الجمعة، 3 ديسمبر 2021

الطّاهر جاعوط: نهاية البحث عن الهوية

الطّاهر جاعوط

في العدد الأوّل من مجلة «المسار المغاربي»(1986)، التي كانت تصدر في الثّمانينيات ثم اختفت، نُشر مقال بالعربية، للكاتب الرّاحل الطّاهر جاعوط(1954-1993).

كان مقالاً نقديًا، غير متوفّر للقراء الآن، تحدّث فيه جاعوط عن الشّعر المغاربي المعاصر، بعنوان: «نهاية البحث عن الهوية». نعيد نشره كاملاً.

«إن أبرز ما يشدّ الانتباه عندما نتطرّق إلى الأدب المغاربي باللغة الفرنسية، المنشور في الفترة ما بين 1965 و1980، في عدد الإنتاج الذي ينتهي بسؤال يطرح بطريقة واضحة نوعًا ما، إن السؤال الذي يطرح هو: من نحن؟ الذي يختم به عبد اللطيف اللعبي روايته «العين والليل»، ويلخص بطريقة تكاد تشمل كثيرًا من الاهتمامات وإعادة طرح الأسئلة.

فضمن حدود هذا السّؤال ينبغي تحديد ما يمكن تسميته بالشّعر الحديث الجزائري، بصفة عامة، والذي يجب تحديده بلا شكّ.

في البدء، ينبغي أن نوضّح أن المنتقيات المنشورة حول الموضوع، في سنة 1971، من طرف جان سيناك، في دار النّشر ﺒ«سان جيرمان دي بري»، والذي يبقى دائما كمدوّنة فريدة للدّراسة بالنسبة للذين يهتمون بالشّعر في الغرب، لم تكن أبدًا شاملة، سواءً فيما يخصّ عدد الشّعراء المختارين أو المواضيع المقّدمة، إن الشّعراء الذين اختارهم جان سيناك أختيروا بدون شكّ، من أجل أسباب مصادقة أو تقرّب، وعلى أيّة حالّ فمن بين هؤلاء الشّعراء التّسعة، ثلاثة فقط منذ اثنتي عشرة سنة، منذ أن تمّ الانتقاء، قد نشر كلّ واحد منهم مجموعة وإذا عرفنا أن اثنين آخرين، لا زالا ينتجان بينما توقّف الباقي واختفى من ساحة التّأليف الشعري، وعكس ذلك منذ سنة 1971، نشر حوالي عشرون شاعرا لم يوجدوا في منتقيات جان سيناك، مجموعة أو مجموعات عديدة من القصائد الشعرية، ونظنّ أن الطّريقة الأنجح، لامتداح هذه المنتقيات، التي أعدّها شاعر كبير راحل، تتمثّل في تحديدها ضمن أبعادها العادلة، وعوض أن تجعل منها كتابًا مقدسًا، ومدوّنة مطلقة للشّعر الجزائري الحديث، يجب أن يسترجع لها دورها المحفّز، في دورها المشخّص والمحوّل،  وفي التّعبير عن بشائر شعر حديث، غني، وقوي، حصرته الظّروف الخاصّة في عدم الطّبع، يدعونا جان سيناك إلى التّوغّل لاكتشاف بعد أوسع وأعمق لهذا الشّعر، يدعونا إذًا إلى تجاوز حدود منتقياته الخاصة.

صورة من المقال في مجلة المسار المغاربي

مالذي نسميه حاليًا بالشعر الجزائري الحديث أو الجديد؟ يبدو أن هذه التّسمية تطلق على الشّعراء المولودين منذ سنة 1940، والذين بدأوا ينتشرون بعد استقلال الجزائر، يمكن أن يكون هذا الأمر هو المشترك بين الشّعراء، بما أنهم كشعراء مبدعين لم يبدأوا تعبيرًا مشتركًا للتّعبير عما جرى في العالم، كما أنّه ليس في جملتهم حاملي للفترة والتّجدد، ويكون نصًا ما لمحمد ديب، بشير حاج علي، أو جان سيناك. الشّعراء المولودون في السنوات العشرين كاشفا لأكثر من القوة والاضطرابات في النّصوص المكتوبة من طرف الشّعراء الذين نتحدّث عنهم.

