السبت، 20 يوليو 2019

رشيد بوجدرة ينقلب على نفسه

سعيد خطيبي

رشيد بوجدرة الذي بدأ حياته الأدبية، وهو في العشرينيات من العمر، ﺒ«قتله للأب»، ينقلب، في خريف العمر، على نفسه، وينصّب نفسه «أباً» على كتّاب آخرين.

حين بلغ هنري ميلر الثّمانين، قدّم «اعترافات» أدبية ناصعة، ومثله فعل أمبرتو إيكو، في السّن نفسها، وكتب بلباقة «اعترافات روائي ناشئ»، أما رشيد بوجدرة(1941-)، ومع اقترابه من الثّمانين، قرّر أن يهدم كلّ الأشياء الجميلة التي جاءت من بعده، بدءًا من تحامله، غير المبرّر، على بوعلام صنصال إلى تماديه في انتقاد كمال داود، وذلك من دون أن يقرأ روايته.

تجربة بوجدرة الرّوائية هي التّجربة الأكثر اكتمالاً، في الجزائر، وكان يمكن لها أن تستمر وترقى، كما حصل مع آسيا جبّار مثلاً، لكنها تراخت، مع بداية التّسعينيات، حين كتب بوجدرة «فيس الحقد»، ونسي أن يجنّب نفسه الوقوع في «الحقد» الذي تأسّس عليه الإسلامويون، في البلد. هكذا تخلّى، في التسعينيات، عن عشرين عاماً من الإبداع، ومن الحرية، اصطفّ مع خطاب السّلطة المبتذل، وركب سفينة الجنرالات، تحت شعار «مواجهة الأصولية».

ليس أسوأ من كاتب يخذل نفسه، وليس أسوأ من أن يقرأ قارئ نصاً لبوجدرة بالعربية، خصوصاً مقالاته بالعربية، التي ليست سوى رصفاً لكلمات، فرشيد بوجدرة جاء من فضاء محليّ متعدّد، وبلسان فرنسي متين، غير أنه سقط في «نرجسية» الكتابة بالعربية، فأضاع وقتاً في مشروع لم يفلح فيه قط.

طيلة سنوات، كان رشيد بوجدرة يستيقظ، صباحاً، ليمارس مهنته الأثيرة: التّقليل من شأن كلّ كاتب صاعد، لا يهمّ إن كان كاتباً شاباً أو كهلاً، فقد تحامل على ياسمينة خضرا، على سليم باشي، بوعلام صنصال، كمال داود، والقائمة طويلة، وكان دائماً الصّحافيون ضحاياه المفضّلون، كلّما كتب صحافي رواية، ردّ عليه بوجدرة بعبارته الشّهيرة: «فلان كتابته صحافية»، متناسياً في غمرة «حقده» المبتدع أن الأدب والصّحافة توأم، وأن من أنقذ الأدب الجزائري من التّرهل هم كتّاب صحافيون: من كاتب ياسين ومحمد ديب إلى كمال داود، مروراً بالطّاهر جاعوط، حميدة عياشي، شوقي عماري، حميد عبد القادر، مصطفى بن فضيل وغيرهم، وأن كتاباً عالمياً خرجوا من رحم الصّحافة: غابريال غارسيا ماركيز، أورهان باموق، سفيتلانا ألكسيفيتش..

غالبية الأسماء التي «اعتدى» عليها رشيد بوجدرة هي من كتّاب كبروا على رواياته، فمن النّادر أن نجد كاتباً واحداً، في الجزائر، لم يقرأ لبوجدرة، حتّى الأجيال الشّابة ما تزال تقرأ له، فروايات مثل «الطّلاق» أو «الحلزون العنيد» أو «ضربة الجزاء»، هي جزء ثابت من الذّاكرة الأدبية، ليس الذّاكرة الجزائرية فقط، بل المغاربية أيضاً، فهل انتبه بوجدرة/ الحاقد أنه يُسيء فقط لبوجدرة/ الكاتب؟

العام الماضي، شاهدنا رشيد بوجدرة كمُراهق، في حوار تلفزيوني، مع صحافية شابّة، تركته يؤذي نفسه بنفسه، ثمّ ذهب إلى فندق خمسة نجوم، في وهران، ليعتذر عن خطأ لم يفعله. إن هكذا مشاهد هزلية تحصل مع كاتب كبير، في أرذل العمر، مثل رشيد بوجدرة، تجعلنا نتوقّف للتّساؤل: هل بوجدرة الذي كتب روائع روائية، قبل أربعين عاماً، هو نفسه بوجدرة الذي نعرفه اليوم؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …