الثلاثاء، 20 أغسطس 2019

يوم حلّ ماركس بالجزائر وأدان الشّيخ بوعمامة

ماركس في الجزائر

حلّ المنظر الشّيوعي الشهير كارل ماركس (1818-1883) بالجزائر يوم 20 فبراير 1882، أي قبل وفاته بسنة (توفي في 14 مارس 1883)، وذلك استجابة لنصيحة الأطباء، بتغيير إقامته، ونزولًا أيضا عند رغبة رفيقه فريديريك انجلز، الذي اقترح عليه الجزائر، كمنطقة ملائمة، تتناسب مع وضعه الصحي. وهكذا أقام كارل ماركس في الجزائر، خلال الفترة الممتدة من 20 فبراير الى 2 ماي 1882 من نفس السنة، زار خلالها العديد من المدن الجزائرية، خاصة مدينة بسكرة، التي التقط صورة له فيها، وهو يتجوّل بين شوارعها القديمة.

كان كارل ماركس، خلال مدّة إقامته في الجزائر، يبعث برسائل إلى رفيقه انجلز، يصف فيها الوضع الاجتماعي في الجزائري، ويعطي رأيه في الأحداث السائدة آنذاك، وقد بلغ عدد الرسائل تلك، أكثر من ست عشرة رسالة، قامت الكاتبة الألمانية مارلينا فيسبير، بجمعها في كتاب صدر لها سنة 1995، تحت عنوان «ماركس في الجزائر»، ترجمها الكاتب والمترجم العراقي المقيم في ألمانيا حسين الموزاني.

في تلك الأثناء، كانت مقاومة الشيخ بوعمامة في الجنوب الغربي الجزائري، في أوج عنفوانها، تتصدّر الأحداث، وتصنع مانشيتات الصحف الفرنسية الصادرة آنذاك، على سبيل المثال كتبت جريدة (Débats) الفرنسية تقول: «إنّ أحدا لم يجرؤ قبل بوعمامة، على أسر ثلاثمائة محارب فرنسي، في ضربة واحدة، والاستيلاء على ألف عربة محمّلة بالقمح، وذلك كله أمام أنظار السلطات الحاكمة…»

كان من الطبيعي أن تصل تلك الأحداث صداها، إلى مسامع كارل ماركس وهو يزور الجزائر. رد فعل ماركس السلبي، ضد مقاومة الشيخ بوعمامة، كان مفاجئا، بتبنّيه وجهة نظر الاستعمار الفرنسي، في تحليله للأحداث، واقتصاره على «معاتبة» الفرنسيين، لأنهم لم يسلموا جثة بوعمامة إلى أهله وعشيرته. وهكذا كتب في رسالة بعث بها إلى صديقه إنجلز، مؤرخّة في 18 أفريل 1882 قائلا: «يجب أن أذكر لك هنا مقلباً، دبّرته السلطة الفرنسية، ضد لصّ مسكين وقاتل محترف من العرب. ففي اللحظة الأخيرة التي يسميها اللندنيون الخبثاء، لحظة الانطلاق نحو الأبدية، اكتشف بأنه سوف لا يعدم رمياً بالرصاص، وإنما سيقطع رأسه بالمقصلة! نقضاً للتعهّد! فقطوا رأسه رغم التعهّد المسبق. ولم ينته الأمر عند هذا الحدّ: فقد كان أهله ينتظرون من الفرنسيين إعادة رأس القتيل، مثلما كان مألوفاً بعد الصلب، لكي يخيط الأهل الرأس على الجذع ثانية، فيتسنى لهم دفنه بجسد كامل. لكن الفرنسيين لم يحققوا رغبتهم، فصار الأهل يبكون ويقذفون بالشتائم، ثم ثارت ثائرتهم تماماً. غير أنّ السلطة الفرنسية قطعت الرأس عن الجسّد بالتمام والكمال. والآن إذا ما ذهب الجذع إلى الجنّة، فإنّ محمّداً سيسأله: أين أضعت رأسك؟ أو من ذا الذي فصل رأسك عن جذعك؟ إنّك غير آهل لدخول الجنّة، فلتذهب طعماً سائغاً لكلاب المسيحيين، وهكذا كان الأهل يولولون وينتحبون».

الشّيخ بوعمامة

كيف سمح ماركس لنفسه، أن يصف مقاومًا، خرج من صلب «الجماهير»، وواجه بإرادته همجية الاستعمار، بـ «لصّ مسكين، وقاتل محترف من العرب»؟ هل الاستقبال «المشبوه» للسلطات الفرنسية له في الجزائر وترحيبهم به، ووضع جميع وسائل الراحة والترفيه تحت تصرفه، كان الدافع من وراء إخفائه المتعمّد لحقيقة الوضع؟ ولماذا اكتفى في استقائه المعلومة من مصادر صحفية، يعلم جيدا انحيازها للأطروحة الاستعمارية، أو استقى ربما معلوماته، من مقالات غي دي موباسان، الكاتب الفرنسي المعروف، الذي زار الجنوب الغربي الجزائري، يومها، وكتب مقالا مناوئا للشيخ بوعمامة، ومطلقا عليه نفس الأوصاف المشينة؟

ثم من أين استقى ماركس معلوماته الخاطئة عن إعدام الشيخ بوعمامة، و«قطع رأسه» علما أن السلطات الاستعمارية كما هو موثق تاريخيًا، منحت الشّيخ بوعمامة الآمان، بعد مفاوضات، لينتقل بعدها إلى المغرب، إلى أن وافته المنية، في حدود سنة 1908.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

ناتالي فيناس. ترجمة: جلال الدّين سماعن رغم أنف الرّقابة، طفح على السّاحة جيل جديد من …

من الجزائر إلى ورقلة.. لماذا يُقاطع الجزائريون الثقافة؟!

تنويه أوّل: لا أتكّلم هنا عن الجزائريين الذين تصلهم الدعوات الرسميّة إلى مكاتبهم العريضة العازلة …