الجمعة، 3 ديسمبر 2021

حوار مع الطّاهر جاعوط: الأدب مغامرة شخصيّة

طاهر جاعوط
طاهر جاعوط

عام 1991، مباشرة بعد صدور روايته «العسس»، التي نالت جائزتين أدبيتين، واحدة في فرنسا والأخرى في الجزائر، تحدّث الطّاهر جاعوط (1954-1993)، في حوار له مع جريدة «الخبر»، عن الرواية ذاتها، عن علاقته بالأدب، وعن حزنه للأوضاع التي آلت إليه الجزائر، بسبب توسّع مدّ الخطاب الدّيني المتشدّد، الذي سيكون سببًا في اغتياله عام 1993.

في هذا الحوار، الذي أجراه معه كلّ من الزميلين حميد عبد القادر وشوقي أمين بولكاريف(الصّادر بتاريخ 11 نوفمبر 1991)، والذي يعدّ ربما الحوار الوحيد للكاتب الفقيد بالعربية، نكتشف عمقًا في نظرة الطّاهر جاعوط للفعل الأدبي، والتزامًا في قطيعته مع المؤسسات الرّسمية ومع النّظام الحاكم.

جمعية «نور الدّين عبة» منحتك «جائزة كاتب ياسين للآداب» عن رواية «العسس»، ما علاقة هذه الجائزة بجائزة المتوسط (من النّاحية المعمارية طبعًا)، وهل أنت راضٍ على اختيار هذه الرواية بالذات؟

في الحقيقة لا أعرف شيئًا عن جائزة نور الدين عبة، ولا أعرف شيئًا عن لجنة تحكيمها، حتى الآن، سأتعرّف على ذلك، يوم تسلمي الجائزة بتاريخ 20 نوفمبر1991، لا أظنّ أن هناك علاقة ما بين هذه الجائزة وجائزة المتوسّط، والتي هي جائزة فرنسية، أعطيت لأول مرة سنة 1985، وهي جائزة تعطى لعمل روائي يتكلّم عن ثقافة البحر الأبيض المتوسط، وما يقارب بين بلدان هذا الحوض.

جائزة أدبية في بلد يتقدّم فيه القارئ المهتمّ بالأدب الجزائري، أليس هذا غريبا؟

مبادرة جمعية «نور الدين عبة»، مبادرة جيّدة، كونها ستساهم في خلق تقاليد ثقافية. والشّيء الملاحظ في الجزائر، يتمثّل في أن كثيرا من الفنانين والكتّاب ينتظرون الكثير من هياكل الدولة، هناك خطاب يسمع كلّ يوم، وهذا الخطاب ينادي بمساهمة الدّولة في تطوير الأدب، تموينه وحتى هيكلته، أنا لا أوافق هذه الرؤية، لأن الأدب عبارة عن مغامرة شخصية للأديب أولاً، وهناك قراء وهياكل أخرى تساهم في تطوير هذا الأدب، فلو أخذنا مثلا بلدان أمريكا اللاتينية، التي تمتاز بوضعية اقتصادية واجتماعية أسوأ من الجزائر، إلا أنها استطاعت أن تبدع أدبًا، دون انتظار دعم الدّولة، من هنا أعتقد أن مبادرة جمعية نور الدين عبة، مبادرة جد حسنة.

لكن المشكلة مقاييس، المقاييس في رأيي هنا ليست جزائرية، بل فرنسية، فدرجة الإقبال على الرواية في فرنسا أكثر منه في الجزائر بكثير، فالمرجعية فرنسية،ألا تظنون أن هذا خطير؟

لا أعرف مقاييس هذه اللجنة، ونعرف أن في كلّ مقاييس الجوائز الأدبية، هناك نقص ملحوظ، لأنها مقاييس ذاتية. حتى الجوائز الكبرى مثل «جائزة غونكور»، وحتى جائزة نوبل لها مقاييس للنّقاش، فالمقاييس إذًا، ذاتية دائما، ولكن رواية «العسس»، نُشرت في فرنسا وفي الجزائر كذلك، فالقارئ في الجزائر يعرف الكثير عن هذه الرواية.

الطّاهر جاعوط برفقة أندري بونيي، عقب نيله جائزة المتوسط، 1991

لقد ارتبط اسم الطّاهر جاعوط برواية «العسس»، انطلاقا من الجائزة المتوسطية، هل يمكن معرفة جاعوط بعيدًا عن رواية «العسس»، لأن مرجعيتنا لا زالت مرتبطة بالمركز (أوروبا)، من هنا نطرح التّساؤل التّالي: متى نقضي على المرجعية المركزية؟

القضية التي تطرحها في سؤالك حسّاسة، ففي رواية «العسس»، طرحت إشكالية الاعتراف الذي يأتي من الخارج، فشخص الرواية الذي اخترع آلة، لم يُعترف به حتى نالت هذه الآلة جائزة في الخارج، وقبل ذلك تعرّض هذا المخترع إلى العديد من الصّعوبات، لكن بعد ما نال الجائزة أصبح زعيمًا تتحدّث عنه الجرائد، لذا تعزم دار البلدية على تكريمه. هذا أمر حقيقي، وأنا شخصيًا كنت ثائرًا – ولا أزال – على هذا الواقع، فمثلاً عندما أسيء الأدب الجزائري، ندّدت باعتبار الأدب الوحيد المعترف به هو الأدب المنشور في فرنسا، الأدب الذي له صدى في فرنسا.  لقد سبق لي أن كتبت عن هذا المشكل ووقفت ضدّ الذين يعتبرون أنفسهم متخصصين في الأدب الجزائري لكنهم لا يهتمون بالأدب المنشور في الجزائر، وهذه حقيقة ندّدت بها، والشّيء الملاحظ الآن هو أنه إلى جانب الذين ينظرون إلى الأدب الجزائري انطلاقا من فرنسا، هناك في الجزائر من يعطي قيمة أكبر للكتب التي تنشر في فرنسا، مهملاً تلك المنشورة في الجزائر، وهذه وضعية مؤسفة حقًا .

هنا نطرح مسألة الرواية بشكل عامّ، الرواية في الجزائر المكتوبة بالعربية أم بالفرنسية، ونلاحظ قطيعة بين الكُتّاب الذي يكتبون بالعربية والذين يكتبون بالفرنسية، بدليل أنه لمّا نذكر اتّحاد الكتاب الجزائريين، نفكّر في الشّعر بالعربية، القصّة بالعربية، الرّواية بالعربية، بدل أن يضمّ كلّ الشرائح، وفي كل اللغات، وحتى الأمازيغية ولمَ لا. ما الخلل هنا؟ في وقت زالت فيه هيكلة اتّحاد الكتّاب القديمة، ليحلّ محله فكر جديد لالتحام كلّ الكتاب.     

أنا أظنّ أن اللغة التي أكتب بها ليس لها أي تأثير فيما يخص علاقتي باتّحاد الكتّاب. فعدم وجودي في هذا الاتّحاد يرجع إلى أسباب ذاتية وشخصية، لأنني أعتبر أن الكتابة مغامرة شخصية، وليست مهيكلة في أي إطار ما. فقبل الفترة الديمقراطية في الجزائر (قبل 1988) لم أكن أنتمي إلى الاتّحاد القديم، لأنني لا أستطيع أن أنتمي إلى اتّحاد يشرف عليه حزب معيّن وهو الحزب الحاكم، وهذا موقف سياسي. لكن بعد 1988، لم أحس بميول للانضمام إلى اتّحاد ما أو حزب ما .

طبعًا هذا يرجع إلى مزاجي الخاصّ، وإلى جانب هذا أرى أن هذا الاتّحاد الذي ينادي باستقلاليته، هو في الحقيقة لازال يسير على نفس الخطّ، فنفس الأعضاء الذين كانوا في الاتّحاد قبل 1988، الذين أصبحوا ينادون بالانفصال عن النّظام، فاليوم في الجزائر نجد أن العديد من المثقفين، الذين استفادوا من مرحلة الحزب الواحد، تحوّلوا إلى ديمقراطيين، فأصبحوا يندّدون بهذا الحزب، الذي منحهم الكثير من الأشياء، لذا أظنّ أن الموقف يكون مشرفًا، لو تمسّك هؤلاء بالحزب الواحد، الذي منحهم إمكانيات لم يمنحها للآخرين .

تشكل رواية «العسس»، نقطة تحوّل في مسارك الرّوائي، تحوّل نحو الرواية الحضرية، هل هذا يعني أن الجزائر العاصمة، أين تدور أحداث الرواية مدينة حضرية فعلا؟ وهل تظنّون أنه يوجد في الجزائر قارئ حضري (أقصد برجوازيًا صغيرًا) يهتم بالأدب الجزائري؟

فيما يخصّ السّطر الأول من السّؤال، يمكن القول أنني – أنا الذي عاش في الجزائر منذ الطفولة، صحيح أنني ولدت خارج العاصمة، لكنني زاولت دراستي وعشت هنا في العاصمة – لا أعتقد أن الجزائر عاصمة حضرية، بعد التطوّرات التي عرفتها، فهي الآن فضاء ريفي، أكثر منه حضري، اليوم نلاحظ مثلا ظاهرة ربما ترجع إلى تركيز بعض الحركات السياسية في العاصمة، وهي أن مدننا صغيرة في داخل البلاد، تمتاز بطابع حضري أكثر من العاصمة، فمدينة الجزائر خلال هذه السنوات الأخيرة، لم تعد نظيفة وحضرية، بل نجدها سائرة تدريجيا، لكي تصبح مدينة ريفية، وذلك بزوال العديد من العادات الحضرية .

أما فيما يخصّ السّطر الثاني من السّؤال، فعلاً كانت هناك طبقة متوسطة، لها استهلاك يومي في مجال الأدب لا بأس به، وكانت لها إمكانات تسمح لها بشراء الكتاب مثلاً، لكنها أخذت تضعف، فاليوم نجد أن انبثاق طبقة غنية وأخرى فقيرة أصبح أمرًا واضحًا، لذا فالطبقة المتوسطة سائرة نحو الانقراض التدريجي. لذا فإن هذه الفئة التي كان في وسعها شراء الكتاب وقراءته، أصبحت منعدمة تقريبا، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار سعر الكتاب اليوم.

من النسخة الورقية للحوار

من المعروف تاريخيًا، أن الطّبقة المتوسطة هي التي تقرأ وتهتمّ بالأدب، وأظنّ أن الطّبقة المتوسّطة في الجزائر لم تعد تقرأ، هل يعود هذا إلى نمط أدبي معين ساد الجزائر، مثل الواقعية الاشتراكية التي لا تتماشى وطموحاتها كطبقة اجتماعية؟

فعلاً، لقد ساهمت البرجوازية الصّغيرة في تطوّر الفنون والأدب، وبالخصوص في البلدان الغربية، لأن هذه الطبقة لها ميّزة ايجابية تتمثّل في «القدرة في الاستعادة» فهي تستعيد حتى الأفكار التي تكون ضدها، فاليوم نجد في بلد مثل فرنسا أن الذين كانوا ضد البرجوازية مثل: جورج باطاي، ألبير كامو، تم استعادتهم واحتواءهم، لأنها – أي البرجوازية – تؤمن بفعالية كل ما هو مثمر وله قيمة، لذا فهي لا تستعيد الأفكار، بل تستعيد قيمة هذه الأفكار.

ولكن الجزائر لم تعرف تطوّرا ثقافيًا متسلسلا مثلما هو في الغرب، فتجربة ما بعد الاستقلال أدّت إلى ظهور أدب يدخل ضمن إطار الخطاب الأيديولوجي الاشتراكي، وفي نفس الوقت كان لنا أدب رفض أن يدخل ضمن هذا الخطاب، فالأسماء هنا عديدة، نجد: محمد ديب، كاتب ياسين، مولود معمري، وكلّهم أدباء عاشوا تجربتهم الأدبية كمغامرة شخصية، وكبحث عن جمال، وأفكار جديدة بعيدًا عن كل ضغوط ، ضغوط القبيلة، سواء كانت قبيلة سياسية أو اجتماعية أو حتى أيديولوجية، الشّيء الملاحظ خلال هذه السنوات الأخيرة، هو ظهور فئات تقول أن الجمال كفر والإبداع كفر والأدب كفر، ساهم بدوره في المعاناة التي يعيشها الأدب في الجزائر اليوم. هذا ما أدّى إلى تهميش الكتّاب الذين لا يجدون في كتاباتهم أي صبغة دينية، وفي ميدان التّعليم كذلك نجد أن الذين يسيطرون على هذه المؤسسة ساهموا في تشويه الأدب، لأن حبّ القراءة تأتي من المؤسسات التعليمية .

الواقع التّعليمي إذن أصبح ينذر بالكارثة، فالتلميذ لم يعد يهتم بدرس الموسيقى مثلاً، ولا يحضر الامتحانات، مفضلا الصّفر عن كلّ شيء، لأنه يعتقد أن الموسيقى كفر، لقد ربطنا ذهنية التلميذ والطالب بالجنّة والنّار، الموسيقى بالنّار والرّفض بالجنة. المؤسسة التعليمية والأدب الإسلامي أصبحا شيئان ظاهران، وهذا النوع من الأدب دخيل، ما هي خصوصية الأدب الإسلامي حسب رأيكم من علاقته بالجمال؟

هل تقصدون أدبا إسلاميا ينتمي إلى الحضارة الإسلامية، أم أدبًا له صبغة دينية إسلامية؟

لا، نقصد الأدب الإسلامي كمذهب (أدبي) يتمحور حول الفضيلة الإسلامية.

في الحقيقة ليست لي معرفة عميقة في هذا الميدان، غير أن الشّيء الملاحظ عندما ندخل مكتبات الجزائر العاصمة، وجود العديد من الكتب ذات العناوين الغريبة والمؤسفة، كتب تتكلّم عن الآخرة، عن العذاب، عن أهوال القيامة، وهذا طبعًا لا يساهم في تكوين شبابنا تكوينا ساميا، ولا تهيّئ المجتمع كي يقوم بأشياء حضارية وإيجابية، لأنه يحول دون تسليح الشباب، وبالتالي يجعله ضعيفا تجاه الحياة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رشيد بوجدرة، 1994

رشيد بوجدرة في تسجيل نادر

تمّ تسجيل هذا الفيديو النادر للرّوائي رشيد بوجدرة (1941-)، سنة 1994، في عزّ الإرهاب. تحدّث …

يوم عزف علاّ في بيروت وأبهر الحُضور

في سنة 2006، أحيى عازف العود علاّ، حفلاً في بيروت، وكان من بين الحضور نخبة …