الخميس، 24 أكتوبر 2019

حقائق تاريخية محيّرة.. عبد يحكم وقهواجي يأمُر

رشيد فيلالي

من طرائف التّاريخ أن يحكم مصر لمدّة تزيد عن عشرين سنة رجل من عبيد الحبشة، مخصيّ ودميم الخلقة ومشوّه الوجه.

سُميّ بأبي المسك للون بشرته (على طريقة عنترة بن شداد!) كما سُميّ أيضًا «كافور» رغم أن هذه المادة العطرية بيضاء اللون ولا علاقة بين الشّخص والاسم، اللهم إلا إذا كان الغرض منها التّيمن أو الاستهزاء!

إنه كما هو واضح كافور الإخشيدي، الذي ارتقى من مجرد عبد مجهول النّسب، يسترزق من مهنة عصر الزّيت إلى أمير متوّج، يحكم مصر وسورية في القرن العاشر.

كانت فترة حكمه، كما يجمع على ذلك المؤرخون، مزدهرة وعامرة بالعدل والخير، حتى أنّه أكرم العلماء والأدباء والفنانين وقصّته مع المتنبي معروفة، حيث سافر هذا الشّاعر الكبير إلى مصر طمعًا في الحصول على مسؤولية عليا بها غير أن كافور أجزل له العطاء ومنحه سكنًا فاخرًا وخدمًا ولكنه لم يمنحه أيّ منصب مسؤولية، كما تمنّى ذلك، لكونه في نظره كان يدعي النبوة وقد هجاه المتنبي على إثرها بقصائد جارحة ونعوت غاية في القبح والتّشنيع.

«القهواجي» الذي سجد له الشّرق!

ليست في الحقيقة قصة كافور الإخشيدي وحيدة في تفرّدها وغرابتها، حيث هناك في التّاريخ سيّر أخرى لأشخاص من هذا القبيل.

في الجزائر مثلاً، نجد سيرة صالح باي الذي حكم قسنطينة لمدة تماثل تقريبًا الفترة الزمنية التي حكمها كافور الأثيوبي في مصر وسورية(1771-1792)، حيث اشتهرت قسنطينة في عهده بازدهارها وانتعاش اقتصادها وتطوّر بنيتها التحتية.

غير أن الغريب في قصّة الرجل أن هذا الباي بدأ حياته يعمل «قهواجي» في ثكنة بالعاصمة، إذ بعد مجيئه إلى الجزائر من مدينته التي وُلد بها وهي إزمير التّركية، قصد الانتساب للجيش الانكشاري، تمّ له ذلك وارتقى حتى وصل منصب الآغا(جنرال) وهو أعلى منصب في الجيش المذكور، قبل أن يحظى بمنصب الباي والذي مع الأسف كانت له نهاية مأساوية، على غرار العدد الأكبر من بايات قسنطينة، حيث أُعدم شنقًا من طرف داي الجزائر العاصمة وتجهل أسباب ذلك.

وقيل بأنه أراد أن يستأثر بأملاك «بايلك الشّرق» وقيل أن الأولياء الصّالحين هم الذين دعوا بهلاكه لأنّه قتل بعضهم، ومنهم حسب بعض الروايات «المرابط لغراب» وقيل بأن عائلة بن قانة وهي من أشهر العائلات بقسنطينة وبسكرة والشّرق عموما هي التي تآمرت على قتله، بعدما حرمها من منصب شيخ العرب في قسنطينة (المير).

وثمة روايات أخرى كثيرة حول أسباب نهاية صالح باي المأساوية، لكن ما يهمنا نحن هو لغز تحوّل «قهواجي» بسيط إلى حاكم لأقوى مدن وعواصم الشّرق الجزائري وأهمها على المستوى الاستراتيجي؟

«قهواجي» بسيط تحوّل إلى حاكم لأقوى مدن وعواصم الشّرق الجزائري

أميرة يهودية نال بسببها صحابي أجر شهادتين!

لعل القصّة الموالية ورغم اختلافها من حيث المضمون إلا أنه يمكن إضافتها ضمن هذا السّياق، من باب الاطلاع على مفاصل تاريخية لها دلالاتها وخلفياتها المؤثّرة في مصائر الأمم، ومن هنا لا عجب أن نتحدّث عن صاحبة الاسم الطريف جدًا «بنانة».

نقصد بها زوجة رئيس قبيلة بني قريظة اليهودية التي خانت العهد مع الرسول(ص) وتآمرت مع أعدائه، ولما أمر بقتل أفرادها جميعًا باستثناء النّساء والأطفال قامت هذه المرأة بشج رأس أحد الصحابة وهو خلاد بن سويد بواسطة حجر رحى فقتلته.

ولكونه مات غدرًا، فقد قال عنه الرسول(ص) بأنه نال أجر شهيدين، وقد وصف البعض سلوك هذه المرأة بالشّجاعة والثّبات والإخلاص للانتماء، لكن في كل الأحوال فإن من يخون عهد الأمان قد وضع مصيره بين كفيه.

كنيسة سبق وأن صلّى فيها عمر بن الخطاب وفرض على المسلمين في عصره احترامها

الحرف الذي حوّل المدنس إلى مقدّس!

لن أختم هذه الوقفة دون الحديث أيضًا عن سرّ من الأسرار اللغوية العجيبة، وكيف أن حرفًا واحدًا استطاع أن يحوّل المدّنس إلى مقدّس!

ولعل هناك من لا يعرف بأن «كنيسة القيامة» في فلسطين، وهي أشهر الأماكن المقدّسة لدى المسيحيين، لكونها تحتوي حسب اعتقادهم على قبر السيد المسيح عليه السّلام  في بيت المقدس.

كانت هذه الكنيسة في الأصل تسمى «كنيسة القُمامة!« أو بتسمية أصحّ «كنيسة قُمامة«، من دون الألف واللام؟!

ويمكن التّأكد من ذلك من النّصوص التاريخية القديمة، مثلاً نصوص بن خلدون، وتعود أسباب التسمية الأولى إلى كون المكان المعني بحديثنا كان عبارة عن قُمامة يرمي اليهود به قاذوراتهم وأوساخهم فيه، قبل أن يتمّ تنظيف مكان القبر المقدّس، في القرن الثّامن، من طرف الرومان وتشييد كنيسة الجلجلة أو «كنيسة القيامة» كما تسمى الآن (The Church of Resurrection)  من طرف القديسة هيلانة أم الإمبراطور الروماني قسطنطين.

غير أن الطّاغية السّلطان الفاطمي الحاكم بأمر الله (معبود الدروز!) قام في القرن الحادي عشر بتهديم الكنيسة التي سبق وأن صلّى فيها عمر بن الخطاب وفرض على المسلمين في عصره احترامها والحفاظ عليها،  وبعدها بسنوات تمّ إعادة بناؤها مرّة أخرى إبان الغزو الصليبي.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …