الأحد، 9 أغسطس 2020

إيفان تورغنييف: هل أنت هاملت أم دون كيشوت؟

وقتنا يحتمل أشباهاً لهاملت أكثر من أشباه دون كيشوت

في نظر إيفان تورغُنييف (1818-1883)، الكاتب الرّوسي الشّهير من القرن التّاسع عشر، تنقسم الإنسانية لنوعيين أساسيين من البشر. هذا جزء من نصّ أطول نشرهُ سنة 1860.

«الطّبعات الأولى لترجمات كلّ من مسرحية شكسبير «هاملت»، والجزء الأول من «دون كيشوت» لسرفانتس، صدرتا في العام نفسه، في بداية القرن الثّامن عشر. وهذه الصّدفة كانت مهمة بالنسبة لنا.. بدا لنا أن هذان الرّجلان يشملان الجزءان المؤسسان والمتعارضان للطبيعة البشرية، طرفا المحور الذي تدور حوله البشرية: بالتّالي ينتمي كلّ الرّجال، بشكل أو بآخر، لأحد النّوعين، وكلّ واحد منّا يُشبه سواءً دون كيشوت أو هاملت.

بلا شك أنّ وقتنا يحتمل أشباهاً لهاملت أكثر من أشباه دون كيشوت، ورغم هذا إلاّ أن الدونكيشوتيون لم يختفوا بعد..

يقف أشباه هاملت من جهة، المفكّرون، والذين يشمل وعيهم – في بعض الأحيان – كلّ الكون، ولكنهم غالباً بلا فائدة ويركنون إلى الّسكون، على الجهة الأخرى، نجد الدونكيشتيون أنصاف المجانين، والذين يقضون المصالح ويسدون خدماتٍ للإنسانية، لأنّهم لا يعرفون ولا يرون إلاّ هدفاً واحدا، وهذا الهدف ليس له وجودٌ أصلاً على تلك الهيئة التي تصوّرها لهم مخيلاتهم. لنجد أنفسنا مرغمين على التّساؤل: هل يجب على الشّخص أن يصير مجنوناً ليؤمن بالحقيقة؟ وهل يُشفعُ للذكاء الذي يصير سيداً على نفسه، أن يُسلب من كل طاقة؟

هذا الانفصال، وهذه الثنائية.. يشكّلان حياة البشر: كل حياتنا ليست إلاّ محاولة الموافقة الأبدية، والحرب الأبدية بين هذين المبدأين، المتنافران والمجتمعان. الهاملتيون.. يمثّلون قوة الطبيعة المركزية، وعلى هذا يصير كلّ واحد منهم مركز الخلق وينظر لباقي المخلوقات على أنّها خُلقت لاستخدامه الحصري. بلا هذه القوّة المركزية النرجسية لا تستطيع الطّبيعة أن توجد، كما لا تستطيع الاستمرار بلا تلك القوة المحيطية، البعيدة عن المركز، القوة التي تريد لكلّ المخلوقات أن توجد لبعضها البعض. هذه القوّة، وهذا المبدأ الذي يقول بالتطوّع والتّضحية، هذا ما يُمثلّه الدونكيشوتيون.

ترجمة: صلاح باديس

إيفان تورغنييف

إيفان تورغُنييف، كاتب وروائي وقاصّ ومسرحي روسي. من أشهر رواياته: «آباء وأبناء»(1862). عاش إيفان تورغُنييف في سان بيترسبورغ، وفي برلين وباريس، وجمعته علاقات صداقة قوية، مع كتّاب كثر، مثل دوستويفسكي، فلوبير، زولا، جورج ساند، ألفونس دودي وإدمون دو غونكور..

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …