الأحد، 16 يونيو 2019

المرأة الجزائرية.. في متاهات الحداثة والإبداع

 

ملف من إعداد: نصيرة محمدي

في هذا الملف، عن المرأة الجزائرية والإبداع ورهانات الحداثة، ينبّه الباحث قلولي بن ساعد إلى عدم انخراط المثقفات في النّقاش الثقافي، وغياب صوت المرأة المفكّرة مما جعل الظّلم التّاريخي للمرأة مستمرًا أمام انعدام فعل تحرري حقيقي، يهدم مركزية الذكورة ويرسخ العبودية كما يؤكد على ذلك الباحث محمد صلاح قارف.

بينما يُشيد البروفيسور سعيد بوطاجين بالمنجز الذي حققته المرأة في الجزائر، وخاصّة في الأدب، وبتفوّقها في الوطن العربي، من حيث قوّة الحضور والرؤية المتقدّمة، شكلاً ومضمونًا.

كما يهيب الشّاعر محمد الأمين سعيدي بالحضور الأنثوي الذي كسر سلطة الذكورة، معتبرًا أن قلّة من الرّجال انتبهت إلى أنّها تكبر بالمرأة، حقيقة أيّ رجل أنه يولد من المرأة. ويرى الدكتور اسماعيل مهنانة أن كراهية المرأة، أو النّظرة الدونية إليها ظاهرة ثقافية تسم الكثير من الثقافات التي لم تلامس الحداثة. لذلك، تظلّ علاقة المرأة بالرّجل مضطربة ومحكومة بقيم مكرورة ومتوارثة.

 

بن ساعد قلولي

 

 

مفارقة هوياتية أنثوية  

أتصوّر أن بعض التّفهم الذي يبديه المثقّف العربي الرّجل لبعض الوجوه الثقافية النسوية العربية (صحفيات،  مبدعات في القصّة والشعر والرواية، باحثات في الأدب وفي حقول إنتاج المعرفة الإنسانية)، عدم الظّهور بهويتهن المدنية وتجنب المشاركة في التّعبير عن آرائهن ورؤاهن الإبداعية وخوض معركة الوجود والبقاء وتقديم وجهة النظر الأخرى المقصاة من الطّرف الآخر، بالنّظر لسلطة الرّقيب الاجتماعي والخوف من المجتمع الأبوي الذكوري، ومن نداء القبيلة، ولاءات البطش «الستاليني» الناتجة عنها، رغم أن الإسلام كرّم المرأة بموجب النصّ القرآني: «ولهن مثلّ الذي عليهن»، لابدّ وأن يتضاءل قليلاً، في انتظار أن تأخذ المرأة العربية المثقفة والجامعية حقّها من السيادة الرمزية على نفسها، للخروج من هذا النّفق الاجتماعي الذي يكبّلها، لتعلن عن رؤياها وهويتها المدنية من دون التّخفي أو الخوف من المجتمع أو السلطة الذكورية ومن «النقد» الأخلاقي الاجتماعي في تناغمه المفضوح مع التّيار الأرثوذسكي المتلفع برداء الدين ولغة النواهي والرّقابة الاجتماعية الموشّحة  بمساحيق النّفاق الاجتماعي وقيم «الطّاعة الإبداعية» أو مصادر النّسق الثّقافي الأبوي الرّمزي، التي تريد أن تسجن الكتابة بكافة أنواعها الصحافية منها أو الإبداعية أو الفلسفية والسوسيولوجية وغيرها داخل أطواقها المغلقة المحافظة، التي تتنافى مع ثورية الإبداع.

هو ما تريده بالضّبط أنظمة الحكم العربية الشعبوية، التي ليست من مصلحتها أن يحتفظ المجتمع العربي بحقّه المشروع في التحرّر من عقده ومكبوتاته السياسية والاجتماعية والذاتية، كون التحرر السياسي الجذري الصّادم للوعي البائس يبدأ أولاً من تحرر الذًات  في ظلّ مجانية التعليم، وتعدّد قنوات التّكوين والتعليم والتّلقي العلمي والمعرفي، في مجمل الأقطار العربية.. وللأسف الشّديد هذا النوع من «النّقد» الاجتماعي الأخلاقي لم يعد أحيانًا يصدر فقط في حقّ المرأة العربية المثقفة، من قبل رجل الشّارع فقط والفئات الاجتماعية محدودة التكوين، بل نراه في بعض الأحيان يصدر من نفر ممن يوصفون بالمثقفين، الذين يقدّمون بعض النّصوص الحاملة في الظّاهر لقيم التّنوير والحداثة والاختلاف، كنوع من الاستعراض المجاني المشوّه لقيم لا يؤمنون بها، ووجودها على سطح النصّ لا يعدو أن يكون مجرد وجود فيزيائي، لم يتحوّل بعد إلى أن يشكل جزءً من البنية الفكرية لمخيال كاتب النصّ.

إنه الانفصام القائم في لاوعي المثقّف العربي، بما يعني من افتقار المبدع العربي الكليّ للصّدق الفنّي، ولقيمة الانسجام مع الذّات على الصّعيد النفسي.

خطاب الشّفافية والوضوح هو «النصّ الغائب» الذي لم يُكتب بعد عربيًا إلا نادرًا، إنه «الوعي الشّقي»، الذي تحدّث عنه عالم النفس «جان بياجيه»، وأطلق عليه: «الوعي بالازدواجية والتناقض». ثم أليس غريبًا امتنع أستاذة جامعية (وأنا أستخدم هذا المثال في المطلق ولا أعني أستاذة محددة) عن المساهمة في النقاشات الكبرى الثقافية والإعلامية عبر قنوات النشر وتوصيل أفكارها ورؤاها وآرائها، خوفًا من المجتمع ومن السّلطة الأبوية ولا تتجرأ على الإفصاح عن هويتها المدنية وهي التي تقدّم لطلبتها دروسا ومحاضرات، تؤكد على حيثيات ضرورة المنافحة عن الهوية في معناها الشامل لإحداث القطيعة مع رواسب تاريخ القهر النسائي.. لا معنى أبدًا في اعتقادي لهوية نصية دون هوية مدنية.

محمد صالح قارف

 

 

المرأة، المأساة القديمة

ورث العصر الحالي عن العصور السابقة، في تقديري الشّخصي، مأساتيْن قديمتيْن ومتجذرتين في السّلوك البشري: العبودية وعداء المرأة، وقد غيّرت هذه المظلوميات التّاريخية من وجوهها وأصبحت لها أقنعة جديدة في القرون اللاحقة، إلى أن وصلت القرن العشرين بصخبه الأيديولوجي والذي شهد أولى المحاولات الجدّية لرفع شيء من هذا الظّلم الأزلي، إلا أن هذه المحاولات ظلّت، بالنّظر إلى الظّروف حضارية وثقافية عديدة، خاصة بأقطار معينة، ونقصد خصوصًا الغرب التقليدي الذي شهد انجازات معتبرة، خصوصا بالنسبة للمرأة، بالرغم من مبالغات بعض تيارات الحركة النسوية وراديكاليتها، التي أبانت عن كونها ردّ فعل أكثر من فعل تحرري في جوهره؛ في حين ظلّ «بقية العالم» يكرّر وفق منحى سيزيفي هذا الظلم القديم، فإحصاءات منظمة الأمم المتحدة كافية برعبها عن كشف الواقع الذي تقاسيه المرأة في هذه المجتمعات.

تاريخيًا، كان للمرأة حظوتها عند حصول الثورة الأولى، اكتشاف الزّراعة، فقد اتّخذت بدورها الاجتماعي المهم في هذه العملية مركزيّةً أدت إلى ارتقائها مصاف الألوهة في الديانات القديمة – العصر النيوليتي مثلا –، ولم تفقدها سوى عند اكتشاف المعادن، الذي زحزح مركزيتها لصالح الذكر، وهي مركزية كرّستها أغلب الديانات والميثولوجيات اللاحقة بآلاتها الأيديولوجية الضخمة، ومنذ ذلك العصر والمرأة تقبع طرفًا أضعفَ هذا الانقلاب الأنثروبولوجي.

وتعزّزت مركزية الذكر بالعادات الاجتماعية للبيئات المختلفة، وظهر جليًا تبلور إجماع على شطب المرأة، حضورها، حقوقها، وحتى جسدها في مجتمعات صارت أشبه بمناطق الوسم (marquage du territoire) الذّكورية.

