الجمعة، 10 أبريل 2020

نصيرة محمدي تكتب: كجسد مجروح بالحرية

نصيرة محمدي

أنهض صباحاً ليكون أول شيئ يحطّ على وجهي وعيني، ضوء رقيق راقص كبزوغ أول شمس في الكون. أجيل النّظر بكسل واسترخاء في أرجاء الغرفة بستائرها الزرقاء، وأثاثها البسيط كبساطة الأشياء التي تجمّلنا وتحتفي بوجودنا من دون تبجّح أو بهرج، وأتمادى في استلقائي المتأمّل للهواء الذي يتسرّب لطيفاً ودافئاً إلى رئتي وروحي كمن يطمئنني على حياتي التي لم يسرقها سلطان النّوم، ومباغتة الرّحيل أصغي إلى أصوات بعيدة تأتي من مناطق مبهمة لأنتبه إلى ذلك الشّجن الذي يسكن الدّاخل كلما اشتدّت حدّة وتداخل تلك الأصوات، وكلّما استعصى عليّ الإمساك بنقطة التّجلي التي تفتح على الحياة والكتابة.

أنتشي بعطري الذي نام معي وترك آثاره المفعمة بالإغراء والسّحر الذي لا يُفسر إنّما يُعاش فقط بصمت وبهجة. وأسائل قطراته النّدية كم عصارة روح وأحضان قلب اكتملت بهذه الجوهرة التي تلخص في قارورة تنتهك كل ذواتنا العارية لطعنة الجمال ونورها القتال. ومع نداء الشّمس أقفز إلى المطبخ لمجالسة قهوة الصّباح التي لا تضاهي متعتها أي متعة أخرى غير عيني حبيب تشرب من بريقهما كؤوس الفرح. يبدأالحديث مع الجسد وتباشير الصّباح تملأه قوة وعنفوانا لا تكدره إلا وعكات عابرة، تنبّه إلى أن شقّ الهشاشة والقوة متلازمان، وأننا لا نتجدد إلا في المعاناة والسّقطات. جسدي ميراث قرون من الآلام والانتصارات. جسدي مختبر عسير وقاسٍ لأحداث صاخبة وجروح دامية. جسدي الذي عبر جغرافيات وأمكنة وعرة لن يكون حتماً إلا هذا الممتد بأنفة وجموح إلى السّماء والأعالي التي تهزم النّسيان والتّلاشي والصمت. جسدي الرّوح الأخرى الغائبة المنفلتة من سلطة الزّيف والوصاية وتاريخ الاستبداد. جسدي النّار التي أحرقتني وأحرقت بها بلادة التزمّت والنّفاق والازدواجية التي كسرت ظهر الأنثى من نصفها الرّاسخ في العبودية. جسدي قوة الفكر والوعي التي نسفت جبالاً من الأوهام ووحشية القبيلة. جسدي هو أنا الحرية التي أتحسّس عشقها كلّ لحظة وأعشقني بها أكثر.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

ماذا قال كاتب ياسين عن مولود معمري في ذكراه ؟

تعتبر رواية “الربوة المنسية”، أوّل عمل روائي، وأول كتاب أنجزه الكاتب الجزائري مولود معمري (1917-1989)، …

يانيس ريتسوس

قصائد مترجمة ليانيس ريتسوس

ترجمة عن الرومانيّة: يوسف حنا يُعتبر يانيس ريتسوس أحد الشعراء اليونانيين المهمين في القرن العشرين، …