الأحد، 9 أغسطس 2020

حميدة عياشي: خلفية اللذة في أغنية الرّاي

تتحوّل الشيخة داخل فضاء هذا الطقس الشعبي الرايوي إلى مركز

في هذا المقال، الذي صدر في مجلة «المسار المغاربي»(عام 1986)، يتحدّث الكاتب والصّحافي حميدة عياشي(1958) عن طقوس الجسد، في الرّاي، بين التلصّص على اللذة وقمعها، في فترة كان فيها الحديث عن الرّاي، في الصّحف الجزائرية، أمرًا غير مرغوب فيه.

«شنّ البعض حربه «المقدّسة»، على الرّاي، لأنه «ساقط» ويجرّ كجسد «المجتمع الفاضل» نحو «السقوط»، وكانت اللذة سواء تلك التي يدعو إليها، أو يثير أجيجها، إحدى البيارق، التي توسّلتها أقلام البعض، في رفضها المثالي البائس لأغنية الرّاي، ترى ما طبيعة وخلفية هذه اللذة؟

إنها لذّة الجسد، مادامت اللذة غير قادرة على امتلاك هويتها الحقيقية والأصلية، إلا عبر الجسد ذاته، والجسد طاهر وباطن، يترهّل ليتجدّد، ويتفانى ليبعث، إنه المنبع الأصيل لعالم الفردوس والجحيم، إنّه المفرز لشتى الأنغام والصوّر واللغات، التي تتجلّى من خلالها الأسطورة في هيامها وجنونها، ودوائر منطقها الخاص، والعشق في أرقى وأعنف بلاغته الصوفية الحديثة، هاهو الجسد الذي اكتشف الراي لغته وصورته، في مجال المنتوج والمعيوش الشعبيين، سطرها اليراع على الصفائح والألواح بدم مقطرن، ثم ها هو الجسد الذي عراه الرّاي، مرّة أخرى، عبر تصويت اللذة، حلم من أحلام الطّفولة العربية الكلاسيكية، عالقًا بالذّاكرة، الموشومة بحكايات آدم وحواء والشّيطان والتّفاحة والشّجرة والحيّة..

آدم وحواء، جسد.. والشجرة جسد، والشّيطان كالراي عدوّ الجسد، مدمّر له! الشّيطان يدعو إلى إلغاء الجسد، إلغاء اللذة، إلغاء الإبداع، مادام أصلاً لعبة ليس إلا، أو وهماً مضلّلًا، إن دعوته إعلان الحرب على آدم، وخروجه على طاعة الجسد المختفي، والجسد الظلّ. إن الشيطان وجه الجسد المختفي، الماكر، إنه صوت لعبة ميتافيزيقيا الجسد المقهور، ولعبة هذا الجسد، ولعبة هذا الجسد ليس إلا جزءًا من الألفة والغرابة، فأنّى كانت الألفة، أطلّت عليها الغرابة، لا لتلغيها، بقدر ما تؤكد دلالتها، وتفضح قانون اللعبة، ونفس القول تقوله عن الشّيطان، (محارب السّجد واللذة) فأنّى كان وجه الجسد المختفي، أطلّ عليه الشّيطان.. الشّيطان جاء ليؤكد على سلطة الوهم، سلطة المجتمع الفاضل، سلطة الجسد المختفي، أي سلطة اللعبة، ولسان هذه اللعبة هو النصّ الذي يموضع ذاته في شكل أحكام، تقدّس أو ترفض بصفة مطلقة، معتبرًا ذاته فوق أو خارج الحركة التّاريخية الاجتماعية للأجساد.

في زمن القصبة والقلال، تأخذ الشّيخة مكانها وسط مجموعة من الشيوخ، مكان الشيخة مركز، تتحوّل الشيخة داخل فضاء هذا الطقس الشعبي الرايوي، إلى مركز، لكن كمركز استقبال وحسب، وجوده يكمن في تأكيد سلطة الشّيخ، سلطة الذّكر، المركّز في هذه الحالة، حالة الشيخة، يرتدي هويته الجنسية – الأنوثية – ويستحيل زاوية يتراكم على حافة خطّها العمودي، في كل شهد لذة الجسد المنحطة.

تحت أضواء هذه الزاوية، يكشف الجسد، جسد الشيخة بصمت لاذع، عن ملحقيته ومحيطيته وهامشيته (الأساسية)، ضمن فضاء الجسم القيمي الرجولي.

النّسخة الورقية للمقال

تذكروا يجلس العريس (مولاي السلطان)، بجوار وزيره، وسط الجماعة، وعلى وجهه شيء من الفرحة والخجل الذكوري المكابر، بينما تأخذ العروس مكانها، كالشيخة، وسط أو في إحدى زوايا البيت، وعلى وجهها المنتكس مسحة من الفرح، ورغم المساواة والتشابه الظاهر، بين العريس والعروس في امتلاك واحتلال المكان، كمركز لإفريقيا، فدلالة هذا الاحتلال، تبقى متجسّدة لدى الأول، في الفعالية، مقابل السلبية المفروضة على الطرف الآخر، إن جسد الشيخة (المركز)، يعكس على أكثر من صعيد تراجيديا الجسد المقهور، فهو جسد شهي ومرفوض في ذلك الوقت، جسد يوفر «اللذة»، للجسد المغتصب، والمتسلط والمهيمن ولشركائه وعملائه، عبر أطراف منظومته الكلامية واللغوية القيمية وجزاؤه (الجسد) عن ذلك جزاء سنمار، على شاكلة الطرد التراجيدي، لآدم من الجنة رفقة حواء.

تراجيديا الطّرد هذه، وجد الراي بمعنى مجازي لأجلها أو بتعبير آخر، أوجدت الراي التاريخي، كإحالة إلى نسيج لاوعيها الجمالي الحسّي، الراي غنى أطرافها وخيوطها بعنف، كتمرّد عفوي على الجسد المغتصب، الأناني الذي يلتهم شهد الجسد، بالتلذذ من جهة، ومن جهة أخرى، يُحاكم الجسد، بمجموع ظله وصوته وصداه.

تغني الشيخة، يختفي وجهها خلف قماش شفاف، لكن هذا القماش، أليس تعبيرًا ماكرًا عن خرافة لعبة ذلك الخيط الفاصل بين جنّة الحلال، وجحيم الحرام، والألفة والغرابة والجسد والظلّ؟

وجه الشّيخة المختفي، الذي تحاصره العيون الرجالية من كلّ صوب، يتفرّج على مأساته، مأساة الجسد المطارد، لكنها تغني، ثم هاهي الشّيخة «الأخرى» ترقص، يسمونها بلهجة البلاد «الرقّاصة» تبدأ اللعبة بحضور «البرّاح» – المنادي – وهيون الأجساد الرجالية وتشكيلها للحلقة، وبحضور «المال» و«الشّرف المسلّع»، وإصفاء الأجساد الأنثوية لصوتهن من خلف الستار، أو من وراء الباب، والرّقاصة ترقص، جسد «القلايلي» يلاحق جسدها، البطن يهتزّ، كدلالة على كلام الجسد، وفق بلاغة لغته الفاصلة، فتردّ عليه (لاحظوا طبيعة الأثر)، الآهات والصّيحات والتّعاليق، التي لا تكشف في جوهرها، إلا على قهر متكامل، ويتكشف الستار على جسد مقهور، يطارد جسدا مقهورا، جسد يطارد جسدا، وظلّ يطارد ظلاً، إنهما وجهان لجسد واحد، إن التزمنا بقاعدة التعددية في الرؤيا، إنّهما الوشم المتداخل المتعدد لجسد مجزّأ، لكنه جسد واحد، والراي كأغنية، كان وشم وصوت هذا الجسد، بصورة شعبية وجلية جدًا، إنه صداه من الداخل، وربما لذلك، وقف ضائعًا، وعاجزًا عن فكّ رموز الميتافيزيقيا الملتحفة كأخطبوط، على الجسد الذّهبي لمجموعاته الاجتماعية.

يغني الجسد ويرقص، في انتظار القميص الموشوم بالدّم، في انتظار بديع عاطفة الجسد، في انتظار الفحولة، يبزغ الدّم من من جوف الحجرة الصّامتة، في لجة صخبها، كدلالة على تطهر الحرام بالحلال، والرّاي، قويض ليبارك وليحطم، في مثل هذه الليالي «التاريخية»، بين الشيخين: المغني وشيخ «القصبة»، ذلك الجدار الوهمي، الفاصل بين عالمين، ويهد بينهما جسر بلاغته، بلاغة الجسد المقهور».

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رشيد بوجدرة، 1994

رشيد بوجدرة في تسجيل نادر

تمّ تسجيل هذا الفيديو النادر للرّوائي رشيد بوجدرة (1941-)، سنة 1994، في عزّ الإرهاب. تحدّث …

يوم عزف علاّ في بيروت وأبهر الحُضور

في سنة 2006، أحيى عازف العود علاّ، حفلاً في بيروت، وكان من بين الحضور نخبة …