إن الجديد الذي جاء به هؤلاء الشّعراء، هو عدم خضوعهم للحدود المتصلّبة للموضوعية، وإقامة النّفعية، لم يرفض الشّعراء الإحساس بالخوف، أو الإحساس بالشكّ، لقد أدخل الشّعراء(أو بالأحرى أدخلوا من جديد بعد فترة، حيث تطلّبت ضرورات الكفاح الوطني، توجيها خاصًا، وبعض التّقشف) في الشّعر التّعقيد بنفسه للحياة، حيث لم يتمكّن دواء إعجازي من تسوية الخلافات والمتناقضات وفهموا أن التّعبير الشّعري، هو كفاح مأساوي لا نهاية له، بين المعرفة (العلمية، الفنية، الأيديولوجية)، والحياة، وعندما سيأتي اليوم، الذي يكون فيه الشّعر بصفة كلية، خاضعًا للعلم، سيكون معنى هذا أن الحياة فيه ستقهر.

وما يميّز «الشّعر الحديث» الجزائري، بدون شكّ، أنه لن يجد كثيرًا من الأركان، مع انتهاء الحرب التحريرية الجزائرية، أصبحت الجزائر لا تثير إلا اهتمام النّاشرين البارزين (أحببنا أو كرهنا، فإن الأسماء الكبرى للشّعر الجزائري، قد طبع لها في باريس) يعتبرون أن الظّاهرة الجزائرية (التي هي ظاهرة تجارية، أولاً وقبل كلّ شيء، لهذا السّبب تحدث أحدهم على وجه التّحديد، على «مركز ربح» جزائري) أصبحت من الآن فصاعدًا مربحة، كما كانت، وإذا كان قيتارو لسي، وماسبيرو، قد نشروا كثيرًا من المجموعات الأدبية الجزائرية، خلال الحرب التحريرية، لم يدخل بعد سنة 1962، أي شاعر جزائري جديد، في فهرس الناشرين الكبار، حتى ولو أن الشّعر الجزائري عرف بلا ريب، تطوّرًا كبيرًا في الكمية والنوعية، أما فيما يخص ّأجهزة النّشر، فكانت إلى حدّ هذه السنوات الأخيرة، غير كافية على الإطلاق.

وأصبح الشّعر الحديث مجرد صيّاح، خاصّة وأنه يعرف أنه محكوم عليه بالتّهميش، إننا نحجز كلّ الأحلام، كل الطّموحات، كلّ الشّتائم، كلّ الإفراطات الجنسية، كأننا نعرف بأننا لا نكتب لكي ننشر، ولهذا فإن من يسمى بـ «الشّعراء الجدد»، الجزائريين، يعرفون عمومًا من طرف بعض النّوادي المطّلعين لسنوات، إن لم نقل لعشرات السنين، قبل أن ينشروا ولو مجموعة شعرية واحدة، فمثلا انتظر يوسف سبتي، وعبد الحميد الأغواطي، حتى اﻟ 39 من عمرهم، ليتمكّنوا من نشر كتيّبهم الأول، بينما كانت أسماؤهم معروفة، لدى محبّي الشّعر، قبل أن يبلغوا 25 سنة من عمرهم. وشعراء آخرون كقادر تواتي مثلاً، الذين يبلغون اليوم أربعين سنة، لم ينشروا شيئًا لحدّ الآن.

الطّاهر جاعوط، عيد اللطيف اللعبي وعبد القاد جغلول، 1986

إن مواضيع واهتمامات الشّعراء الجزائريين، الشّبان المختلفة، وإذا وجدنا شعراء يتمكنّون من وضع أنفسهم ضمن خطّة احتجاج، وغضب وحسيّة امتثالية، بدأتها بعض الأسماء المغاربية الكبيرة، ككاتب ياسين، جان سيناك، ومحمد خير الدين، فإن بعض الشّعراء الآخرين، كحميد تيبوتي، سيكونون بالأحرى، خاضعين لنوع من شعر الخيبة الاعتيادي المُمارس، في فرنسا، فرنك قناي – دنيال بيعا أو بيار تلمان – أما بالنسبة لبعض الشّعراء الشباب الآخرين، فإنّهم يمنحون دائمًا الأولوية، للاحتفال بمراحل الكفاح للتّحرير الوطني.

ولا جدال في أنّ الموضوع الذي لم يكن على أيّة حال جديد، إذا رجعنا إلى الخلفية العربية القبائلية القديمة، والذي كبتته متطلبات الكفاح السّياسي، وانبعاثات التزّمت، قد استرجع الموضوع مكانا ممتازًا، في التّعبير الشّعري الجزائري الحديث: إنّه احتفال الجسد، الذي ينفجر ابتهاجًا حسيًا، أو صرخات، رغبات غير مشبّعة.

ويكون الأمر مفيدًا، في التّوقّف عند بعض التّغييرات، التي تتعلّق بهذا الجانب التّصالحي نوعًا ما من الشّعر الجزائري، وسينكب المفسّرون المتعدّدون على اضطراب وعنف الشّعراء، وعوض أن يندرج ذلك في الضّرورة المحوّلة للشّعر، وفي الجوهر الانتهاكي لكلّ تعبير شعري، وفي صياغة كلّ القيّم، إلى غاية الكتابة نفسها، التي نجد مرّة ثانية، في كلّ شعر العالم، بفضل المفسرين، تصفّح المعجم الطّبي، حيث تشير الوصفات، إلى الاستيلاب بالتّناوب، – الاستيلاب أو الوضامة – ولم يكن نادرًا، أن تراهم يتجاوزون ذلك كمرحلة الحكم التي تبيّن لهم الشّاعر الجزائري لا كمريض وإنّما كمبدع.

فالشّعراء أنفسهم، بلا شكّ، يميلون إلى تبسيطات مفرطة، حيث يصبح الاحتجاج، قيمة مثبّتة، يكفي مثلاً اعتبار الطّريقة التي تتعرّض من خلالها للجنس، ويعتبر تعبيرهم بمثابة، تنديد عنيف يثقل العادات، لكن هذا التّنديد يتّسم بلغة تملك واختصار رجالية، كما لو أن العالم الذي نطمح إليه، عالما لتحرير جسد: جسد الرّجل، أما المرأة، فإنها تبقى دائما ميدانا للاستشهاد، وبكلمة واحدة يعتبر كأداة، ومن حسنّ الحظّ أنّ الشّعر الجزائري الحديث، يسقط الضغوط، وما هو تافه، أكثر ممن يبدع أو يحافظ عليه، وعلى ذكر هذه الكلمة الفتية والمتحركة، كان الفقيد جان سيناك، يقول «كل شمس ممكنة»، ولكن هذا الجيل من الشعراء الجزائريين، الذين يكتبون منذ عشرين سنة، يعرف أن جميع الكواكب، وكلّ الفصول يمكن أن تستفهمنا، إن قصيدتهم لم تكن شمسية فحسب، إذ يمكن أن تكون عنكبوتية، أو زحالية حاملة لكل الاسودادات، وكل الأطينة التي تغمر الرّوح أو المدينة. لقد فهم الكثيرون أننا لا يمكن أن نحمل مثالاً فصلاً واحدًا، على جبيننا، وفهموا أيضًا أنّه يجب أن يتحمّل كل الشوادن الضرورة والتمزق.

فهل بإمكاننا أن نطمح إلى الإعلان عن ذلك؟ إن الشّعر الجزائري الحديث، بحدّته وتمزّقه وعناده، يعمل على تحاشي الحرج بالكلام، لأنه حوّل إلى عطايا سخية الكلمات، التي استخدمت في بلده، من أجل التّعذيب أيضًا، فالشّعر الجزائري الحديث، وجد من أجل تجسيد المطالبة والتّمزّق والاضطراب، وتصلّب التّعبير الحديث.

إن شاعر الجزائر الحالية، يعرف أن العمل الشّعري، لا يغنينا إلا حين يستبطن التركيب والتعدّد، والتعديد، وحين تجتذب الكلمات، والمسافات كلمات، ومسافات أخرى، ويكون التأكيد على الخاصيّة في أغلب الأحيان، تأكيدًا على المكان المغلق، أو المكان المعدوم، فالشّعر يغرس جذوره لكنه لا يقاطع مناطقه، إنه يعيش من النّزوحات، ومن استصلاحات متجدّدة، وسيأتي اليوم الذي لن يحتاج فيه الشّعر إلى التعريف بنفسه، لكي يعترف به الآخرون ويتبنّوه.»

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رشيد بوجدرة، 1994

رشيد بوجدرة في تسجيل نادر

تمّ تسجيل هذا الفيديو النادر للرّوائي رشيد بوجدرة (1941-)، سنة 1994، في عزّ الإرهاب. تحدّث …

يوم عزف علاّ في بيروت وأبهر الحُضور

في سنة 2006، أحيى عازف العود علاّ، حفلاً في بيروت، وكان من بين الحضور نخبة …