الأحد، 9 أغسطس 2020

رشيد ميموني: دور المثقّف هو الرّفض

رشيد ميموني

الجمعة الماضية، مرّت ذكرى رحيل الكاتب رشيد ميموني (1945-1995)، وكالعادة، مرّت وسط لا مبالاة رسمية، فالكاتب نفسه كان محرجًا في حياته، ومايزال كذلك رغم مرور أكثر من عشرين سنة على وفاته. ومن النّادر أن نجد أرشيفا لرشيد ميموني في الجزائر، فقد كان من الأسماء غير المرغوب فيها، في جرائد الحزب الواحد، ومن الحوارات القليلة جدًا التي أُجريت معه، هذا الحوار الذي قام به الكاتب والأكاديمي أحمد شنيقي، هذا الأخير التقى رشيد ميموني أشهرا قليلة قبل رحيله، تحدّث معه في الأدب وفي السّياسة، وصدر الحوار في صحيفة «Algérie-Actualité»، ترجمه إلى العربية صلاح باديس.

عندما نتحدّث عن أعمال رشيد ميموني، دائماً ما يعود مصطلح «التّشهير السّياسي».

لمدّة طويلة، وطيلة حُكم الحزب الواحد، صُنّفَت رواياتي على أنها روايات «مُعارضة سياسية». دائماً ما كانت الصّحافة الجزائرية تنعتها بكتب «هجاء سياسي». وهذه كانت طريقة، من بين طرق عديدة، للإدعاء بأن كاتبا يمارس، بالأساس، المُعارضة السياسية وبأنه بلا سحر. وبالتّالي، يحاولون إفراغ كتاباته من كلّ قيمة أدبية.

وقتها، قيل عن روايتيّ «النّهر المحوّل» و«طومبيزا»، قيل أنّهما لتشهير سياسي. بلُغة اُخرى، هذا سياسي مهووس وجد طريقة ليُسجّل حضوره ومعارضته. لست سياسياً البتّة، ولا أملك أدنى رغبة في ذلك. أنا أولاً كاتب وبالتّالي كلّ هذه النّعوت التي ألصقت بنصوصي كان لها هدف واحد: أن تنزع عنها كل قيمة أدبية، لكن ليس الآن – ربما بعد عشر سنوات – عندما بدؤوا يرون أنّه، خلف التّشهير السّياسي والذي لا أنفيه عن رواياتي، هنالك «كتابة» والدّليل على هذا اليوم، أن هذه النصوص تُدَرّسُ في عِدّة جامعات، ليس في الجزائر، لكن أيضاً في الخارج.

أستطيع أن أؤكد أنّ «طومبيزا»(صدرت عام 1984) تُدَرّسُ في عِدّ جامعات أمريكية. وهذا سبب من الأسباب التي تستطيع أن تُثبِت أنّه ليس بكتاب هجاء سياسي. أواصل الظّن أنّها كانت تهمة هدفها تهميش الكاتب والإنقاص من قيمته، كاتب لم يكن يسير في اتجاه النّظام السّياسي وقتها، بل وكان يُشهّر بالحزب الواحد. بعيداً عن كل هاته السوءات، اليوم، أغلبية النّقاد، سواء كان من الصحافة أو من الجامعات، يعودون بقراءة مختلفة. لم يعُد عليهم الرضوخ للجهة التي كان النّظام يفرضها يومها.

بل إنّهم يستدركون مواقفهم اليوم..

نعم، اليوم هنالك عودة لترجيح الكفّة بشكل ما، لأن الجميع اليوم يقول، بعد (أحداث) أكتوبر 88، ثم ظهور التعددية، وحرية كبيرة في التّعبير، حرية كبيرة في الصّحافة، الكلّ يقول أن ميموني على حقّ. كان له الحقّ في التّشهير، في القول أننا سنصل إلى كارثة، إلى مأساة. وها نحن قد وصلنا إلى كارثة تمثّلت في أحداث أكتوبر. اليوم، هنالك عودة لكتابات ميموني، بالإقرار أني كنت على حقّ، كنت من بين الأوائل اللذين كانوا على حقّ وامتلكوا الشّجاعة لقول ذلك. دائماً، ما يكونون الأشخاص أنفسهم، أولئك الذين نزعوا كلّ قيمة أدبية من أعمالي، والذين يكتشفون اليوم – بشكل متناقض –  أني امتلكتُ الشّجاعة للتّشهير السّياسي وقتها.

قبل «نصوص تشهير»، كان هنالك ديب، بوربون.. كيف يتموقع ميموني على خارطة الكتابة بالمقارنة مع هاته النّصوص وبالنسبة لهؤلاء الكُتّاب الذين اتبعوا الطّريق ذاته؟

نعم، أسلوب الكاتب هو دائماً أمرٌ شخصي. لذلك كلّ واحد منّا يمتلك أسلوباً خاصاً به، كلّ واحد يمتلك خصوصيات له، لكن عبر الرّجال والكتّاب، المؤلّفَات والمؤلفين، الذين ذكرتهم، ما نجده بشكل أساسي، هو الدّور الذي يجب أن يكون للكاتب والذي بشكلّ عام هو دور المثقّف. المفهوم الحديث لدور المثقّف، هو أن يكون أولاً وقبل كل شيء مثقفاً نقديًا، يعني أن يرفض وينتقد مساوئ المجتمع والنّظام خاصّة في أنظمة مماثلة للذي نعيش فيه، نظام الحزب الواحد، والذي يريد فرض فكرٍ واحد، ومسعى واحد.. إلخ، دور الكتّاب مثل معمري، بوربون وغيرهم، كان الرّفض، وبهذا المعنى، مسعاي الخاصّ ينتمي لهذه الفكرة. دور الكاتب ليس في دعم النّظام، لكن في انتقاد كلّ القرارات السّيئة التي بإمكانه اتخاذها.

عبد اللطيف اللعبي ورشيد ميموني على اليسار

الكاتب جزء من المجتمع، هو متورّط في كلّ ما يحدث داخله، وليس خارج المجتمع كما يظنّ البعض..

لا، بالطّبع لا. ليس خارج المجتمع، بالعكس. الكاتب، والذي حسب رأيي هو مثال أعلى للمُثقف، ويجب أن يكون كذلك. هذا تعريفي. يجب عليه أن يعيش داخل المجتمع، في ظروف عيش مُماثلة. وهذه هي الطّريقة الوحيدة التي تُمكّنه من الحديث عنها. لا نستطيع التكلّم عن شيء ونحن خارجه. من المستحيل التكلّم عن المجتمع الجزائري ونحن لا نعيش بداخله ولا نعيش يومياته. يجب علينا دحض هذه الصّورة والتي يحملها الكثيرون عن صورة الكاتب الذي يعيش في بُرجه العاجي، مفكراً في مستقبل العالم. أنا أؤمن بالكاتب المنغمس في المجتمع، مع مواطنيه، يعيش أفراحهم وآلامهم، والذي له سلوك أيّ مواطن في الشّارع.

الكاتب ليون بلوي له جملة تقول أن الكاتب هو بشكل ما المتكلّم باسم من لا صوت لهم، أولئك الذين لا يستطيعون الكلام..

أكيد، هو «صوت»، لكن ما يُعبِّر عنه، يفعله بشكل فنّي. سواء كان كاتباً، رساماً أو شيئاً آخر، دائماً الشّيء نفسه، يعبّر عن هذا بفنٍّ يسمى الأدب. هو أيضاً مرآة المجتمع، يعني أنّه يهتمّ ويكون وفياً قدر الإمكان. ليس بالضّرورة مثل «طومبيزا» بوصف الواقع اليومي. نستطيع فعل هذا حتى عبر رواية تبدو فانتازية أو أي نوع آخر من الروايات. من بين أدوار الكاتب أيضاً، أن يقدّم للمجتمع صورته، يبقى لهؤلاء النّاس الآن أن يقبلوا أو يرفضوا، تغيير هذه الصّورة التي نعطيها عليهم. إذا قبلوا، ليس هنالك مشكل، وإلاّ، فعليهم أن يأخذوا بالوسائل التي يغيّرون بها ما لا يعجبهم في حالهم. أرى الكاتب كشخص يقدّم للمجتمع صورة عن نفسه سواء رفضها، أم قبلها المجتمع.

أؤمن بنفاذ بصيرة الشّعب. هو شيء نادر أن نقدّم صورة صادقة وبلا محاباة لمجتمع ما، ويرفضها. بالعكس، هو سيتعرّف على نفسه فيها، عبر هذه المرآة، وذلك يعود لهذا البعد الأساسي لهذا الرّأي والذي أسمّيه بنفاذ البصيرة، نوع من القدرة على النّظر، بلا مجاملة ولا تجميل.

غلاف رواية طومبيزا

في واحد من النّصوص، يقول محمد حربي أن ميموني يضع على الرّكح «التّاريخ الحاضر»، الرّاهن، وأن نصوصه ستصلُح كشهادات.

أؤمن بدور الكاتب كموقظٍ للعقول. الكاتب، كما كان يقول مولود معمري، له قوة الحقيقة. يجب عليه أن يقول الأشياء كما هي وليس كما يجب أن تكون. وعلى الكاتب أيضاً أن يرفض وينتقد ويضع اُصبعه على الجرح. هذا واجب ضميره، واجبه في قول الحقيقة. وله أيضاً، حتى نعيد ما قاله حربي، واجب الشّاهد. أنا متّفق تماماً مع هذا الرّأي. يجب عليه أن يعطي صورة فترة ما. غالباً ما يكون عبارة عن مؤرخ للحاضر. الكاتب شخص يصِف وهي شهادات دائماً ما نحتاجها لاحقاً.

ألا يوجد نوعٌ من التّضاد بين «مؤرخ الحاضر» والمؤرخ بشكل عام؟

كلا، لا يوجد تضاد. لا أرى تضاداً، هي مقاربات مختلفة بشكل جذري فقط. الثّاني عالم، حتى لو أن البعض يريد أن ينزع عن التّاريخ صفته العلمية. اليوم يمكننا الحديث عن التّاريخ كعلم تحقيقات عن وقت مضى، عن شعب وعن بلد، إذًا له منهج، وله وسائل تقنية، وسائل تسمح له بكشف حقيقة ما، في حين أن الكاتب وبوصفه للمجتمع، يفعل هذا عبر الفنّ. بشكل آخر، هو لا يستعمل وسائل تقنية بل الفنّ الذي يسمح له بمخاطبة حساسية وعاطفة القارئ، وهذا ما يعتبر وسيلة أخرى لكشف الحقيقة. لسنا نعمل بالطريقة نفسها، واحد يعمل بمنهج علمي، والآخر يخاطب الفرد. المؤرخ يستطيع أن يصف مجموعة من الأحداث، الكاتب يستطيع، وعبر جملة واحدة، موقف ما، إعطاء رمزية لمجموعة أحداث أو مرحلة كاملة من التاريخ.

يعني أن الكاتب بشكل ما هو موضع الحكم الشّخصي والمؤرخ هو موضع الحكم الموضوعي.

تماماً.

بالنسبة للشّخصيات التي تفشل، التي تُحارب بشكل ما، هنالك دائماً شيئان اثنان: السّياسة والموت. لماذا تحديداً هذا الخيار؟

لأني أؤمن بأن هنالك أنظمة تسيير لبلد ما، أنظمة سياسية بشكل ما، تسمح بتعزيز الرّابط مع كلّ فرد، وتشجعه.. إلخ، وذلك بِلجْمِ الجزء الشّرير الذي يوجد داخل كل واحد منّا.

بالمقابل، هناك أنظمة شمولية، بحزبٍ واحد والتي تفعل العكس تماماً، يعني أنها تُعزّز جزء الشّر فينا وتلجِمُ أو توقف جزء الخير. هذا النّوع من الأنظمة يصل إلى صدام مع ما يفرزُه الشرّ الناتج من النّاس. وهؤلاء هم بلا حشمة ولا حرج، الذين لا يتورعون عن القيام بأي شيء، والذين يصيرون مع الوقت أمثلة. إذا لم يتوقف أحد عن القيام بالفظاعات، يقتل، يغتصب.. إلخ، وينجح، يصير لزاماً على الناس أن يقولوا في وقت ما: «هل هذا ما يجب علينا القيام به؟» وأولئك الذين يرفضون، لسبب أخلاقي، أن يدعوا جانب الشّر فيهم يفوز، دائماً ما يفشلون. أول نوع للفشل، والذي دائماً ما نجده، هو الجنون. الجنون كلاوعي، نبقى على قيد الحياة، لكننا لا نتواصل ولا نتفاعل مع الواقع. نعيش في عالم خاص، مقطوعين عن باقي العالم. بلغة أخرى، لا نعيش تناقضات المجتمع، لأننا لا نملك الوعي، لا نعيش إلاّ داخل عالمنا الخاص، مجانين ومعطّلون بالكامل. الحالة الأخرى، والتي تعتبر لانهاية، هي حلٌ لأنها تلغي الفرد، هي الموت. ها هي رؤيتي بشكل ما حول نُظمِ الحكم التي نتحدّث عنها، يقودون أفراداً، سواء لنوعٍ من الرفض وهو الجنون، وإلاّ لا يسمحون لهم بالمواصلة، يموتون، يختفون من دون أن يُحلّ المشكل. وهذا يعني أن الشّخص الذي يأتي لاحقاً، سيعرِفُ المسعى نفسه والمسار نفسه.

في «طومبيزا»، إذًا، نحن في حالة الشّخصية التي تفوز..

لا اُحسنُ الكلام عن رواياتي قبل أن يتكلّم عنها الآخرون

حتى أعيد ما قُلته الآن، هو رمز أنظمة حُكم بلاد تسمح للأكثر سوءاً بالنّجاح. هو نظام فاسد في داخله لأننا إذا تركنا هذا الجزء فينا، الجزء الشّرير، سيتغلّب في الأخير. دائماً ما يتمّ الاتّكال على شخص سيء، والذي بدوره يتّكل على شخص أكثر سوءاً. هي متاهة بلا نهاية وهذا هو ما يحدث بالتّحديد لطومبيزا، ينجح، لكنه ينتهي بالوقوع على شخصٍ أكثر شراً منه، يقتلهُ وإن لم تنتهي الرواية هنا، هذا القاتل كان لِيُقتل من طرف شخصٍ ثالث وهنا ننحرف نحو مسعى انتحاري للمجتمع، ينفجر الوضع في الجزائر في وقت معيّن، وقد انفجر في أكتوبر(1988).

إذا كُنتُ قد فهمت جيداً، وإذا عملنا بالتّوازي: مسعى السلطات أو السلطة هو مسعى انتحاري..

انتحاري بالنسبة للمجتمع، لأنهم «هُم» يستغلّون الوضع جيداً. من يمسكُ بالسّلطة يجب عليه أن يُبقي الوضع على حاله لأنه يستفيد بشكل كلّي. لهم كلّ الحسنات ولا سيئة واحدة. ومن مصلحتهم الشخصية المحافظة على النّظام. لكن بالنسبة للمجتمع فهذا شيء دموي، لأنه وفي وقت ما ستتكوّن قطيعة، صحوة جماعية ترفض النّظام السّابق وفي هذا الوقت، يجب العودة إلى الوراء لمحاولة جمع كلّ خيوط العمل التي تمّ قطعها حتى يتم وضع الخيط الأكثر قوة في النسيج وهنا، أريد أن أخبرك أن أوّل عنوان كنت قد وضعته لطومبيزا هو: «العمل والنّسيج». بلغة أخرى، عندما تقطع خيوط مجتمع ما، أي عندما يدخل المجتمع في فوضى، ولكي يصير النّسيج سليماً، يجب حتماً العودة إلى الوراء ووصلُ الخيوط التي قُطعت وهذا – برأيي – ما يجب فعله في الجزائر.

إن تكلّمنا عن العلاقة بين النصّ والتّاريخ، الرواية الأخرى التي كنا لنقرأها لميموني، هل كانت لتأخذ كبداية ذريعة تاريخية أو ربما ذريعة من اللاّحدث؟ هل يستطيع ميموني اختيار أسلوب آخر، مستوى كتابة آخر؟

بصراحة، لا أعلم إذا كان من الممكن لي الاختيار. أظن أنّه وحتى الوقت الحاضر، الأساليب التي تبنيتُها في رواياتي هي أساليب جدّ مختلفة عن بعضها البعض، لأنّي أرى أن الموضوع يجب أن يجد نفسه على حسب الأسلوب. مثلاً، الأسلوب الجاف في «النّهر المُحوّل» بدا لي مناسباً لمسعى البطل الذي يذهب للبحث عن الحقيقة ولاكتشاف بلده. لكن في  «طومبيزا» مثلاً، الأسلوب أشبه بسائل حارق. هو شخصية لها حقدٌ عظيم على المجتمع الذي تعيش فيه وهي بلا ذمّة ولا حياء. أمّا في «شرف القبيلة»، هنالك تفكير حول الذّاكرة، تفكير حول الماضي والمستقبل أيضاً. هو أسلوب أكثر نعومة.. أمّا بالنسبة للرواية القادمة، لا أستطيع وصفها لأني لا اُحسنُ الكلام عن الروايات قبل أن يتكلّم عنها الآخرون.

كيف يرى ميموني نفسه اليوم في كلّ ما يحدثُ في المجتمع من تغييرات؟

حتى أختصر، أظنّ أننا، ولأول مرّة في تاريخنا، منذ أكتوبر 88، على الطّريق الصّحيح. لا زلنا نعيشُ فترة تقلّبات، هنالك تغييرات قادرة على الحدوث سريعاً وبشكل عميق، هذا ومنذ عقود ماضية كانت التغييرات جدّ ضئيلة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عندما دافع كاتب ياسين عن الأمير عبد القادر وأشاد بفكره وجهاده

لم يكن الأديب الجزائري الراحل كاتب ياسين، يبلغ من العمر سوى 17 عاما، عندما قدم …

يوم زارت ايزابيل ايبرهارت عنابة، واعتنقت الإسلام

في شهر ماي من سنة 1897م، جاءت إيزابيل إيبرهارت إلى الجزائر، وعمرها لا يتجاوز العشرين …