عربيًا، حتى داخل خطابات الحداثوية العربية، كانت قضية المرأة أقرب إلى الترف النضالي منها إلى قضية ذات أولوية كبرى، واحتلت ركنًا ضيقًا في صراع تمحور أساسًا حول الّسلطة، إذ أن المعارضة في الدّول العربية في عمومها لم تكن سوى صور بِدئية عن الأنظمة التي أوجدتها، ناهيك عن نقيض السلطة الأيديولوجي، المعارضة الأصولية التي تمثّل ذلك الماضي الذي يرفض أن يغيب.

في الجزائر، أين تمثّل المرأة أكثر من نصف السكان، فيمكن القول بشيء من التفاؤل، أن القانون المعتمد مؤخرًا في حماية المرأة انجاز مهمّ في المسيرة القصيرة للنضال النسوي، وهو تفاؤل حاصره التشنج الذي رافق اعتماده في البرلمان، ولم يفضّه سوى الحادثة المؤلمة التي كانت ضحيتها رزيقة شريف من ولاية المسيلة، أين أبانت السلطة التنفيذية، في سابقة لا تحدث إلا في بلد مثل الجزائر، عن تقدمية وتنويرية تستحق الإشادة بإزاء من وُصفوا بـ«ممثلي الشعب» الذي عارض قسم منهم هذا القانون جهرة مدافعين في المحصلة عن «حقّ في الضرب والتعنيف».

مع ذلك، بقي هذا القانون على مستوى إجرائي وقانوني فقط، في ظلّ ضعف المؤسسات المدنية وتراجع النخب المثقفة، مع محاولات جادة لتأصيله فكريًا ومجتمعيًا وتفكيك حملة الشيطنة، التي تقودها بكل أسف أيضاً وسائل إعلامية خاصة، متحالفة مع العقل المؤامراتي والتصوّرات الشعبوية، والتي وقفت بوجه هذا المكسب التاريخي للمرأة الجزائرية.

السعيد بوطاجين

 

 

عصر أنوار، أو ما يشبه ذلك

لم يعد حضور المرأة في الحقل الأدبي ظاهرة استثنائية، كما كان الأمر أثناء الثورة وفي مرحلة الستينيات، بل أصبح حالة متواترة تشكّل مصدرًا مهمّا بالنسبة للقراء والّنقاد على حدّ سواء. ذلك أن الجهد المبذول تجاوز حدود المحاكاة إلى الاستفادة من التّجربة الشّخصية، ومن ثمّ الاشتغال على التّجريب بعد سنين من التأثر، أو من استيراد الإبداع الغيري الذي كان يشكّل، في وقت من الأوقات، منطلقا ونواة.

لقد أظهرت الكتابات الجديدة، بصرف النّظر عن توجهاتها المختلفة، عودة إلى الذّات، في الشّعر والمسرح والقصّة والرّواية، مع بعض التحفّظات التي يمكن أن تطرح أسئلة في الأفق. بيد أن ذلك لم يمنع من ظهور أسماء كثيرة لها طاقة معتبرة على الإبداع، وليس على النّقل. ما يعني أن ثمة جهدا عقليا في التّعامل مع المنجز، مع القضايا الجمالية وإشكالاتها، كما هي متداولة عالميا.

لا يمكن ذكر عينات تمثيلية في هذا المقام لأن ذلك يستدعي جردًا للطّاقات المنتشرة في الوطن العربي. أمّا في الحالة الجزائرية فإن النماذج كثيرة، ومتفوّقة بحيث يستدعي الأمر إعادة النظر في فكرة أدب المرأة، أو في مجموع المقاربات التي ظلّت تعتبر إبداعها شيئًا يحتاج إلى نوع من الشّفقة، والواقع أنّ هذا الموقف لا يمكن تجاهله لأنه كُرّس لفترة طويلة، وعلى كافة الأصعدة.

نلاحظ اليوم، بكثير من التّقدير والإعجاب، أن ما يكتب في الجزائر أصبح تمثيليا، مؤهّلا لأن يقدّم صورة أخرى عن المشهد الأدبي، أو عن تجربة المرأة في هذا الحقل الذي طالما بقيّ حكرًا على الذكور لأسباب تاريخية واجتماعية وثقافية معروفة. نحن الآن أمام متون لها قوة الحضور، كما تمتلك، إضافة إلى ذلك، رؤية متقدّمة للموضوعات والقضايا الفنية والمعجمية، للمعجم والاستعارة والخيال والحفريات، وللصيرورة بشكل عام.

النماذج كثيرة بحيث يتعذر ذكرها، لكننا نعيش عصر أنوار، أو ما يشبه ذلك، مع أن القضية تتطلّب من حين إلى آخر بعض الجدل، أو النظر في المرآة العاكسة لقراءة ما يكتب بموضوعية من أجل التأسيس لنقاش أكاديمي له مسوّغاته العلمية، ذلك أن الاعتقاد بأن المرأة وصلت إلى الكتابة المكتملة، أو المثالية، شيء يساهم في الهدم، وليس في بناء جماليات ساعد على تجاوز الذات، وما يُقال عن هذا الجنس يقال عن الجنس الآخر. لا يوجد فرق في نهاية المطاف.

بانتظار الأفضل دائما تحية إلى المرأة على ما بذلته من جهد للارتقاء بالتّجربة الأدبية والفنية والعمل على تقويتها وتحديثها انطلاقا من القراءة والمراجعة والتمثّل والأسئلة والبصيرة.

محمد الأمين سعيدي

 

 

أيتها النساء: أنتنّ كلّ الأعياد

تربعتْ زوابع الذكورة منذ قرون كثيرة على عروش العالم، وفي مجاري الماء، وبين ذرات الغبار وفي عيون الغيوم وتكلّمت باسم الله، وادّعتْ سيادة الأرض بحكمة وساستِ القلوب وحرست النوايا وأرهقتْ أنوثة الربيع، ثمّ ما كانت النتيجة؛ حروبا داميات، هتكتْ وفيرا من نزيف الحبيبات اللواتي تزوّج رجالهنّ عبث الحرب والموت، وجعلت العالم أسوأ حتى من أنْ يُعاش فيه، جعلتْ الأوكسجين فاسدًا من كثرة العنف. جدير بهذه الذكورة أنْ تنكسر قليلا بحضور أنثوي يمنحها عمقها ويجعلها أكثر حنانا على العالم والناس، جدير بها أنْ تغتسل في نهر الأنثى لتتطهّر من دنس دكاتاتورياتها المنتصبة، لتولد نقية كالندى فحلة كقلب امرأة يسع الكون وما فيه.

ماذا منحنا زيوس؟ ما أعطتْنا عنتريات أوزوريس؟ ماذا قدّم بعل؟ تُورْ؟ بوسيدون؟ قدّموا تفسيرًا للعالم ينتج الفجيعة فقط ويحوّل أبناء الطين الواحدة إلى شتات تحركه أصابع النهايات. وفي مقابل هذا قدّمتْ أفروديت وإيزيس وعشتار الجمالَ فقط، اللات أيضا والعزى ومناة، الإلهات العربيات في العصر الجاهلي. تغنّى الشّعراء القدماء بكل آلهات الجمال والفتنة لأنها حقيقة الحياة، رغم أنهم ما تغنوا بإله ذكر إلا انقلبوا عليه سبًا وشتمًا وانتقاصًا في أيّ انزلاق للقلب على جليد الإيمان المتعثر. كم أحنّ إلى أزمنة المجتمعات الأموسية المنفتحة على بهجة الحياة، على اقتناص مباهجها رغم أنف الحزن العالق بالأرواح!.

كيف يسيّر عالمنا يا ترى؟ المرأة تسيّر البيت والقلب والأوتار الهائجة في الرّوح، والرّجل يأخذ البطولة. لولا أمي الزهرة، في حكمة تسييرها للمال وشؤون البيت، لكنا على باب الله، أبي بوجمعة، أنا مثله أيضًا، كأنما نزلت فيه إنّ «المبذرين كانوا إخوان الشّياطين»، ومقارنة بقلب أمي السّماء نحن شياطين ترابٍ أعمى. تفعل المرأة كثيرًا من الأشياء الجميلة في حياتنا وفي الأخير لا أحد يقبّل قدميها ويديها، بل ينسب كل المجد إلى الرجل. كم نحن ظلمة يا صديقاتي النساء، وكم أنتنّ صبورات كإصرار نبتة على الخضرة رغم أنها محاصرة بالصّحراء الذكرية.

من باب التنكّر أيضًا تنظير الرجل المستمرّ لنقصان المرأة، والغاية غبية جدًا: أفضلية الرجل عليها، ولغباء مركّب أكبر بسببه لم ينتبه عبر التاريخ إلا رجالٌ قليلون أنهم سيكبرون بالمرأة، كم صار عظيما قيس بن الملوّح وهو يخرج باسم الحبّ والأنثى والشّعر من جلد ثعبان الذكورة الخشن لينعم بالحرير في اسمه الأكمل: قيس ليلى، كذلك كثيّر عزّة وجميل بثينة وكل العشّاق الذي أقاموا في نعيم بيت الأنثى؛ عذرًا، أقصد قلب الأنثى. ولخبث ذكوري يزعجني استطاع الرجل أنْ يربي المرأة المسكينة على تعاليمه التي توهّمها أنها أقلّ من جبروته الدون كيشوتيّ.  ولذلك لا نتفاجأ حين نجد نساءً في العالم يرددن المقولة المنسوبة إلى نصّ نبوي: «المرأة ناقصة عقل ودين».

بسبب هذا التزييف الرهيب في الوعي، سنجد المرأة، وأخص الكاتبة المبدعة، تتحوّل إلى راهبة في قلب الذكر تصلي لطغيانه بلغة رومانسية متجاوزة وحالمة لدرجة تجعلها تعمى عن رؤية الواقع المعاش.

وقد سمحت المرأة الكاتبة للرجل بتصنيف كتابتها تحت اصطلاح «الأدب النسوي»، غافلة عن كون الأدب لا يعرّف بالجنسانية العضوية بل بالتجنيس الأدبي الفنّي فقط.  وصار من أكثر المعضلات الأسلوبية أنْ تكتب المرأة بروح ذكورية أفهمتْها أنساق المجتمع المتخلّفة أنها روح الحياة.. طبعا هذا الغالب، ولكن هناك كاتبات كنّ المرأة كتابة وتفكيرًا ومواجهة، جاين أوستين(1775-1817) مثلاً، وقد عاشت في بيئة مغلقة، ومع هذا عبرتْ بعمق عن التفكيرات الظاهرة والخفية للمرأة أية امرأة.

صديقتي المرأة، أمي، أختي، جارتي، حبيبتي، تلميذتي، حاضنة جمراتي، ملهمة كلامي، أوكسجيني النقي، كنت دوما تولدين من الرجل في حكايات الأديان، لكنّ الحقيقة أنّ الرجل يولد منك دوما.. كلّ أيّامك عيد لو تعلمين، كل أيامنا أنت.

إسماعيل مهنانة

 

 

الأنثى والثّقافة والمرض

هل يمكن الكلام عن حرّية المرأة وبناء مجتمع صحّي بمجرّد التّشريع القانوني للمساواة بين الجنسين في كل شيء؟ في الحقوق والواجبات؟ هو سؤال سياسي بامتياز، لكن الإجابة عنه ليست سياسية لأن ما يعيق الآن كل حداثة سياسية في العالم العربي هو الثّقافة وليس العكس.

بعد كلّ فشل سياسي يجب التفتيش في البنى الثقافية للبلد. البنى الثقافية بنى لا شعورية واختراقية تتجاوز إرادة الأفراد في التّحرّر والانعتاق وتنتهك الوعي بالحرية فتُقلبهُ في غالب الأحيان وعيًا زائفًا.

إن مسألة المرأة تقعُ في قلب هذا الوعي الزّائف بالحرية. هذا ما يفسّر سقوط الكثير من الخطابات الحداثية والكثير من المثقّفين الحداثيين عند أوّل اختبار شخصي في علاقتهم من المرأة. وبدل  البحث عن الجذور العميقة لهذا التناقض في اللاوعي الجمعي عادة ما ننزعُ نحو كيل التّهم الجاهزة للرجل، بالنفاق والازدواجية.

تلعبُ التربية الأولية للطّفل، الذي سيصبح رجلا، دورا أساسيًا في تشكيل نفسية وشخصية الإنسان، بحيث يكاد يستحيل بعدها، على أيّ وعي لاحقٍ مهما كان نقديًا أو عالمًا أن يتجاوز تلك التركيبة أو يجبُّها.

إن البنى الثقافية التقليدية الذكورية والبطريركية تعيد إنتاج نفسها في تلك المرحلة الأوديبية، مرحلة ما قبل سنّ الخامسة، فالطفل الذي تتمُّ تربيته على قيّم الفحولة، مقابل الدونية الأنثوية، والذكورية مقابل المساواة، والغيرة/الدياثة، إلخ، لا يمكن له أن يتحرّر من هذه التراتبية فيما بعد. وإن نجح فليس دون الدخول في صراع مع مجتمعه، فيُواجه بالسّخط والتهميش، أو ينعزل في حياة الغيتوهات والعوالم الموازية. لا يمكن لـ«الشّرقي» أن يلجَ أيّة حداثة قبل تحطيم عقدة أوديب.

كراهية المرأة أو النّظرة الدونية إليها، ظاهرة ثقافية تسم الكثير من الثقافات التي لم تلامس الحداثة، وتعود بجذورها إلى البنية اللاشعورية للفرد في علاقته البدائية بالأمّ. لا شعوريا يحتفظ الطفل بكمّية الغيرة والخوف الذي يلازم فقدان أمّه (بعلاقتها الغامضة مع أبيه) إلى الرّجل الذي سيكونه، وينعكس ذلك على كلّ علاقته بالمرأة، بالرغبة في إعادة إنتاج العلاقة الأوديبية نفسها مع النساء الأخريات فيما بعد: سيكولوجية الغيرة والامتلاك والطّمس، مقابل عطش جنسي لا ترويه أيّة خلاعة، علاقة متوتّرة بين الرّغبة في الامتلاك والرغبة في الفقد، القُرب/ الابتعاد، الظهور/ الاستتار، الحجب/التعرّي، الطّمس/الخلاعة.

أي تكرار الاختلاف نفسه، بدل الاختلاف في إنتاج التّكرار. إن الاضطراب يسكن في قلب كلّ علاقة للرّجل الشّرقي بالأنثى التي صارت تهدد عرش فحولته، سواءً بالظّهور أو بالاختفاء، ومن هذا الاضطراب تتناسل كل أشكال الانحراف والتشيُّئ. (التكرار مصدر كل تشيّئ وانحراف).

تعني المساواة بين الجنسين، في جانبها الإتيقي، إشاعة الاعتراف، اعتراف كل جنسٍ باستقلالية الآخر كشخصٍ له وعي بذاته، وليس شيئا نمتلكه ونمنحه وجوده من خلال وعينا به، ولهذا فإن المقابل الجذري لقيمة الاعتراف هو التشيّؤ، أي سقوط العلاقة بين الجنسين في بُعدها الوظيفي والسلعية، بحيث يتم اختزال الآخر في العلامة الفيتشية التي  تُحيله مباشرة إلى وظيفة جنسية معيّنة وضيّقة، فتختزل المرأة إلى أداة للمتعة والرّجل ايضا يصير «فحلاً مملوكًا».

داخل هذا التشيّؤ العدمي تتمثّل المرأة قيم الذكورة وتتبنّاها بشكل مقلوب فتعيد إنتاجها(الرّجل يساوي قضيبه وكل ما يحيط به من رمزيات القوّة والسيطرة والامتلاك والسّلطة) هذا ما يجعل «المرأة الشرقية» شِرسة وناقمة في المجال الخاصّ، خاضعة وتابعة في المجال العامّ، أي عكس المطلب الحداثي تمامًا.

لا فرق بين توظيف الجسد الأنثوي في مسارات الخلاعة والإشهار والدعارة وبين طمسه في سواد البراقع والجلابيب، كلاهما تعليبٌ سلعي للجسد واختزالٌ له في العلامة ومدار المِلكية، كلاهما طريقة في التشيّئ ينمّط المرأة في دور  «الموضوع» الصّامت/ الخاضع/ المتكلّم عنه ومكانه.

وضعٌ ساخرٌ هذا الّذي تتواطأ فيه العلامات الآتية من زمنين مُتباعدين ومتناقضين على الجسد الأنثوي فتسلبه جوهره وتنفيه لصالح المظاهر. علامات اللباس الآتية من عصور خلَت وعلامات التعرّي لعالم ما بعد الحداثة، سواء في التعرّي الخلاعي/الإشهاري أو في الطمس السّلفي للحجاب، يظلّ جسد المرأة موضوعًا لا ذاتاً، صيرورة مُجمّدة في بعد واحد.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

تتوالى جُمُعات الحراك بكامل التّراب الجزائري من أجل حقوق الشعب وحرياته؛ ما أنقص رمضان من …

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …