الإثنين، 27 مايو 2019

من بن بوزيد إلى سلال.. اضطهاد اللغة واللعب بالكلمات

كلمات الرئيس ورسائله المشفّرة تفيض حماسة

سوء التّحكم في اللغة العربية، و«تفرنس» لسان كثير من كبار المسؤولين الساميين في الجزائر، شكلا طويلًا مواضيع نكت يتبادلها جزائريون فيما بينهم.

يتذكّر كثيرون أخطاء وزير التّربية الوطنية الأسبق أبو بكر بن بوزيد(1954)، الذي شغل المنصب نفسه 14 عامًا، ونذكر أيضًا ركاكة لسان وزيرة الثّقافة السّابقة خليدة تومي في سنواتها الأولى، وسقطات زميلها، وزير الدّاخلية الأسبق نورالدين يزيد زرهوني.

اليوم، صارت بلاد المليون ونصف المليون شهيد لا تشتكي فقط من اضطهاد لغة الضّاد على لسان بعض الوزراء، بل تنعي حالها أمام تمادي الوزير الأوّل عبد المالك سلال في «مضغ» اللغة كما يشاء، كما هو الحال مع رئيس الجمهورية نفسه، الذي يسرف في توظيف المحسّنات البديعية، ويُبالغ في إغراق مسامع المواطنين برسائل(بعدما صار لا يظهر في العلن) تستمد مادتها من لغة الحماسة المجانية، المستوردة من قرون العرب الخالية.

«لغة الخشب لن تساعد على اندمال الجرح»، كان يقول الرّئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان. لكنها في الجزائر تحوّلت، مع الوقت، إلى مضادّ حيوي للغليان الاجتماعي، وصارت تزاحم اللّغتان الوطنيتان: العربية والأمازيغية.

منذ 1999، صار الجزائري يفقه مفردات «الإنشاء» ويتحكّم في مساحات «اللعب بالكلمات»، في خطابات بوتفليقة. فلما شبّه الرّئيس نفسه بالفيلسوف فولتير(1694-1778) وقال في واحد من خطاباته: «ربما لا أتّفق معك، لكنني سأدافع، حتى آخر قطرة من دمي، على حريتك في التّعبير» فهو كان يقصد ضمنيًا «حرية تعبير» وسائل الإعلام – من منظوره الشّخصي –، فالجزائر تحتلّ مراكز متقدّمة في غلق التلفزيونات الخاصّة، كما إن الصّحافة المكتوبة فيها تعيش «كبتا» وتضييقا.

وحين خاطب الشّباب قائلاً بصوت عالٍ: «يا شباب الجزائر، أنتم مستودع أحلامنا وآمالنا» فهو كان يدرك جيدًا أنها عبارة وقعت سهوًا في متن الخطاب. الشّباب الجزائري لن يلتفت لقوله لأنّه تعب من الكلمات الجوفاء، والسياسة التي يقودها فخامة الرئيس اصطدمت بإقبال الشّباب على الهرب من البلد مهما كان الثّمن. ففي مرحلته، عرفت نسبة الهجرة غير الشرعية ارتفاعًا محسوسًا. وفي مرحلته الرئاسية أيضا صار الشباب يتداول مقولات مؤلمة، من قبيل:«روما ولا أنتوما!» أو«يأكلوني الحوت وماياكولنيش الدود!».

كلمات الرئيس ورسائله المشفّرة، التي تفيض حماسة، والمستمدة في جزء منها من قاموس خطابات الرئيس الأسبق هواري بومدين(1932-1978)، وحقبة الحلم الاشتراكي عشرية السبعينيات، لم يعد لها من الجمهور ومن المصفقين سوى القليل (من المنتفعين).

لغة الخشب لن تساعد على اندمال الجرح

لما دخل بوتفليقة الانتخابات الرئاسية(1999) وعد الجزائريين بتحسين الوضع الاقتصادي للبلد ورفع القدرة الشرائية للفرد، فانخفضت، بقدرة قادر، وفي وقت قياسي، أسعار الموز، على كامل تراب الجمهورية، من 800 دج(10 دولار) إلى 80 دج، وصار الموز متوفرًا على موائد كلّ البيوت، مع تسجيل ارتفاع مضطرب في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، وفي مستويات البطالة والفقر. وظلّ فخامة الرئيس يردّد وقتها:«الجزائر وما أدراك ما الجزائر»، ولم يستفق البلد من حلمه حتى وجد نفسه في زمن التّقشف، وسقوط أسعار برميل البترول، مع احتمال أن يزداد الوضع صعوبة في الأشهر القادمة.

الرّئيس بومدين، الذي يستمد منه بوتفليقة كريزما وحضورا سياسيا، صرّح في واحد من خطاباته: «من القيّم التي طفت بعد الاستقلال هي تغليب مصلحة الفرد على مصلحة الشعب». في إشارة منه إلى بدايات انتشار الفساد في البلد. وهي وضعية عجزت أجهزة الدولة المتلاحقة في صدّها. وصار الرئيس بوتفليقة يتفادى الحديث عنها، فالفساد والرشوة هما شعاران رسميان في يوميات الجزائر. وبغية تناسيهما خاطب الرّئيس بوتفليقة الشّعب قائلا: «أنتم من أكثر الشّعوب شجاعة». ماذا تفعل الشّجاعة في غياب التسيير الرّاشد وفي ظلّ اختلال موازين العدالة الاجتماعية؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …

احميدة عياشي يكتب: المزيّف وسلطة الحقيقي

ما نعيشه اليوم حدثان في حدث واحد. حدث من خارج النّظام ضدّ النّظام تشكّل في 22 …