الجمعة، 23 أغسطس 2019

وردة حمراء على قبر صافية كتو

 

صافية كتو

في آخر قصيدة لها، كتبت الشّاعرة صافية كتو (1944 -1989) ما يُشبه الوصية الأخيرة التي ضمّنتها رؤيتها للكون والوجود، واضعة حداً للتّزلّف والنّفاق الذي طبع الكثير من سلوكات البعض من محيطها القريب أو البعيد.

فقد كانت ترى أن طبائعهم الخسيسة لا تنسجم مع أهوائها وفطرتها المجبولة على النّقاء والطُهرانية، بعيداً عن زيف الواقع وكثرة الأقنعة التي يتّشح  بها  ممّن رافقها، لذا قررت الانسحاب دون جلبة أو ضجيج عن عالم أرضي ملوّث بالضّغائن والجبن والكراهية، مُفضلةً العزلة والإرتكان إلى كوكبها البنفسجي.

لقد فضّلت الموت بصمت مُدوي، ذات أحد مطير شَتويّ، يوم 29 جانفي 1989، فيما البلد – وقتئذ – يشهد اضطرابا وغليانا، سياسياً خطيرًا..

فهل قدر الشّعراء أن تتحوّل أرواحهم إلى قرابين على مذبح الحرية.. وأن يتحملوا – لوحدهم – أعباء حمل الصّليب من أجل الآخرين، إرهاصاً واستشفافاً لأزمنة قادمة، تكون فيها الكرامة الإنسانية مصُونة.. لا يتهددُهاَ أيُّ خطر؟

تقول الشّاعرة (اسمها الحقيقي زهرة رابحي) في قصيدتها، التي ترجمتها للعربية الشاعرة جمانة حداد، في كتابها «سيجيء الموت وستكون له عيناك»: «إذا متُ بينكُم يوماً.. ولكن أَتُراني سأموت حقاً؟.. لا تتلوا من أجلي آيات القرآن..  دعوهُ لمن يُتاجرُ به.. لا تحجزوا لي فدّانين  من فردوسكم.. فدَّان واحد يكفي لسعادتي.. لا تنثروا على قبري بذور التين المُجففة.. كي تأتيَّ طيور السّماء وتأكلها.. الأحرَى أن تَمنحوها للبشر.. ».

بمثل هذه الجرأة الصّادقة والنّبرة الحادّة، التي لا تعرف لغة التّواري وارتداء الأقنعة في كلّ موقع ومناسبة.. وإلاَّ كيف أُفسر – وقد أكون على خطأ – حجم الفتور والخيبة التي حَظيت به الشاعرة أثناء استقبال جثمانها وهي تعودُ محمّلةً على الأكتاف إلى مسقط رأسها ومرتع طفولتها الأولي بمدينة العين الصفراء، بموكب جنائزي قليل العدد، إذ اشتدَّ اللغطُ والجدل حينها، وتعالت صيحات البعض ممَن أعرض عن  دفنها والصّلاة عليها، مُتناسين أصالة هذه الشاعرة التي تغنّت بشموس وكثبان هذه المدينة ولياليها الدافئة. ومُتغافلينَ – في الوقت نفسه – عن مبدأ الحرية الذي دفعت نفسها فداء لها..

ولعل الشاعرة كانت تسخر من موقف هؤلاء؟ بقولها: «وفروا دموعكم وأدعيتكم واحتفظوا بأدعيتكم وزيفكم، فما عُدت بحاجة إليها».

لكن، إصرار الرفقاء آنذاك كان عظيماً بما لا يدع مجالاً للتشكيك في هُوية هذه المرأة التي ارتبطت  أكثر بقيمها وعاداتها وبتربة بلدها الزّكي، فها هي تُؤثر العودة من جديد إلى مهبط الولادة الأولى والرّحم الأصلي، الذي شهد شقاوة الصّبا وبراءة طفولتها الغابرة..

لقد كانت كما يقول عنها الكاتب الجزائري حسن بوساحة: «مثالاً للبساطة والوداعة.. ولأشياء أخرى. غامضةً غُموض أويتها المزمنة.. وهي إذ تُوصدُ اليوم، أبواب الصّمت لتلتحق بكوكبها البنفسجي، فقد ظلّت طوال حياتها إنسانة بكل جوارحها، تحملُ ماضيها وحاضرها ومستقبلها على كاهلها وتجوب أصقاع الأرض، تريدُ أن تلجا إلى مكان تدفن فيه عفونة الزّمن الملوث»..

إن النهاية المأساوية التي آلت إليها صافية كتو، بقدر ما هي قرار فردي مؤلم، بقدر ما هي تعبير صارخ عن مآسينا جميعاً، في وقت استنفدت فيه القيم وظائفها، وتقلصت جذوة الإبداع من حيث التوهج والفاعلية والعطاء.

ولئن كان موتها – بتلك الطّريقة – كاسراً للقلب ومُدمياً للفؤاد فهو مؤشر دال على مَا وقع – فيما بعد – من وضع كارثي ألمَّ بالمثقفين الجزائريين الذين سقطوا ضحايا التّزمت والتّعصب والانغلاق، وكما يقول الروائي واسيني الأعرج: «إن سقوط شاعرة بحجم صافية كتو ليس من السّهل أن يَمرَ علينا، هكذا كسحابة صيف عابرة، إنه يُشكل إرهاصاً لما حدث فيما بعد للبلد.. تماماً كما الكائنات البريّة التي تتحسسُ عمق الأرض ترقُباً لزلزال وشيك»..

تركت صافية كتو كتابين صدرا في الخارج، هما مجموعتها الشعرية الأولى «القيتارة الصديقة» عام 1979 ومجموعتها القصصية «الكوكب البنفسجي»، صدرت العام 1983 عن دار نعمان للنشر بكندا، فيما لم تُبادر أيُّ جهة – لحد الآن – من إعادة نشر أعمالها في بلدها الأصلي الجزائر.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

العاهرات يعدن هذا الأسبوع

بُترت ساق الطّريق، وانفض من حول الحمام الرّيح، تعكّر مزاج السّماء لكنها رفضت أن تنوح، …

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …