، هي فتح مجال له للتّحدث عن نفسه، على هواه، دون أيّة محاولة توليدية منّي، وبالفعل، لم لا أترك نور الدين عبة، يتحدّث على سجيته؟ إنه إنسان يمتزج في أعماقه الشّعر والمسرح والتّجربة الحياتية العريضة، التي بدأت ذات يوم من سنة 1921 بمدينة سطيف.

في صوته نبرة ورنين، يذكران بأقطاب الممثّلين من جمعية الكوميدي فرانسيز. وتتأكّد، لأوّل وهلة، أنه لا يتصنّع في إلقائه ذاك، والسّبب واضح جداً، لقد عايش هؤلاء النّاس خمسا وثلاثين سنة كاملة، فلا عجب أن يكون جزءًا منهم في جانب النّطق باللغة الفرنسية على الأقل. انظر إليه ملياً، وأحاول أن أفصل الإنسان عن الشّاعر والمسرحي، وسرعان ما أتدارك موقفي هذا، وهل يكون الإنسان إلا شاعرًا؟ وهل يكون الشّاعر إلّا إنسانًا ؟ ما العمل إذاً؟

ويأتيني الجواب على أجنحة من البساطة والحكمة:«إنها حياة بدون مشاكل، امرأة واحدة، صداقة واحدة، موهبة واحدة، لقد عملت ما أحببته في حياتي». وهل يستطيع الإنسان المراوغة والمدارة مدة طويلة؟ لو كشفت القشرة التي تغلّف إجابة شاعرنا هذا، لوقفت على الحقيقة الملتهبة. فحياته أبعد ما تكون عن المشاكل، لسببين واضحين، أوّلهما أنه جاء إلى الوجود، والاستعمار الفرنسي في عزّ القوة والجبروت، وثانيهما أنه ينطوي على نفس حسّاسة مرهفة. ترصد أدقّ الخلجات في الصّدر الإنساني وفي الواقع المحيط به.

وكان من الطّبيعي إذًا، أن يبادر شاعرنا إلى فضح معالم الزّيف منذ سنته الأولى، وها هو دون التّاسعة عشر، يفوز بالجائزة الشعرية الأولى سنة 1940، ويتحدّى الفرنسيين في عقر دارهم، وفي قلب لغتهم، وينشر ديوانه الشّعري الأول. على أن نور الدين عبة، لم يكن شاعرًا يأخذ بالمفاهيم الرومانسية، التي نجدها عند أغلب الشعراء الذين ظهروا في أواخر الثلاثينيات، لقد كان يطأ الأرض الفرنسية، وهو يحمل همًّا قومياً عظيماً، يزلزل أقطار نفسه.

«لقد وُلدت بين استسلام الفقراء ووقاحة الأثرياء»، هذا هو الدّفع الحقيقي الذي مكنه من تبيّن الحقائق من حوله، ومن ثمّ، كانت مفاهيمه الوطنية جامحة، لا تتوقّف عند حدّ معيّن، وكان عليه أن يقذف ما في جوفه من حمم لا تبق ولا تذر. وأنّى له آنذاك أن يحقق ما يريده، والحركة الوطنية تشهد مسارها الأول، نحو التوحّد والشّمول، وكيف لأفكاره الجامحة أن تتخذ طريقًا أقرب إلى الرزانة وإلى الجدّية؟

غير أن الجواب عن ذلك الصّخب الذي يعتمل في أعماقه كان موجودًا في حركة المجتمع الإنساني ذاته. كان العالم يمرّ بأشياء تكشف عن الاضطراب الذي سقط فيه العالم الغربي الرّأسمالي، وما كان للشّاعر من وقت ليعلّل فيه ظواهر ذلك الاضطراب، لأن النتيجة سرعان ما ظهرت على اللوح الإلكتروني التّاريخي: إنّها الحرب.

ولم لا يذهب الشّاعر إلى الحرب، والوعد قاطع بأن الاستعمار سيرتدّ عن هذه الأرض بمجرد أن يتحرّر من شبح النازية؟ ويدفعه حماسه إلى أن يتجنّد، وما أطرف عملية التّجنيد تلك؟ كانت فرنسا في حاجة إلى 300 ألف جندي من شمال إفريقيا، فإذا بـ 600 ألف يختلفون إلى أبواب الثّكنات، عساهم يحصلون على البزّة العسكرية والبندقية، طمعًا في الخلاص القريب من وطأة الناّزية والاستعمار في وقت واحد. وهل غير القُرعة سبيلاً إلى الفصل في الأمر؟ ودارت عجلة القرعة، فكان شاعرنا من بين الذين كُتب عليهم، أن يخوضوا غمار الحرب في تونس، وفي فرنسا وفي ألمانيا بالذات، من سنة 1941 إلى غاية 1945.

وأسال نور الدين عبة، عن الحرب وأحوالها، لا أهوالها، فيجيبني بأنه لم يقتل أحدًا خلال أربع سنوات كاملة، ثم يضيف ضاحكًا، بأنه إذا وجد هناك إنسان أعرج، فلعله يكون السّبب في عرجه ذاك، لأنه لم يكن يحسن تصويب النّار. غريب أمر صاحبنا هذا، أليس كذلك؟ وطنيته لا حدود لها، ولكنه لا يعرف كيف يخدمها بالبندقية والنّار. لذلك تعيّن عليه أن يعود إلى القلم.

ويُعفى من الجندية، ويستأنف دراسة الحقوق في جامعة باريس، ويلتقي بفتاة باريسية لا تزال تصحبه إلى يومنا هذا، إلا أن الحرب كانت قد قلّمت أظافر شاعرنا، تلك الأظافر التي كانت تنمو في شتّى الاتجاهات. لقد تعلّم المفاهيم الوطنية الحقيقية، وأدرك على حدّ تعبيره: «أنه لا يمكن أن توجد وطنية غير مرتبطة بوطنية أخرى». ومن ثمّ، لم تعد الجزائر محلّ اهتمامه الوحيد، بل اتّسعت رقعة هذا الاهتمام، لتشمل الهند الصّينية، تلكم المنطقة النّائية، التي كانت تشهد البداية الأولى من حرب ضروس ضد الاستعمار الفرنسي، فالأمبريالية العالمية.

النسخة الورقية من الموضوع

وهل يهدأ بال لشاعرنا هذا، وقد وطد العلاقة بينه وبين كل حركة تحرّرية، تنشأ على صدر الأرض؟ ها هي الحرب تنتهي بسقوط النّازية، وظهور محاور جديدة. ويقول في هذا الصّدد أن الحظّ الأكبر في حياته، واتاه يوم ذهب لحضور محاكمات النازيين في نورمبيرغ. وحكاية المحاكمة هذه، يرويها نور الدين عبة، بصوت تمثيلي رائع. كان أحد المحامين يبحث عن سكرتير يجيد الألمانية، فسارع الشّاعر إليه، على أساس أنه الشّخص الذي يبحث عنه، وعندما بدأ استنطاق أقطاب النازية، اعترف نور الدين عبة، بأنه لا يعرف إلا كلمات قليلة باللغة الألمانية، فثارت ثائرة المحامي. ومن حقّه أن يثور، لأنه كان أمام قضية العمر، كما يُقال، إلا أن نور الدين عبة، رأى أن من حقّه أن يثور أيضًا، كيف لا، وهو جزائري خبر المأساة جسدا وروحا، في أرضه الأم، وفي أراضي أخرى من أوروبا. وكان إصراره على حضور محاكمة أقطاب النازية، نوعًا من الكفاح ضد جبابرة الأرض، كيفما كان شكلهم، وأينما كانوا. فالعالم لم يعد بعد الحرب، مثلما كان عليه فيما مضى، بل ازداد توتّرًا وصخبًا، مما دفع بالشاعر إلى القول أمام المحامي: «إنني جزائري، ولعلك تعلم ما تعنيه هذه الكلمة، ويبدو لي الآن، أن مصير العالم مطروح على طاولة الفرد، إنني أحسّ بتطاير صمام الأمان من غطاء العالم». ولم يكن أمام المحامي سوى أن يقبل بآرائه تلك، ويطلب منه الترجمة إلى اللغة الانجليزية، ويوظف سكرتيرا آخر يجيد الألمانية.

وتنتهي محاكمة نورمبيرغ، وتصدر الأحكام بالإعدام، وتصدر في الوقت ذاته الأجزاء الأربعة والأربعون، التي تضم الاستنطاقات والمداولات والمرافعات، إلا أن فرنسا سرعان ما تبادر إلى حجز ذلك الجزء، الذي يردّ فيه «جورينج» وزير هتلر، التّهمة بالتّهمة، فهو الآخر كان يعرف الأشياء الكثيرة عن جرائم فرنسا، في مستعمراتها بالجزائر، وفي الهند الصينية على الخصوص، وهذا أمر لم تكن لترضى عنه فرنسا.

ويعود نور الدين عبة إلى باريس، وينتسب إلى هيئة تحرير «باري سوار»، ليبقى فيها أربع سنوات كاملة، ويؤدّي به عمله الصّحافي هذا، إلى تغطية العديد من المحاكمات التي كانت من بينها قضية شتريتورف، تلك القضية التي شغلت الرأي الأوروبي زمنًا طويلاً، وقد كانت تتمحور حول استنطاق الأطباء النازيين، الذين كانوا يقومون بتجاربهم العلمية بتعقيم النسوة الغجريات، كمرحلة أولى، لتشمل فيما بعد بقية النساء الأوروبيات، تبعًا للمخطط الذي سطره أقطاب النّازية للسّيطرة على العالم، ولصنع بشرية على شاكلتهم.

و تزداد همّة شاعرنا في مقاومة أسباب الشّر، والجبروت، فيضع خطواته الأول في دنيا المسرح، ويكتب عن تجاربه مع النّازية ثلاث مسرحيات، أهمها «هزيمة الرايخ الثّالث»، وأحاول أن أستفسر منه النّقلة من الشّعر إلى المسرح، فيؤكد بأنهما متلازمان، منذ أن عرف الإنسان طريقه إلى الفنّ.

ويلاحظ مع مرور الزّمن أنه لا يعرف الشّيء الكثير عن الحضارة العربية الإسلامية، فيدرس التّاريخ الأندلسي، ويشعر بأن عليه أن يتحدّث عن مآثر أجداده، في هذه المنطقة من العالم، وتراه يبادر في كتابة مسرحية تحت عنوان «زرياب السّاحر»، ثم يتعرّف على الممثل الفرنسي النابغة بيار قريني، الذي يضع مقدمة لمسرحيته هذه، كدليل على إعجاب بالكاتب وبالمسرحية، غير أن شاعرنا يتلقّى نقدًا عنيفًا، من قِبل بعض الشوفينيين، الذين يجهلون كلّ شيء عن العرب، لقد ساءهم أن يكون زرياب فنانًا، ساهم في دفع الحضارة الأندلسية، وأنكروا عليه قوله بأنه أبدع أشياء عديدة، ذات العلاقة بالتّرف الحضاري والمباهج المعيشية، ويردّ عليهم نورالدين عبة، بأن زرياب لا يقلّ عظمة عن جان كوكتو، إن لم يكن أعظم منه، لقد كان فنانًا متعدّد المواهب، وعاش في عصر، هو أرقى العصور، التي عرفتها الحضارة العربية الإسلامية، فهل من عجب أن يتألّق في مضمار الشّؤون الحضارية؟

ويأخذ بيار قريني إلى جانبه، ويعطيه الدّور الثّالث في مسرحية «هو ذا النّهار يطلع»، ويقول نور الدين عن صديقه، بأنه تركه يمثّل معه، لكي يتعلّم دقائق المسرح، ومن ذا الذي كان يحظى بالتّمثيل إلى جانب نابغة فرنسا آنذاك؟ ولا يطلع نهار اليوم التّالي، إلا و 1 صحيفة فرنسية، تنوّه بالّدور الذي اضطلع به نور الدين عبة، بل ذهب البعض منها إلى أنّه طغى على بيار قريني نفسه.

وتتعدّد اهتمامات نور الدين عبة، فيكتب للمسرح، وينظم القصيدة تلو القصيدة، ثم ينضم إلى لجنّة الأدب، التابعة لمجلة «حاضر أفريقيا»، إلى جانب الأستاذ مصطفى الأشرف، ويقوم الأستاذ محيي الدين بشطارزي، في سنة 1954، بترجمة مسرحيته «زرياب السّاحر»، وتمثيلها في الإذاعة الجزائرية.

وتنفجر ثورة نوفمبر، فيتفاعل معها الشّاعر، بعد أن كان في انتظارها منذ زمن طويل».

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الدّمية «باربي» تلبس الحجاب؟!

باربي، هي واحدة من أكثر الدّمى شهرة، في العالم، بيعت منها أكثر من مليار ونصف …

بالفيديو.. العب شطرنج على الفايسبوك

في الفايسبوك، توجد كثير من الألعاب، ومن التّطبيقات الخفيّة، من بينها لعبة شطرنج، التي أطلقتها …