الأحد، 16 يونيو 2019

ضحايا مدرسة أبوبكر

سعيد خطيبي

في الجزائر، يوجد نوعان من الضّحايا، ضحايا الإرهاب وضحايا مدرسة أبوبكر بن بوزيد. إذا كان النّوع الأوّل قد تصالح مع الجلاّد، عقب قانون 2005، فإنّ النّوع الثّاني من الضّحايا ينتظر مُساءلة صريحة وصارمة مع وزير التّربية الأسبق.

الشّباب الذي يمتدح اليوم «داعش»، ويُبارك العنف، الشّباب الذي يخنق صوت المرأة، ويحنّ إلى البطريركية الشّاملة، لم يأت من عدم، هو خريج المدرسة التي أشرف عليها أبوبكر بن بوزيد(1954) طيلة 12 عامًا.

لن يحتاج المختصّون في علم الاجتماع للبحث عميقًا، بغية فهم أسباب ميل جزء كبير من شباب اليوم لمبايعة الراديكالية، وللتّعرف على أسباب إسراف البعض منهم في مديح الخطاب الأحادي، فالعوامل التي صنعت منهم «بشرًا مغمض العينين» واضحة، هم لم يأتوا من بلد آخر، بل خرجوا من المدرسة التي كان يُشيد بن بوزيد بإصلاحها. اليوم، نحن ندفع ثمن خياراته، التي حوّلت الشبّاب إلى «مشتلة» من المكبوتات ومن العقد النفسية.

الشّباب الذين كانوا يبدأون صباحاتهم، في المدرسة الابتدائية، بآيات قرآنية، مفصولة من سياقاتها، من قبيل:«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُم»، الذين فُرض عليهم متابعة دروس في التّربية الإسلامية وفي الشّريعة، إلى غاية الثّانوية، بإشراف من أساتذة متحزبين أحيانًًًأ، سياسيًا وأيديولوجيا، ليسوا يرون حرجا في المجاهرة اليوم بأن «الإسلام هو الحلّ». ولكن أي إسلام يقصدون؟ إنهم يقصدون الإسلام القادم من فضائيات الشّرق، ليس إسلام غرناطة أو قرطبة!

هل كان أبوبكر بن بوزيد يتنبّأ بنتائج السّنوات الطّويلة التي قضاها على رأس الوزارة الأكثر حساسية في البلد؟ هل كان يعلم أنه كان بصدد تخريج ضحايا، لا أبطال؟

لقد أنتجت المدرسة التي وقف عليها الوزير الأسبق جيلاً من المعطوبين ثقافيًا، جيلا لا يعرف شيئًًا عن غارسيا ماركيز ولا غونتر غراس ولا أيّ واحد من الكتًاب الكبار! ما أهمية أن يدرج بن بوزيد نصًا في كتاب القراءة لزهور ونيسي ويتغاضي عن نصوص المؤسسين، مثل كاتب ياسين أو مولود معمري؟ ما أهمية أن يقرأ التّلميذ للعقّاد «المؤدلج»، ولا يعرف شيئًا عن نجيب محفوظ، صاحب نوبل العربية الوحيدة في الآداب؟ ما فائدة أن يحشو بن بوزيد رأس التّلميذ بدرس مطوّل عن حركة سياسية وُلدت ميتة: حركة عدم الانحياز، ويتغاضى عن النّظر لحركات أخرى أهمّ منها؟ ما فائد أن يسأل التّلميذ، كلّ عام، في امتحانات البكالوريا عن البرازيل البعيدة، وهو لا يعرف شيئا عن جواره الأفريقي؟

أن تُزاح الجامعة الجزائرية من التّصنيفات العالمية، وتتحوّل إلى نكتة بين الألسنة، فهي ليست مسؤولية وزير التّعليم العالي لوحده، بل يتحمّلها وزير التّربية، الذي صدّر للجامعة شبابًا ومراهقين، يبتلعون ما يسمعون، من دون مضغ، ومن دون نزعة نقدية.

الشّباب الذين صنعتهم مدرسة أبوبكر بن بوزيد يشاهدون، يوميًا، الأخبار، ويتفاعلون معها بعاطفة لا بعقل ناضج، لقد نجح في مهمة هدم الشّخصية الجزائرية بمعول الإصلاحات الفاشلة مسبقًا، وهو الآن يستمتع بحياته الباذخة كمسؤول سامٍ في الدّولة، وباعتباري أنتمي إلى جيل ضحاياه، أواجهه بسؤال واحد: هل تقبل بالاعتذار عن أفعالك؟ الأكيد أن إجاباته ستكون بالنّفي. فقد تعوّدنا في الجزائرأن يبرّر كل جلاّد فظاعاته، بطريقة أو بأخرى.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …