الأحد، 9 أغسطس 2020

كلّ نساء الشّاب يزيد.. أو 8 مارس في الجزائر

يُعتبر الشّاب يزيد أحد الرّموز التي تُعبّر عن حقبة ما

«النسا هذو، عزيز اللي طلّع لهم الشّان وردهم خدّامات ويسوقو الكرارس.. واليوم راك تشوف! ركبونا كامل»..

هكذا تحدّث أحدهم في إحدى الجلسات، وبعد بضع دقائق فهمت أن «عزيز» هذا، هو عبد العزيز بوتفليقة. كان هذا منذ سنوات قليلة، لكن هذا الحُكم شائعٌ بين النّاس، وسمعته أكثر من مرّة.

فكرة أن بوتفليقة قد حرّرالنّساء، سمعة اكتسبها كونه، ومنذ قدومه عام 1999، كان يُلقي الكثير من خطاباته أمام قاعات ممتلئة بالنساء، خاصة خطاباته في«يوم المرأة»، والتي غالباً ما كان يختمها بجملٍ مثل: «زغرتي يا مْرا».

أن تفعل أموراً مماثلة في الجزائر، هذا يعني أنّك حرّرت النّساء.

ما يدوم في الذّاكرة الجماعية ويُعشِّش، ويتحوّل إلى «رموز» وأيقونات لتلك الفترة، هو كلّ ما كرّسه هذا النّظام من وجوه في الإعلام والتّلفزيون في بداياته، وليس القبيلة السياسية والمافيوية التي كان يحميها وتحميه. هذه الوجوه هي التي تستمر في الظهور وشغل حيّزٍ من الفضاء العام، خاصة في بلد كالجزائر عاش لسنين تحت جناح الحزب الواحد، والوجه الواحد وكلّ الاُحاديات الممكنة..

لكن، الشّيء المضحك هنا، أنّه حتى بعد «انتهاء» هذا العهد، لا زالت السُلطة تُنتج اُحادياتها المترهلة وإن عادت لا تنفع ولا تضرّ اليوم، مع وجود كلّ وسائل الاتصال ووسائل الإعلام الموازية، لكن مجرّد وجود هذه الرّموز يدفعنا لتفكيك أسباب ظهورها وربطها بالسّياق الذي جاءت فيه..

يُعتبر الشّاب يزيد(اسمه الكامل: يزيد بلعباس) أحد هذه الرّموز، التي تُعبّر عن حقبة ما، الشّاب يزيد بإطلالته المتكرّرة كلّ 8 مارس، منذ 1997 إلى اليوم، يُلخصُ الصّورة الأمثل لتعامل السّلطة في الجزائر مع المرأة (أو نصف المجتمع كما تُسمى في الخطابات الرسمية): الاستعراض.

أغاني الشّاب يزيد تنصهر مع خطاب السّلطة

النّساء يكتفين بنصف دوام يوم عيدهن، ثم يذهبن لحضور حفل الشّاب يزيد، الدّخول مجاني والمكان: قاعة حرشة. حتى صار يقول: «النّساء ما ولاّوش يسألوا إذا الشّاب يزيد راح يغني أو لا، بل وين رايح يغني؟».

هكذا، كلّ عام، حتى من قبل مجيء الرّئيس بوتفليقة، هذه هي صورة المرأة كما نراها في نشرة الثامنة كلّ 8 مارس. رغم كل هذا، فظاهرة الشّاب يزيد أقوى من أن تُنافس، لأنها وببساطة «رمز»، رمزٌ تقاطعت عديدُ الأسباب في تكوينه.

في  أوائل التسعينيات، فشل الشّاب يزيد(1970-)، عازف السانتي وقتها، في أن يصير «شاباً» أو مُغنياً للطّابع العاطفي المتحدّر(بشكل أو بآخر) من موسيقى الراي، التي كانت في عزّ مجدها، لم ينجح عازف السانتي، القادم من وهران، في انتزاع مكان يليق به في الدّرجة الثالثة أو الرابعة، خلف الشّبان العمالقة وقتها (سواء النّجوم في الخارج كخالد ومامي، أو الرّاحلون كالشّاب حسني أو حتى من ظلّوا في الداخل كالهندي)، ليس لأنّ الذوق الجزائري لم يكُن ليقبله، على العكس، فالشاب يزيد كان قد حقّق بعض الشهرة، ظهر في التّلفزيون، وسجّل في الإذاعة وكان (حسب قوله) من أوائل الفنانين الذين قاموا بماركتينغ في الدّاخل: إشهار وبوسترات وحوارات في الراديو، إلخ.

لكن، يزيد لم يكن صاحب موهبة، لم يأتِ من قاع المجتمع، لم يكُن مُحتاجاً للعمل ليل نهار، في الأعراس وفي الملاهي الليلية، لكلّ شخص طريقته في العمل، وكانت طريقة الشاب يزيد إبتكار شيء اسمه: «الثامن مارس»، هذا لا يعني أن يوم المرأة لم يكن له وجود من قبْله، لكن بعد «إعادة الابتكار» صار عيد المرأة يعني الشّاب يزيد والشّاب يزيد يعني عيد المرأة.

غالباً ما يبتسم ابتسامة عريضة حتى وهو يشتكي المُرّ الذي تجرّعه

هنا، حدث تحوّل طفيف في مسار هذا الشّاب، الذي كان يحمل بصوته خطاباً عاطفياً باهتاً في الأغنية الشبابية وقتها، خطابه لم يكن مُقدراً له أن يعيش كثيراً، أولاً لأنّه كان هشاً وضعيفًا من حيث الكلام، مقارنة بقامات أخرى مثل الشّاب حسني، وثانياً من حيث أداء المغني الذي غالباً ما يبتسم ابتسامة عريضة حتى وهو يشتكي المُرّ الذي تجرّعه، وثالثاً لأنّ ألحان هذا التّيار كانت أسوأ ما حدث للرّاي منذ نشأته، ألحان كانت معتمدة على آلة «السانتي»، والتي أفضت لاحقاً إلى مآسٍ تلحينية، كظهور الروبوتيك، وما إلى ذلك من الغثيانات الصوتية.

إذاً قُلنا أن «السانتي» كان ركن الأساس لألحان هذا التيّار، وهو أيضاً آلة الشّاب يزيد الأثيرة، هذا ما يعني أنّ الشّاب يزيد، بخروجه من حلبة الموسيقى الشبابية ليتفرّغ لأعياد النساء، أخذ معه أسوأ ما وصلت إليه الموسيقى الجزائرية وقتها.

هذا الخطاب العاطفي الباهت الذي يُصوّر المرأة ككائن ملائكي، ويحكي بُكائيات عاشق تركته ملاكه، لكنّه لا يقترب ولو بسنتمتر من عُمق هذا الشّعور، بالعكس، فنحن نجد الشاب يزيد (بخدوده الكبيرة المُحمرة) يُغني أغنيته الأثيرة «عطاتني هدية باش نتفكّرها»، وهو يبتسم ويضحك، مُحاولاً اجتذاب جمهور النسوة الضجرات في حرّ «قاعة حرشة».

الخطاب نفسه كان عند السّلطة يومها، في تقرّبها من المرأة الجزائرية. خطابٌ يجعل من المرأة أساس وعماد المجتمع، يعرِضُها جميلة ومُعطّرة في عيدها وأيام خطابات الرّئيس، الذي بدوره يُشيد بإنجازاتها وبالمراكز التي صارت تحتلها النساء وبعدد البنات المتمدرسات، الذي يفوق بكثير عدد الذكور، لكن من دون أن يُشير أن هذا التفوّق جاء كنتيجة للكبت والحبس وضيق الأفق، وارتباط الدراسة (والعمل لاحقاً) باحتمال مستقبل أكثر تحرراً وأقلّ وطأة من معيشة الأمهات.. من دون أن تُصلّح السلطة قانون الأسرة وحماية المرأة، أو على الأقلّ تطرحه حكومة الرئيس بجدية، منذ مجيئه قبل 17 عاماً.

بوستير حفل الشّاب يزيد في تيزي وزو

يستعمل الشّاب يزيد و«موظِفوه» اليوم بلا وعي سلاحاً اسمه «الإمعان في الرّداءة»، حتى نظنّ لوهلة أنّها «رداءة واعية»، عندما نرى أنّ يزيد يُبرمج هذا العام، لأول مرّة، في تيزي وزو، ويُروّج له بواحد من أسوأ وأقبح البوسترات الدعائية التي قد تُصمّم لحدث مماثل، عندما نرى هذا نُحسّ أنّ الأمر أكبر من رداءة روتينية.

ثم إنّ وصول الشّاب يزيد إلى تيزي وزو، ليس محض مصادفة، فهو يصلها بعد أسابيع من إقرار الأمازيغية لغة وطنية للبلاد، كأنّ السّلطة تُغازل منطقة الأمازيغ بـ«يزيدها»، وفي الوقت نفسه يُرمِجَ في الجزائر العاصمة (ليحِلّ محلّ يزيد) الشّاب ماسي، مغني الطابع القبائلي، والذي  ينتمي إلى الأجندة الثقافية الرسمية هو أيضاً، وبرؤية البوستر الخاص به، حيث يظهر وهو يلبس سترة لمّاعة حمراء (تُذكّر بفيلم السّاحر أوز) وتعلو نظرته الواثقة فوق خدوده الحليقة الكبيرة، نرى أن المنطق الرّديء ذاته يحكم ظهور هذا المغني الشاب أيضاً، والذي من خلال تبادل الأدوار بينه وبين يزيد تُعبّر السلطة عن ضيق اُفقها وقُصر نظرها في تسيير التعدّد الثقافي للبلاد..

الواقع اليوم أن الاستعراض والرّداءة صارا كلّ شيء، لدرجة أن النّاس يرون فيهما ثورة على «الأعراف والتّقاليد»، وذلك ما يعنيه الثّامن من مارس اليوم، بين خطابات السّلطة وأغاني الشاب يزيد.. ورغم أننا نعيش الرّداءة والاستعراض في كل تفاصيل حياتنا، إلاّ أنّه وفي عالم مقلوبٍ رأساً على عقب، تكون الحقيقة لحظة كذب وزيف.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …