الأحد، 9 أغسطس 2020

الإعلام في الجزائر.. الضّحية والجلاّد

إسلام كعبش

فتحت الجزائر، عقب أحداث 5 أكتوبر 1988، نافذة على التّعددية الإعلامية، وخاضت تجربة مهمّة، ساهمت فيها جهودات عدد من الصّحافيين، راح بعض منهم، فيما بعد، ضحية لأحداث العنف التي رافقت عشرية التسعينيات الدّامية من القرن الماضي.

تدلّ شهادة سابقة، قدّمها الرّئيس التّونسي الأسبق المنصف المرزوقي، على دور الصّحافة الجزائرية إقليميًا، في الوقوف إلى جانب عدد كبير من المناضلين السياسيين، من الجزائر وتونس، في وقت كانت كلّ المؤسسات الإعلامية في المنطقة تغلق أبوابها في وجه مناضلي القضايا العادلة، سنوات نظام الرّئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

بعد مرور ما نُعت  ﺑ«عشرية الدّم»، بكلّ مخلفاتها المأساوية على الأسرة الإعلامية في الجزائر، التي عرفت استهداف مئات الصّحافيين، تحسّنت – نسبيًا – الظّروف الاقتصادية العامة للبلاد وتطوّر المشهد الإعلامي في المحيط المغاربي، وفي العالم إجمالاً، مع الدّخول في القرن الواحد والعشرين، الذي عرف بدوره تطوّرات في استخدام التّقنيات التكنولوجية وفي استغلال الإنترنيت وفضاءات التّواصل الاجتماعي.

لكن اليوم، يتساءل كثير من المهنيين ومن المراقبين في الجزائر عن وضعية الإعلام والاتصال، في ظلّ الفوضى التي يشهدها القطاع، وانعدام النيّة لدى الحكومة لاتّخاذ تدابير إجرائية في تنظيمه وترتيب بيت الصّحافيين الدّاخلي، خاصة مع بروز القنوات الفضائية الخاصة(بداية من 2011).

يمكن تحديد بعض النّقاط التي نراها تمسّ بأبجديات العمل الإعلامي، في الجزائر، من دون وجود نية صادقة لدى السّلطات لوضع حد لفوضاها الواضحة، فيما يلي:

– إهمال إعادة الاعتبار للمجلس الأعلى للإعلام، رغم التنصيص عليه في أول قانون للإعلام تعددي لسنة 1990، باعتباره سلطة إدارية مستقلّة ضابطة، تتمتّع بالشّخصية المعنوية وبالاستقلال المالي، وتعمل على السّهر على تطبيق أحكام القانون.

– أين هي سلطة ضبط الصّحافة المكتوبة التي نصّ عليها قانون الإعلام لسنة 2012 ؟ على الرغم من أننا نجزم بأن المشكل ليس في القوانين، بل في تطبيقها.

– ما موقع سلطة ضبط السّمعي البصري، باعتبارها سلطة مستقلّة تتمتّع بالشّخصية المعنوية وبالاستقلال المالي؟ وبما أن هذا «الجهاز» يبقى أحد أهم أدوات السلطة الفعلية في مراقبة، بل أيضا في «مشاكسة»، القنوات الفضائية التي تتبنّى خطًا تحريريًا معارضًا لتوجّهات السّلطة القائمة.

– ثم لماذا يبقى الأعضاء التّسعة لهذه السّلطة الرقابية معينون من طرف السّلطة السياسية الفعلية؟ بما فيها رئيسها الذي يختاره رئيس الجمهورية وباقي الأعضاء يعينون بالقسمة، من طرف رئيسي غرفتي البرلمان السّفلى والعليا! أليس هذا دليل على أن هذه السلطة أداة من أدوات النّّظام القائم للتّحكم في الإعلام الجديد؟

فوضى يشهدها قطاع الإعلام

وجب القول أن تحرير قطاع السمعي البصري قد فُرض على السلطة، تبعًا لموجات التغيير التي مسّت بلدان المشرق والمغرب، في السّنوات القليلة الماضية، إلا أنه تنعدم الإرادة الواضحة لدى حكومة الوزير الأول عبد المالك سلال لترتيب هذه القنوات، ومنحها كامل الفرص للنشاط، من داخل الجزائر، مع احترام القانون.

هذا الانفتاح «الارتجالي» للسّمعي البصري إن صح التعبير، عكّره قرار الغلق والتشميع الذي مسّ، في السّنتين الماضيتين، قناتين فضائيتين، كانتا توظفان عددًا معتبرًا من الصحافيين والتقنيين، هما قناتا «الأطلس» و«الوطن» بقرارين قضائيين، مع أنهما لم يكن معترفا بهما قانونيا، لأن القاعدة «العجيبة» التي فرضتها وزارة الاتصال هي «قناة أجنبية برأسمال مالي وبشري وطني تخضع للقانون الجزائري».

كما لا يجب إغفال واقع ما يجري داخل بعض هذه المؤسسات، من هضم لأبسط حقوق الصّحافيين، في التّأمين الاجتماعي وفي المرتب، وفي الحقّ في العطلة، إلخ. إضافة إلى غياب التّكوين والتّأهيل بالرغم من أن القانون يفرض تخصيص نسبة معتبرة من عائدات المؤسسة في تكوين الصحافيين.

في هذا الوقت، ما تزال ورقة الإشهار تستخدم ضدّ بعض الصّحف، كأداة ضغط، تستعين بها السّلطة لخنق ما تبقى في المشهد الإعلامي ولمحو ما تبقى من مهنية صحافية.

الإعلام في الجزائر بحاجة إلى إصلاحات

بما أن الكفاءات الإعلامية المحلية هجرت البلاد في التسعينيات، بسبب الظّروف الأمنية، فبماذا سيُفسّر اليوم رحيل أي صحافي خارج البلاد، في ظلّ حديث السّلطة وأذنابها عن إصلاحات سياسية ودستورية؟

الإعلام الجزائري صار بحاجة إلى جملة من الإصلاحات، وإلى ميثاق شرف مهني، لمنع أي ضرب في مصداقية الإعلام الوطني داخليًا أو خارجيً، ولأن الإعلام تؤكده المنافسة الإقليمية، فإن المعادلة المنطقية تقول إذا لا تؤثّر في الدّاخل فإنك لن تؤثّر في الخارج، بعيدًا عن نظرة السّلطة الضّيقة لهذا الأمر، التي كشف عنها رئيس سلطة ضبط السمعي البصري السابق مولود شرفي، بقوله في أكثر من مرّة: «من بين مزايا القنوات التلفزيونية الخاصة أنها أوقفت المواطن عن مشاهدة القنوات المعادية للجزائر..»؟!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …